بلا حكومة تجمعهم.. نخب ليبيا تخوض حرب إصلاح الدعم على الشاشات: تحويلات نقدية أم انفجار تضخمي يبتلع ما تبقى من استقرار؟
معركة فيسبوك على مستقبل ليبيا.. حرب نخبوية شرسة حول 'كاش' المحروقات في ظل فراغ الدولة وانقسام المؤسسات
ليبيا 24 – عبدالعزيز الزقم
دولة غائبة ومؤسسات متصدعة.. ‘ساحة فيسبوك’ تتحول لحلبة مصارعة ليبية بين أنصار تعويضات المحروقات والمحذرين من شبح الانهيار الاقتصادي
فيما تغيب الدولة ومؤسساتها عن المشهد، تحولت صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك خلال الأسابيع الماضية إلى ساحة مفتوحة لواحدة من أهم المعارك الفكرية في تاريخ ليبيا الاقتصادي الحديث.
نخب البلاد من خبراء اقتصاد وأساتذة جامعات ورجال أعمال ووزراء سابقين ومصرفيين، انخرطوا جميعاً في نقاش محتدم وعميق حول قضية باتت تمس جوهر العقد الاجتماعي الليبي: مصير دعم المحروقات. نقاش لم يعد يقتصر على تقييم سياسة بعينها، بل صار مرآة تعكس انقسامات النخبة وأزمات الدولة وأسئلة الهوية الاقتصادية للبلاد.
فبين من يرون في الدعم الحالي “جريمة اقتصادية منظمة” تستنزف نحو أربعين بالمئة من الإنفاق العام وتهدر مئات المليارات منذ عقود، وبين من يحذرون من أن إصلاحه في ظل الانقسام السياسي وانهيار المؤسسات سيكون بمثابة “قفزة في المجهول” تدفع ثمنها الشرائح الأضعف، تدور رحى معركة كلامية من العيار الثقيل، عنوانها الأبرز: هل تملك ليبيا ترف الانتظار، أم أنها لا تملك ترف المغامرة؟
خريطة المعركة: جبهات ثلاث وحلقة واحدة
منذ أن أطلق الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أبو سنينة “كلمته اللابد منها”، مروراً بردود رجل الأعمال حسني بي المتتالية، ووصولاً إلى دخول أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور عطية الفيتوري وعضو مصرف ليبيا المركزي السابق أمراجع غيث والوزير الأسبق منير عصر والباحث عماد أبو خزام، تبلورت ثلاث جبهات رئيسية في هذا النقاش.
الجبهة الأولى، ويمثلها حسني بي وأمراجع غيث بدرجة ما، تنطلق من تشخيص مفاده أن منظومة الدعم العيني القائمة لم تعد مجرد سياسة اقتصادية فاشلة، بل تحولت إلى “آلية ضخمة لتحويل ثروة الليبيين إلى التهريب والهدر والاستهلاك المفرط وشبكات المصالح”.
وترى هذه الجبهة أن الحل يكمن في استبدال الدعم العيني بدعم نقدي مباشر يصل إلى جيب المواطن، مع تحرير أسعار الوقود لتعكس تكلفتها الحقيقية.
وتستند في ذلك إلى حجج متعددة: أن الدعم الحالي يستفيد منه الأغنياء أكثر من الفقراء، وأنه يخلق فجوة سعرية هائلة تشجع التهريب، وأن التحويلات النقدية ستعيد توجيه الإنفاق العام من السلعة إلى الإنسان، مما يرشد الاستهلاك ويوفر مليارات الدولارات ويخرج ملايين الليبيين من تحت خط الفقر.
ويؤكد حسني بي أن الأمر لا يتعلق بضخ أموال جديدة في الاقتصاد، بل بإعادة توجيه الأموال نفسها التي تنفق حالياً بصورة أكثر كفاءة وعدالة، ويستشهد بنماذج محاكاة رقمية يقول إنها تثبت محدودية الأثر التضخمي، الذي قدره بين 1.8 و3.5 بالمئة فقط.
الجبهة الثانية، ويمثلها الدكتور محمد أبو سنينة والدكتور عطية الفيتوري والدكتور علي الشريف، تتفق في جوهرها على أن الدعم الحالي معطوب ويحتاج إلى إصلاح، لكنها تختلف جذرياً حول التوقيت والآلية.
فرجل الاقتصاد أبو سنينة، الذي طاله اتهام حسني بي بـ”تضارب المصالح” في إحدى الجولات، يصر على أن أي تحويلات نقدية في مجتمع يعاني من ارتفاع “الميل الحدي للاستهلاك” ستتجه فوراً إلى شراء السلع الغذائية والخدمات، مما يفجر موجة تضخمية تأكل أي زيادة في الدخل قبل أن تصل إلى الوقود.
وهو يدعو إلى حل وسط يتمثل في بطاقات ذكية مخصصة لشراء الوقود فقط، تمنح للفئات المستهدفة دون غيرها، على غرار تجربة “إيفاء”.
أما الفيتوري، فيذهب إلى أبعد من ذلك، محذراً من أن أي تغيير في الظروف الراهنة “سيكون أسوأ من الوضع القائم”، ومؤكداً أن الأولوية المطلقة يجب أن تكون لمكافحة الفساد وتوحيد المؤسسات قبل التفكير في أي إصلاح.
ويضيف الشريف بعداً سياسياً حاسماً: أن الكلام كله “غير واقعي يتم التسويق في ظل دولة مقسمة وتدهور في عملتها وتضخم في موازنتها العامة وعدم قدرة الإيرادات على تغطية عجزها”.
أما الجبهة الثالثة، فيمثلها وزير الاقتصاد الأسبق منير عصر والباحث عماد أبو خزام، وهي لا ترفض الإصلاح من حيث المبدأ بقدر ما تنتقد المنهجية التي تدار بها هذه الملفات.
فعصر يشن هجوماً عنيفاً على “الفكر المحاسبي الضيق” الذي يختزل الاقتصاد في عمليات جمع وطرح، متسائلاً عن مصير بلد “تفتقر للبنية التحتية ومواصلات عامة وتشرب بصهاريج المياه” إذا ارتفعت أسعار الوقود فجأة.
ويحذر من أن التضخم قد يصل إلى نسب “لا تخطر على بال”، مستشهداً بأن دولاً مستقرة تهدد حكوماتها بالإزاحة إذا بلغ التضخم 5 بالمئة.
أما أبو خزام، فيقدم ورقة تحليلية هي الأكثر رصانة من الناحية الأكاديمية، محذراً ليس فقط من التضخم الفوري، بل من التآكل الزمني لقيمة الدعم النقدي، ضارباً مثلاً تاريخياً: ستة آلاف دينار كانت تعادل خمسة آلاف دولار عندما كان سعر الصرف 1.20 دينار للدولار، أما اليوم فلا تعادل سوى 716 دولاراً.
ويتساءل: من يضمن ألا يتكرر سيناريو “رفع سعر الصرف” الذي وعد به البعض سابقاً بأنه سيعزز القوة الشرائية، فكانت النتيجة انتقال السعر من 1.20 إلى 4.48 دينار للدولار وتدهور القوة الشرائية للمواطنين؟
من الخلاف الفني إلى الاتهامات الشخصية: عندما انحدر الحوار
لم يظل النقاش طويلاً في مربع التحليل الفني المجرد. ففي واحدة من أكثر الجولات حدة، اتهم الدكتور محمد أبو سنينة نظيره حسني بي بـ”تضارب المصالح”، قائلاً إن إصراره على جعل البديل نقدياً وليس بطاقة ذكية سببه أن الأموال “ستتجه للسلع الاستهلاكية التي أنت مهتم بها وهنا تتحقق مصلحتك، والتعارض بين المصلحة الشخصية والمصلحة العامة”. واعتبر أن هذا الاتهام “يكفي لنسف كل الأطروحة”.
