أخبار العالمليبيا

انقسام قضائي يهدد وحدة ليبيا وتحذيرات من انهيار مؤسسات العدالة

طرابلس وبنغازي تتبادلان قرارات النقل والإقالة.. ومراقبون: الصراع تجاوز القانون إلى واقع مؤسسي مواز.

ليبيا 24

صراع المرجعيات: الانقسام القضائي في ليبيا يهدد آخر معاقل الدولة الموحدة

هيبة القضاء على المحك
في صمت الحجرات المخصصة للمداولات، وعلى وقع أزيز مولدات الكهرباء التي تئن تحت وطأة انقطاع التيار، تتجه البوصلة في ليبيا نحو منعطف خطير لم يعد يقتصر على الصراع على النفط أو السلاح، بل انتقل إلى صميم الدولة القانونية. ففي مشهد يعيد إنتاج الانقسام السياسي داخل ثياب قضائية، تتجه الأزمة داخل السلطة القضائية إلى مزيد من التعقيد، في ظل تبادل جهتين متنازعتين على تمثيل المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي وطرابلس قرارات وبيانات متعارضة. هذا الصراع الذي بدأ كخلاف حول تفسير حكم قضائي، تحول بسرعة إلى ما يشبه “الانقسام الفعلي” الذي بات ينعكس على واقع المرافق العدنية اليومية، من نقل وندب القضاة إلى تعيين خريجي المعاهد القضائية الجدد.

معركة القرارات المتقاطعة
الشواهد الميدانية للأزمة برزت خلال الساعات الماضية بشكل دراماتيكي، حيث أصدر المجلس الأعلى للقضاء في طرابلس برئاسة المستشار عبد الله أبو رزيزة سلسلة قرارات وصفت بـ”التصعيدية”، قضت بنقل وندب عدد من أعضاء الهيئات القضائية. وكان أبرزها قرار نقل المستشار مفتاح القوي، الذي يرأس المجلس في بنغازي، إلى وظيفة إدارية في إدارة المحاماة بإحدى محاكم الشرق. هذا القرار بدا وكأنه رسالة عملية على أن المجلس في طرابلس لا يزال يعتبر نفسه المرجعية الوحيدة التي تمسك بزمام الأمور، حيث قام في اليوم نفسه بتسليم عدد من خريجي المعهد العالي للقضاء مهام عملهم بعد أداء اليمين القانونية أمام أبو رزيزة في العاصمة.

في الطرف المقابل، جاء الرد من الشرق حاسماً. أعلن المجلس الأعلى للقضاء في بنغازي رفضه القاطع لما وصفها بقرارات “منتحلة لصفة المجلس”، وشدد في بيان على أن تلك القرارات المتعلقة بالنقل والندب “منعدمة الأثر القانوني” ولا تلزم أحداً. وفي خطوة مضادة تحمل البعد ذاته، أقدم المجلس في بنغازي على إصدار قراراته الخاصة بتعيين عشرات الملتحقين الجدد بالهيئات القضائية، مؤكداً بذلك أنه يمتلك أدواته في إدارة شؤون القضاء على الأرض.

تحذيرات من انهيار بنية العدالة
هذا السجال لم يمر مرور الكرام على الأوساط القانونية والقضائية التي بدأت تشعر باهتزاز الأرضية التي يقف عليها القضاء الليبي. القاضي المستشار حيدر العائب وصف الوضع بأنه “ازدواج في المرجعية العليا داخل السلطة القضائية”، وهو وصف يكشف عن حالة من الشلل قد تصيب العملية القضائية برمتها. التحذيرات عبرت عن نفسها عبر بيان صادر عن “الجمعية الليبية لأعضاء الهيئات القضائية”، حيث حذر العائب من أن هذا الانقسام الخطير يمس بنية العدالة ويضعف ثقة المجتمع في مؤسساته التي يفترض أن تكون الملاذ الأخير لحل النزاعات.

وفي السياق ذاته، ذهبت النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية إلى أبعد من ذلك، عندما حذرت من أن هذا الانقسام غير المسبوق “يهدد استقلال القضاء، وقد يطال وجوده نفسه”. وبدا واضحاً من لهجة النقابة أن الأولوية القصوى اليوم ليست في من هو الرئيس الشرعي للمجلس، بل في “الحفاظ على بقاء المؤسسة القضائية ومنع انهيارها”، وهو سيناريو كان ولا يزال هاجساً يخشاه الليبيون في بلد أكل الانقسام جل مؤسساته السيادية.

جذور الأزمة وتداعياتها على المواطن
لعل ما يثير القلق في هذا التصعيد هو ارتباطه بنزاع قانوني مركب. فالأزمة الحالية هي وليدة حكم أصدرته المحكمة العليا في يناير الماضي، والذي قضى ببطلان تعديلات أقرها مجلس النواب على قانون النظام القضائي. هذا الحكم فتح الباب على مصراعيه أمام جدل واسع حول شرعية تشكيل المجلس الأعلى للقضاء نفسه، ومن يملك حق إدارة شؤونه. وتفاقمت الأزمة في منتصف الشهر الماضي، عندما أعلن المجلس برئاسة مفتاح القوي نقل إدارة القانون مؤقتاً إلى بنغازي، مبرراً ذلك بظروف “القوة القاهرة”.

الخبير القانوني وأستاذ القانون العام، مجدي الشعباني، يرى أن الأزمة تجاوزت الإطار التقليدي للخلافات القضائية. يقول الشعباني إن ما يحدث هو “واقع مؤسسي جديد فرض نفسه داخل السلطة القضائية”، حيث لم يعد الانقسام نظرياً بل بات يفرض نفسه عملياً على عمل الهيئات. ويضيف أن وجود مرجعيات متوازية لإدارة القضاء يهدد استقرار المراكز القانونية للأفراد ويقوض ثقة المواطنين، مشدداً على أن القضاء يمثل آخر مؤسسات الدولة التي يمكنها أن تتحمل وطأة الانقسام السياسي الذي تعيشه البلاد منذ عام 2011.

ويرى الشعباني أن العلاج يبدأ بمسار قضائي يحسم النزاع على المرجعية، إلى جانب تدخل تشريعي لمراجعة الإطار القانوني، مستدركاً بأن أي معالجة تظل رهينة بتوافق سياسي يحيّد القضاء عن الصراع. هذا الرأي يتوافق مع تحذيرات دولية، حيث سبق للأمم المتحدة أن نبهت إلى أن المؤسسة القضائية تمثل الركيزة الأساسية للحفاظ على وحدة الدولة، محذرة من أن انقسام بنيتها قد ينعكس سلباً على مختلف جوانب الحياة في ليبيا. في النهاية، يبقى السؤال معلقاً في أروقة المحاكم: هل ينجح القضاء في إيجاد مخرج لأزمته الداخلية، أم أن الانقسام سيطال آخر جدران الدولة الليبية التي ظلت صامدة نسبياً في وجه عواصف الصراع؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى