غير مصنف

خبراء يقدمون خريطة طريق لإنقاذ الاقتصاد الليبي من الانهيار.. ويحذرون: الإجراءات الحالية “مسكنات” لا تعالج الجذور

ليبيا 24

خبراء يضعون خريطة طريق ثلاثية لإنقاذ الاقتصاد الليبي

في خطوة وصفت بالجريئة والضرورية، كشف خبراء اقتصاد ومالية ليببارزون عن خريطة طريق متكاملة لانتشال البلاد من أزمتها الاقتصادية المتفاقمة، محذرين من أن استمرار السياسات الحالية دون معالجات جذرية لن يؤدي إلا إلى تأجيل الانهيار وليس تفاديه.

وشارك في إعداد هذه الرؤية التي استضافها المجلس الأعلى للدولة نخبة من المتخصصين، وهم كل من الدكتور سليمان سالم الشحومي، والدكتور ناصر ميلاد المعرفي، والدكتور مختار محمد الجديد، وعبد الهادي علي عبد القادر، والدكتور عمر عثمان زرموح، والدكتور صابر محمد الوحش، والدكتور ناصر ساسي الطويري، ومحمد الخروب.

تشخيص دقيق لأسباب الخلل

أكد الخبراء في مستهل طرحهم أن المشكلة التي تعاني منها ليبيا لا تكمن في شح الموارد أو غياب الإيرادات، بل في “تفكك السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية” الناتج عن الانقسام السياسي وتعدد مراكز صنع القرار. وأوضحوا أن الدولة تمتلك إيرادات سيادية كافية، لكن الخلل الجوهري يكمن في آليات إدارتها وتوزيعها والرقابة عليها، مما أدى إلى إهدار الثروة الوطنية.

الاختلالات الرئيسية: إنفاق بلا رقابة وإيرادات بلا وعاء

وشخص الخبراء ثلاثة اختلالات رئيسية تشكل جوهر الأزمة الراهنة:

أولها: الانفلات في الإنفاق العام، حيث تعمل البلاد بدون ميزانية عامة موحدة ومعتمدة، مع وجود مراكز قرار مالي متعددة تلجأ إلى تمويل العجز عبر خلق النقود. وأوضح الخبراء أن هذه الممارسة أدت إلى تضخم الدين العام وزيادة حادة في المعروض النقدي، مما فجّر فجوة كبيرة في سعر الصرف وأذكى معدلات التضخم، الأمر الذي انعكس سلباً على القدرة الشرائية للمواطنين.

أما الخلل الثاني فيتمثل في إهدار الإيرادات السيادية، لا سيما النفطية منها. وأشار الخبراء إلى أن جزءاً من عائدات النفط لا يُحال بالكامل إلى الخزانة العامة، بسبب تعاقدات وترتيبات دولية وصفوها بأنها “غير شفافة” وتنال من السيادة المالية للدولة. كما لفتوا إلى غياب الرقابة الفعلية على استهلاكات الشركة العامة للكهرباء، خاصة فيما يتعلق بتوريدات وقود الديزل وسياسات التوليد، معتبرين أن محطة أوباري نموذج يحتاج إلى تقييم دقيق لمدى كفاءته.

أما الخلل الثالث فيتعلق بإدارة النقد الأجنبي عبر منظومة اعتمادات مستندية “غير منضبطة”، مما ساهم في تسرب العملة الصعبة إلى السوق الموازي واستنزاف الاحتياطي النقدي، وخلق ضغوط متزايدة على سعر الصرف مع ما يحمله ذلك من تبعات مباشرة على استقرار الأسعار ومستويات المعيشة.

خريطة طريق ثلاثية: من الإسعاف إلى الإصلاح

ولمعالجة هذه الاختلالات، قدم الخبراء رؤية متكاملة تقوم على ثلاث مراحل متسلسلة، لا يمكن تجاوز إحداها أو إغفالها.

تبدأ المرحلة الأولى بـ “الإسعاف العاجل لوقف النزيف”، وتركز على حماية الإيرادات النفطية وضمان توريدها بالكامل إلى الحساب الموحد، إلى جانب بقية الموارد السيادية الأخرى. وتشمل هذه المرحلة أيضاً إقرار موازنة عامة واحدة ضمن حدود الإيرادات الفعلية المتاحة، والوقف الفوري لأي إنفاق بالدين العام خارج ما يقرره قانون الميزانية، مع ترشيد استخدام النقد الأجنبي وضبط منظومة الاعتمادات المستندية.

أما المرحلة الثانية فتحمل عنوان “الإنعاش واستعادة الثقة”، وتقوم على توحيد السياسات المالية والنقدية والاقتصادية بين جميع الأطراف، وتعزيز الشفافية والإفصاح المالي بشكل دوري. ويأتي في صلب هذه المرحلة العمل على ضبط سوق الصرف وتقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، كمدخل أساسي لاستقرار الأسعار وعودة الثقة إلى العملة الوطنية.

وتختتم الرؤية بمرحلة “العلاج المستدام والإصلاح الهيكلي”، والتي تركز على تنويع مصادر الدخل لتقليل الاعتماد شبه الكلي على النفط، وإصلاح منظومة الدعم بشكل تدريجي ومدروس لضمان وصوله لمستحقيه. وتهدف هذه المرحلة في مجملها إلى تحقيق تحول نوعي في بنية الاقتصاد الليبي، من اقتصاد ريعي استهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي قادر على خلق فرص العمل وتحقيق التنمية المستدامة.

دور المجلس الأعلى للدولة في تنفيذ الرؤية

ولم تقتصر توصيات الخبراء على الجانب النظري، بل حددت أدواراً عملية واضحة يمكن للمجلس الأعلى للدولة الاضطلاع بها، انطلاقاً من موقعه كسلطة تشريعية ورقابية. وأوصوا المجلس بالعمل على تحقيق توافق تشريعي مع مجلس النواب لإقرار ميزانية عامة واحدة وشفافة، تتضمن نصوصاً صارمة تمنع تجاوز سقف الإنفاق أو اللجوء إلى التمويل بالعجز دون موافقة تشريعية مسبقة.

كما دعوا المجلس إلى التحرك لحماية السيادة المالية والنقدية من خلال متابعة التزام الجهات المختصة بإحالة كامل الإيرادات السيادية إلى الحساب الموحد، والمطالبة بتقارير دورية علنية، وتشكيل لجان تقصي حقائق للتدقيق في التعاقدات النفطية المثيرة للجدل وتقييم مشروعيتها القانونية وآثارها المالية.

وأكد الخبراء على ضرورة تفعيل دور الأجهزة الرقابية، حيث أوصوا ديوان المحاسبة بمراجعة دقيقة للاعتمادات المستندية وتدقيق الإيرادات النفطية، في حين يجب على هيئة الرقابة الإدارية التحقيق في شبهات الفساد والهدر المرتبطة بالإنفاق غير المنضبط.

وخلص الخبراء إلى تأكيد أن “وقف النزيف هو بوابة الإنقاذ، وتوحيد القرار المالي هو نقطة البداية، والرقابة الصارمة هي الضمانة الحقيقية لاستعادة الثقة والاستقرار”، داعين المجلس الأعلى للدولة إلى الانتقال من موقع التشخيص إلى موقع الفعل المؤسسي المنظم لفرض موازنة واحدة واقعية وحماية الإيرادات السيادية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى