أخبار العالمليبيا

تصعيد خطاب الإخوان في ليبيا يضع الجماعة على أعتاب تدقيق أميركي جديد

جدل في طرابلس بعد فتاوى الغرياني المسيسة وتأييده هجمات طهران على الخليج

ليبيا 24


واشنطن تدرس تصنيف إخوان ليبيا على خلفية خطاب الغرياني الداعم لإيران


تشهد الساحة الليبية حالة من الترقب الحذر إزاء التداعيات المحتملة للخطاب السياسي والديني الذي يطلقه قياديون محسوبون على جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، لا سيما المفتي المعزول الصادق الغرياني، والذي تطور مؤخراً ليصل إلى حد تبرير الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي والتعبير عن التعاطف مع طهران في مواجهة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. هذا التطور يأتي في وقت تشدد فيه الإدارة الأميركية إجراءاتها تجاه أنشطة الجماعة وتمويلها، وكان آخرها إدراج فروع لها في السودان ودول إقليمية أخرى على قوائم العقوبات .

ويرى مراقبون أن هذا التحول الخطابي قد يضع فرع الجماعة في ليبيا تحت المجهر الأميركي مجدداً، خاصة في ظل السياق الإقليمي الملتهب والمواجهة المفتوحة مع إيران. فالمفتي المعزول الغرياني، المعروف بعلاقات النفوذ الواسعة في طرابلس، وصف الحرب على إيران بأنها “حرب توسعية لنشر التكفير والإلحاد”، معتبراً الهجمات الإيرانية على دول الخليج “دفاعاً مشروعاً عن النفس”، في موقف أثار استنكاراً واسعاً داخل الأوساط الليبية والعربية.

حضور متراجع ونفوذ خفي

تعيش جماعة الإخوان في ليبيا منذ خمس سنوات حالة من التراجع والانقسام الحاد، بعد أن كانت قد تصدرت المشهد السياسي في أعقاب أحداث فبراير 2011 عبر ذراعها السياسي حزب “العدالة والبناء”. لكن التراجع الشعبي الذي منيت به الجماعة لم ينهِ نفوذها بالكامل، إذ لا تزال تحتفظ بخيوط مؤثرة داخل دوائر القرار في غرب ليبيا، إما عبر شخصيات وصلت إلى مناصب سيادية، أو عبر مجموعات مسلحة موالية لها تنتشر في العاصمة ومدن الساحل.

وفي تطور لافت، كشف قرار رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي بتعيين القيادي الإخواني البارز علي الصلابي مستشاراً لشؤون المصالحة الوطنية عن محاولة الجماعة لاستعادة موقعها في المشهد الرسمي . وقد أثار هذا القرار موجة غضب واسعة، واعتبره رئيس تجمع الأحزاب الليبية فتحي الشبلي “طعنة في مسار المصالحة” و”تجاهلاً صارخاً لموقف الأغلبية الليبية الرافضة لهذا التيار، والتي عبرت عن ذلك في صناديق الاقتراع سابقاً” .

ويرى عبد الله الديباني، المدير التنفيذي للهيئة الليبية للسلام والمصالحة المجتمعية، أن مجرد ترشيح الصلابي لهذا المنصب “يثير أسئلة مقلقة لدى الليبيين، خاصة في بنغازي”، مشيراً إلى أن الرجل “مرتبط بشبهات دعم تنظيمات متطرفة نشطت بين 2014 و2019، على رأسها أنصار الشريعة المرتبطة بتنظيم القاعدة” .

بين التدقيق الدولي والمعايير القانونية

يرى أسامة الشحومي، مؤسس مركز “هيسبيريدس” للأمن والدراسات الاستراتيجية في لندن، أن تعاطف بعض الأصوات الليبية مع الخطاب الإيراني، وتحديداً فيما يتعلق باستهداف دول الخليج، يثير “حساسية سياسية” لدى الولايات المتحدة وحلفائها. لكنه يشدد على ضرورة التمييز بين المواقف السياسية والمعايير القانونية الصارمة التي تعتمدها واشنطن عند فرض العقوبات.

ويوضح الشحومي أن الولايات المتحدة لا تفرض تصنيفاتها بناء على التصريحات الإعلامية، بل تستند إلى أدلة مادية تتعلق بتقديم دعم مالي أو لوجستي، أو وجود تنسيق عملياتي مع جماعات مصنفة على قوائم الإرهاب. ويضيف أن “مقارنة الوضع الليبي بما حدث في السودان يجب أن تتم بحذر شديد، لأن القرار الأميركي هناك جاء استناداً إلى اتهامات بوجود ارتباطات بشبكات مسلحة نشطة، وليس لمجرد المواقف السياسية”.

غير أن الشحومي يحذر من أن استمرار هذا النوع من الخطاب الداعم لإيران والموالي لأجندتها قد يرفع مستوى المتابعة الاستخبارية والمالية الأميركية للفروع الليبية، خاصة في ظل التوتر المتصاعد بين طهران وحلفاء واشنطن في الخليج، مرجحاً أن يبدأ التحرك الأميركي بالمراقبة والضغط السياسي قبل الانتقال إلى خيارات أكثر تشدداً.

انعكاسات سلبية على ليبيا

في المقابل، يذهب الباحث في الشؤون السياسية عبد الله الغرياني إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن الخطاب المنسوب لبعض رموز الإخوان، وفي مقدمتهم المفتي المعزول، “سينعكس سلباً على ليبيا كدولة”، مشيراً إلى أن الصادق الغرياني لا يزال يتمتع بتأثير واسع رغم قرار عزله الصادر عن مجلس النواب الليبي.

ويؤكد الباحث أن “مثل هذه التصريحات تسببت خلال العقد الماضي في أزمات عدة على الصعيد الدولي للجماعة”، مستبعداً أن تمر واشنطن مرور الكرام على مواقف تنحاز إلى طهران في حرب مفتوحة تخوضها الإدارة الأميركية حالياً. ويرجح أن يؤدي استمرار هذا الموقف إلى زيادة الضغوط الدولية على ليبيا، وربما إعادة طرح ملف تصنيف الفرع الليبي من جماعة الإخوان ضمن قوائم الإرهاب، وهو السيناريو الذي قد يطيح بحضور الجماعة المتبقي في المشهد السياسي الليبي الهش.

موقف شعبي وسياسي رافض

ويبقى الموقف الشعبي الليبي الواسع، الممتد من الشرق إلى الغرب والجنوب، رافضاً لجماعة الإخوان ولمحاولاتها المستمرة للتسلل إلى مؤسسات الدولة. وقد عبر مراقبون ليبيون عن استنكارهم لفتاوى الغرياني المسيسة التي تخدم أجندة خارجية، معتبرين إياها خروجاً عن ثوابت الشعب الليبي وموقفه الثابت والداعم لأمن واستقرار دول الخليج العربي.

فشل الجماعة في استعادة شعبيتها يجعل رهانها على النفوذ الخفي والتحالفات الإقليمية محاولة أخيرة للبقاء في المشهد، غير أن المتغيرات الدولية والإقليمية المتسارعة قد لا تترك مجالاً لهذه المناورات، خاصة إذا ما ثبت تورط قياداتها في تقديم دعم حقيقي للمشروع الإيراني في المنطقة.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى