مبادرة التطبيق.. فرصة أخيرة لكسر الجمود السياسي وسط تحذيرات من عرقلة المسار الدولي
خارطة الطريق تعود إلى الواجهة.. وبن شرادة: الأزمة في غياب التنفيذ لا في غياب المبادرات
ليبيا 24
مبادرة التطبيق بين النص والتنفيذ.. وخارطة الطريق الأممية تواجه اختبار الإرادة السياسية
في مشهد سياسي يعكس تعقيدات المشهد الليبي، يبرز سؤال مصيري يلح على وجدان الشعب الليبي: إلى متى سيظل الانتظار هو عنوان المرحلة؟ بينما تستمر القوى السياسية في دوامة التجاذب، تلوح في الأفق مبادرة التطبيق التي يقودها المبعوث الأممي مسعد بولس، كمدخل محتمل لكسر الجمود الذي يعصف بالبلاد منذ سنوات.
مبادرة التطبيق.. إعادة تفعيل لا ابتكار
في تصريح حاسم أوضح من خلاله عضو مجلس الدولة سعد بن شرادة، عبر منشور على منصة التواصل الاجتماعي، حقيقة المبادرة التي أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الليبية.
فقد نفى بن شرادة بشكل قاطع وجود ما يسمى “مبادرة بولس” كأوراق جديدة، مؤكداً أنها في جوهرها “مبادرة تطبيق” تهدف إلى حث الأطراف التي تمتلك القوى على الأرض على تنفيذ خارطة الطريق المعتمدة في جلسة مجلس الأمن بتاريخ أغسطس 2025.
وأشار بن شرادة إلى أن خارطة الطريق المطروحة منذ أكثر من عام لم تنفذ، سواء من قبل الأجسام المناط بها تنفيذها أو من أطراف الصراع على الأرض. وجاءت مبادرة التطبيق المدعومة أمريكياً لتعيد طرح ذات الإطار، إلا أن بعض الأطراف ما زالت ترفض المضي في التنفيذ، مما يطرح تساؤلات حول حقيقة الأجندات التي تقف وراء هذا التعطيل الممنهج.
جوهر الأزمة.. الاستحواذ ورفض المشاركة
في تحليل عميق لجذور الأزمة الليبية، يرى بن شرادة أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن كل طرف يريد الاستحواذ على كل شيء، ولا يقبل بمشاركة الآخر، وهو ما أبقى البلاد في دائرة الجمود والانقسام.
هذه القراءة تضع الإصبع على الجرح الذي ينزف منذ سنوات، حيث تحولت مؤسسات الدولة إلى ساحات للصراع على النفوذ، على حساب مصلحة المواطن الذي يئس من تحسن الأوضاع.
اليوم، وكما يصف بن شرادة، لم يعد أمام ليبيا سوى أحد مسارين: إما أن يفرض الشارع إرادته للمطالبة بإنهاء حالة الانسداد السياسي، أو أن تُحسم موازين القوى لصالح أحد الأطراف.
وهو تشخيص يحمل في طياته رسالة تحذيرية للقوى السياسية من مغبة الاستمرار في سياسية المحاور والتنافس على النفوذ.
غموض المبادرة.. ومداخلة بولس الشافية
اعتبر بن شرادة أن مداخلة المبعوث الأممي مسعد بولس على قناة العربية قد أزالت كثيراً من الغموض الذي أحاط بالمبادرة، وأكدت ما سبق أن أشار إليه في منشوراته السابقة، بأنها لا تخرج عن إطار خارطة الطريق الأممية، بل تنسجم مع أهدافها العامة.
وهنا تكمن نقطة القوة في هذه المبادرة، حيث انتقلت من مرحلة الطرح إلى مرحلة التنفيذ بتواصلها مع الأطراف الدولية والإقليمية المتدخلة في الشأن الليبي.
ويحذر بن شرادة من أن القطار بدأ بالتحرك، ومن يختار عرقلته قد يجد نفسه خارج مسار المرحلة المقبلة، لأن المستقبل لا ينتظر المترددين ولا المعرقلين. هذه الرسالة الواضحة تحمل في طياتها إشارة إلى أن الأوان قد حان لاتخاذ المواقف الحاسمة.
التحركات الإقليمية.. تقارب أم رسائل؟
في تطور لافت، تزامنت زيارة رئيس المخابرات المصرية إلى غرب ليبيا مع زيارة رئيس المخابرات التركية إلى شرق ليبيا، مما أثار تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان المشهد يشهد تقارباً مصرياً تركياً حول الملف الليبي، أم أنها رسائل موجهة إلى معارضي مبادرة مسعد بولس.
ويبدو أن أي تفاهم إقليمي أو دولي يصب في اتجاه توحيد المؤسسات ودعم الحل الليبي الليبي بعيداً عن الانقسام، سيكون في صالح وحدة الوطن واستقراره.
في المقابل، فإن استمرار سياسة المحاور والتنافس على النفوذ لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة، وهو ما يتناقض مع تطلعات الشعب الليبي إلى الاستقرار والبناء.
حداثة الديمقراطية.. سلاح ذو حدين
في قراءة نقدية للواقع الليبي، يطرح بن شرادة سؤالاً مشروعاً حول حداثة الديمقراطية التي أثبتت التجربة أنها سلاح ذو حدين؛ فإما أن تقود الدول إلى التقدم وترسيخ دولة المؤسسات، وإما أن تتحول إلى أداة للفوضى والصراع، فتعيد الأوطان إلى عصور قديمة.
وتتسق هذه الرؤية مع ما يشهده المشهد الليبي اليوم من انسداد سياسي وتدهور للأوضاع.
ترتيب انتقالي.. حل مؤقت لأزمة مستعصية
في ظل الانسداد السياسي وتدهور الأوضاع، أصبح من الضروري التفكير في حلول واقعية تجنب البلاد مزيداً من الانقسام.
ويطرح بن شرادة أحد الخيارات المطروحة اليوم، والمتمثل في ترتيب انتقالي لتقاسم الصلاحيات بين القوى الفاعلة على الأرض، ولكن بشرط واضح لا لبس فيه، وهو أن يكون مؤقتاً ومقيداً بزمن لا يتجاوز سنتين، وينتهي حتماً بالوصول إلى دستور دائم وانتخابات عامة حرة.
ويشدد بن شرادة على أن هذا الترتيب لا يجب أن يُفهم كشرعنة للوضع القائم، بل كآلية لإدارته مؤقتاً.
فالواقع الحالي مفتوح على سيناريوهات خطيرة، أقلّها ضرراً هو استمرار الانقسام، وأسوأها التفكك. لذلك، إن كان لا بد من تسوية، فلتكن مؤقتة، واضحة المعالم، ومربوطة بانتقال حقيقي للشرعية عبر صناديق الاقتراع.
وتلتزم هذه التسوية بعدد من النقاط الأساسية، أبرزها: تحديد سقف زمني ملزم ومعلن للمرحلة الانتقالية، وتشكيل حكومة موحدة بمهام محددة تشمل الخدمات والاستقرار المالي وتوحيد المؤسسات، وإطلاق مسار دستوري واضح يفضي إلى استفتاء خلال مدة محددة، وتهيئة البيئة الآمنة للانتخابات بإشراف جهات قضائية مستقلة ومراكز دولية متخصصة، وإخضاع أي ترتيبات أمنية لرقابة مدنية.
ويؤكد بن شرادة أن الرهان الحقيقي ليس على تقاسم السلطة، بل على إنهاء المراحل الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة والتبادل السلمي على السلطة. وهذه الرؤية تتسق مع تطلعات الشعب الليبي إلى دولة مدنية حديثة تقوم على المؤسسات والقانون.
ملف الإسكان.. بين الشعارات والسياسات العادلة
في سياق متصل، أثارت تصريحات عبدالحميد الدبيبة رئيس الحكومة منتهية الولاية في ندوة بشأن مشاريع الإسكان، حول عزمه على طي صفحة مقولة “البيت لساكنه” التي ارتبطت بمرحلة سابقة، تساؤلات حول مدى إدراكه لحقيقة أن كثيراً ممن كانوا من أشد المؤيدين لتطبيق تلك المقولة يتجولون حوله في ردهات مبنى طريق السكة وعلى هرم الوزارات والهيئات والإدارات العليا.
وتطرح هذه الملاحظة تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كان رئيس الحكومة يدرك أن تلك المقولة أراد بها النظام السابق اختباراً لمعرفة مدى استعداد بعض المواطنين لقبول الاستيلاء على مساكن مؤجرة تعود ملكيتها لغيرهم، تاركاً آثاراً اجتماعية وقانونية لا تزال قائمة حتى اليوم.
ويبقى السؤال الأهم: هل يعلم الدبيبة أن معالجة ملف الإسكان لا تكون بإحياء الجدل حول الماضي، وإنما بإرساء سياسات عادلة تحترم حق الملكية، وتكفل حق المواطن في السكن الكريم وفق القانون، بعيداً عن الشعارات التي أثبتت التجربة أنها خلّفت انقسامات ومعاناة لا تزال آثارها حاضرة.
السكوت عن الباطل.. مسؤولية أخلاقية
في ختام تحليله، يؤكد بن شرادة أن السكوت عن الباطل لا يطفئه، بل قد يمنح أصحابه شعوراً زائفاً بأنهم على حق. فحين يصمت أهل الحق، يظن أهل الباطل أن الناس قد أقرت فعلهم. لذلك، يبقى إظهار الحق والدفاع عنه مسؤولية أخلاقية، بعيداً عن الإساءة والتجريح.
هذه الرسالة الأخلاقية تحمل في طياتها دعوة إلى التصدي لحالات التضليل والإطالة في الأزمة، والوقوف بوجه من يحاولون استمرار الانقسامات لأهداف لا تخدم المصلحة الوطنية العليا.
ويبقى السؤال الأخير الذي يفرض نفسه على الجميع: هل ستنجح مبادرة التطبيق في كسر الجمود، أم ستظل ليبيا رهينة الصراعات السياسية والانقسامات التي تعصف بها منذ أكثر من عقد من الزمن؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.



