ليبيا تعيد 346 نيجيرياً في عمليتي عودة طوعية من بنغازي وطرابلس
ترحيل 105 مهاجرين آسيويين إلى بنغازي تمهيداً لإعادتهم لبلدانهم
ليبيا.. محطة الرحيل القسري ومأزق العالقين في دروب الموت
346 مهاجراً إلى لاغوس في أسبوع وعشرات الآلاف ينتظرون المصير المجهول
في مشهد يبدو للوهلة الأولى وكأنه جزء من روتين يومي، أقلعت طائرتان من مطاري بنينا وبنغازي الدوليين خلال أيام قليلة متفرقة، تحملان على متنهما 346 مواطناً نيجيرياً. كان الوجهة لاغوس، والعودة كانت “طوعية وإنسانية” برعاية المنظمة الدولية للهجرة، وبإشراف أمني من أجهزة مكافحة الهجرة غير الشرعية الليبية. غير أن هذا المشهد، الذي تكرر مرات عديدة خلال الأشهر الأخيرة، يخفي خلف كواليس المطارات وحاويات الترحيل واقعاً أكثر تعقيداً من مجرد أرقام يتم شطبها من سجلات العبور.

فخلال الأسبوع الماضي فقط، تمكنت رئاسة جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية فرع بنغازي، بالتعاون مع المنظمة الدولية، من ترحيل 181 مهاجراً نيجيرياً في العاشر من مارس الحالي. ولم تكن هذه العملية منفردة، بل تزامنت مع رحلة أخرى من طرابلس أعادت 165 مهاجراً إضافياً إلى العاصمة النيجيرية لاغوس، في عملية وصفتها المنظمة الدولية بأنها “إنسانية” ورافقها فريق طبي لتأمين وصول الجميع بسلام. وقد تمت هذه العمليات تحت شعار “العودة الطوعية”، وهو البرنامج الذي تديره المنظمة الدولية منذ العام 2015، والذي مكن أكثر من مئة ألف مهاجر من العودة إلى ديارهم في أفريقيا وآسيا.
غير أن ليبيا لا تشهد فقط عمليات عودة من مطاراتها، بل أيضاً حركة تمشيط ونقل داخلي تمهد لموجات ترحيل أكبر. ففي مدينة سرت، قام فرع جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية بنقل 105 مهاجرين يحملون جنسيتي باكستان وبنغلادش إلى “مركز إيواء بنغازي الكبرى”. وبررت الجهات الأمنية هذه الخطوة بأنها تأتي تمهيداً “لاستكمال الإجراءات اللازمة لترحيلهم إلى بلدانهم”، في إطار تنظيم ملف الهجرة وفق الضوابط القانونية والإنسانية.
واقع العنف والانتهاكات.. “الإفلات من العقاب” سيد الموقف
ورغم الطابع الإنساني الذي تحاول الجهات الرسمية والدولية إضفاءه على عمليات الترحيل، إلا أن التقارير الحقوقية ترسم صورة أخرى عن وضع المهاجرين في ليبيا. ففي السابع عشر من فبراير الماضي، أصدرت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تقريراً مشتركاً كشف النقاب عن “انتهاكات ممنهجة يتعرض لها المهاجرون واللاجئون وطالبو اللجوء، مع إفلات تام من العقاب”. ووصف التقرير الوضع في ليبيا بأنه يقوم على “نموذج استغلال” أصبح “ممارسة شائعة وواقعاً وحشياً ومطبّعاً”.
وتشمل هذه الانتهاكات بحسب التقارير الحقوقية والصحية، عنفاً جسدياً وجنسياً، واحتجازاً تعسفياً، وابتزازاً للأهالي من قبل عصابات تهريب البشر، وحتى القتل والدفن في مقابر جماعية. وفي الوقت الذي تعلن فيه الحكومة الليبية، عن برامج طموحة لإعادة آلاف المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية مثل تشاد والصومال ومالي وسوريا، تبقى آلاف الحالات الإنسانية العالقة في ليبيا غير قادرة على العودة ولا على الاستمرار.

العالقون بين المطرقة والسندان
لا تنطبق صيغة “العودة الطوعية” على الجميع. ففي الوقت الذي يستطيع فيه مهاجرون من جنسيات محدودة العودة إلى ديارهم بمساعدة المنظمة الدولية، هناك فئات كاملة تجد نفسها رهناً للظروف السياسية والأمنية في بلدانها الأصلية. فاللاجئون السودانيون، الذين يتواجدون في ليبيا بأعداد كبيرة هرباً من الحرب الدائرة في بلادهم بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لا يستطيعون العودة إلى وطن مزقته الحرب. كما أن حالات فردية كتلك التي تمثلها ماري، الأم الكاميرونية التي هربت مع ابنتها آية ذات السبع سنوات من زوج مسيء، تجد نفسها عالقة بين جحيم الماضي في بلدها وكابوس الحاضر في ليبيا، حيث سُجنت ثلاث مرات ولا تعرف إلى أين تتجه.
أرقام صادمة ومستقبل غامض
بحسب أحدث إحصائيات المنظمة الدولية للهجرة للعام 2025، يتواجد في ليبيا أكثر من ثمانمئة ألف مهاجر، غالبيتهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وتشكل ليبيا، التي لا تبعد سوى ثلاثمئة كيلومتر عن السواحل الإيطالية، نقطة الانطلاق الأبرز في شمال أفريقيا نحو أوروبا. لكن هذه الجغرافيا القريبة تتحول إلى مقبرة مائية للكثيرين. فوفقاً للمنظمة ذاتها، لقي أكثر من 1300 مهاجر حتفهم في وسط البحر الأبيض المتوسط خلال العام 2025 وحده، في رحلة قد لا تكتمل، أو تنتهي بالعودة القسرية إلى حيث بدأت.
بين وعود الحكومة الليبية بإعادة آلاف المهاجرين بمعدل رحلتين جويتين أسبوعياً، وإعلانات المنظمات الدولية عن نجاح برامج العودة الطوعية، يبقى السؤال الأهم معلقاً: هل هذه الرحلات هي بداية نهاية معاناة المهاجرين، أم أنها مجرد نقل للأزمة من خانة إلى أخرى، بينما يبقى “الواقع الوحشي” كما هو لمن ينتظرون دورهم في طوابير الرحيل أو في زنازين الاحتجاز؟