رد حسني بي لم يكن دفاعاً شخصياً، بل كان انتقالاً إلى أرض الأرقام والمحاكاة، متحدياً مناظره بأن يقدم نموذجاً رقمياً بديلاً بدل “الرأي غير الثابت رقمياً”.
وفي جبهة أخرى، شن الفيتوري هجوماً مبطناً على “المحاسبين والتجار” الذين وصفهم بأنهم “داخلين في كل شيء يظنون أنهم يعلمون”، في إشارة لا تخطئها العين إلى خلفية بعض الداعين للإصلاح.
وأكد في أكثر من موضع أن “الخبير الاقتصادي الحقيقي يمكن أن يقول رأياً ضد مصلحته الشخصية في سبيل تحقيق مصلحة عامة”، مضرباً مثلاً بمن يستشار في توزيع الاحتياطيات الأجنبية على المواطنين: مصلحته الشخصية تدفعه للموافقة، لكن ضميره المهني يفرض عليه الرفض.
هذا الانزلاق إلى دائرة الاتهامات الشخصية وتضارب المصالح لم يكن عرضياً، بل يكشف عن أزمة ثقة عميقة بين أطياف النخبة الليبية.
ففي بلد تنخر المحسوبية والفساد مؤسساته، يصبح من الصعب الفصل بين الرأي الاقتصادي والمصلحة التجارية، بين النصيحة الفنية والأجندة الخاصة. وبدلاً من أن يتحول النقاش إلى طاولة حوار وطني، تحول إلى ساحة لتصفية الحسابات، يخرج منها المواطن العادي أكثر حيرة مما دخل.
سؤال الصلاحيات: من يملك حق التغيير في دولة منقسمة؟
في صلب النقاش، ثمة سؤال معلق لم يجب عنه أحد بشكل شاف: من الذي يملك صلاحية اتخاذ قرار بهذا الحجم في ليبيا اليوم؟ الدكتور أبو سنينة طرحه بوضوح: “من الذي يملك صلاحيات اتخاذ قرار رفع الدعم أو استبداله نقداً، في ظل الانقسام السياسي، وفي غياب ميزانية عامة واحدة للدولة، وماهي ضمانات تنفيذه على كامل التراب الليبي لو أقر من جانب واحد؟”.
هذا السؤال، الذي بدا نظرياً، أجابت عنه عملياً تحذيرات المرشح الرئاسي السابق الدكتور مبروك أبو عميد في إحدى الجولات السابقة، حين كشف أن “الفساد الحقيقي يبدأ من المسؤولين عن عقود توريد الوقود حتى وصوله إلى الموانئ”، وأن “التهريب الحقيقي يتم في عرض البحر”.
وحذر من أن رفع الدعم في ظل دولة لا تحترم أحكام القضاء لن يؤدي إلى إصلاح، بل إلى “تقنين النهب”، حيث “تتحول الأموال إلى الحكومة ونهبها من جديد تحت مظلة القانون دون أن يستفيد المواطن منها، كما تم نهب تريليون ومليار دينار الذي أكدته الأجهزة الرقابية، وكما تم نهب قيمة رفع الدعم عن السلع التموينية”.
وهكذا، يقف الجميع أمام معضلة كافكاوية: الإصلاح يحتاج إلى دولة قوية ومؤسسات فاعلة، وهذه تحديداً هي الغائبة. وفي غيابها، يصبح أي إصلاح أشبه برمي النرد، وقد تكون النتيجة أسوأ مما هو قائم، كما حذر الفيتوري.
لكن في الوقت نفسه، فإن استمرار الوضع القائم يعني عملياً استمرار النزيف، وقد بات الجميع يدرك حجمه: مئة مليار دينار في 2024، وأكثر من مئة وعشرين ملياراً في 2026 وفق تقديرات حسني بي، أي ما يقارب أربعين بالمئة من الإنفاق العام.
الاقتصاد القياسي في مواجهة المحاكاة الحسابية: أي المنهجين يصدق؟
في البعد الأكاديمي من النقاش، ثمة صراع منهجي خفي بين مدرستين. المدرسة الأولى، ويمثلها الفيتوري وأبو سنينة، تستند إلى نماذج الاقتصاد القياسي التي تستخدم “معادلات رياضية” لفهم العلاقات المعقدة بين المتغيرات، وترى أن تبسيط المشكلة في عمليات “جمع وطرح وقسمة وضرب” هو “أدوات المحاسبين والتجار” لا أدوات الاقتصاديين.
المدرسة الثانية، ويمثلها حسني بي، تقدم نماذج محاكاة رقمية تقوم على افتراضات محددة، وترى أن الاقتصاد الحديث “يقوم أساساً على النماذج الكمية وتحليل السيناريوهات”، وأن رفض الأرقام دون تقديم بديل هو هروب من النقاش الجاد.
هذا الصراع المنهجي ليس أكاديمياً محضاً، بل له انعكاسات عملية عميقة. فنماذج الاقتصاد القياسي، بقدر ما هي أكثر دقة من الناحية النظرية، تحتاج إلى بيانات طويلة المدى وموثوقة، وهي سلعة نادرة في ليبيا اليوم. أما نماذج المحاكاة، فرغم بساطتها النسبية، تقدم إجابات سريعة ومفهومة للرأي العام، لكنها قد تكون شديدة الحساسية للافتراضات الأولية، بحيث يؤدي أي تغيير طفيف في هذه الافتراضات إلى نتائج مختلفة جذرياً.
وعندما يصر حسني بي على أن التضخم لن يتجاوز 3.5 بالمئة، وعندما يرد عليه عصر بأن التضخم قد يصل إلى “خمسة آلاف بالمئة”، يدرك المرء حجم الهوة ليس فقط في المواقف، بل في المنهجيات وطرائق النظر إلى المشكلة.
صوت الغائب الأكبر: المواطن الليبي
في خضم هذا الصراع النخبوي المحتدم، يغيب صوت الطرف الأهم: المواطن الليبي نفسه. ذلك الذي لا يهمه إن كان الدعم يمنح نقداً أم عبر بطاقة ذكية، بقدر ما يهمه أن يعيش بكرامة، وأن يشعر أن ثروة بلاده تنعكس على مائدته وعلاج أبنائه وتعليمهم. نخب تتصارع على فيسبوك، بينما العائلات تتصارع على لقمة العيش.
الفيتوري، في معرض دفاعه عن حصر القرارات الفنية بيد الخبراء، قال إن “عامة الناس قد لا يفقهون كامل أبعاد القضية المطروحة، وقد يطرحون حلولاً عاطفية نفعية تكون نتيجتها كارثية”.
هذا الموقف، بصرف النظر عن وجاهته التقنية، يحمل في طياته إقصاء ضمنياً للمواطن من دائرة القرار، في وقت يتحدث فيه الطرف الآخر عن تمكينه مباشرة من ثروته. وبين النخبوية التقنية والشعبوية النقدية، يظل المواطن الليبي حائراً، لا يدري إن كان يرى أمامه وصفة إنقاذ أم وصفة انتحار اقتصادي.
ويزيد من هذا القلق أن التجارب التاريخية لا تصب في مصلحة المتفائلين. فأبو خزام يذكر بأن بعض من يبشرون اليوم بالدعم النقدي هم أنفسهم من بشر بالأمس بتحرير سعر الصرف، ووعدوا بأنه سيعزز القوة الشرائية، فكانت النتيجة تدهوراً متواصلاً في قيمة الدينار.
والذاكرة الشعبية ما تزال تحتفظ بسجل طويل من الدعم الذي ألغي دون تعويض: دعم السلع التموينية، ومنحة الطلبة، ومخصصات النقد الأجنبي السنوية. فما الذي يضمن ألا يكون الدعم النقدي للوقود هو الحلقة التالية في هذا المسلسل؟
معركة فكرية في فراغ مؤسسي
في نهاية هذا الاستعراض لأسابيع من النقاش المحتدم، يخرج المرء بانطباع مرير: ليبيا تملك وفرة من العقول الاقتصادية القادرة على تشخيص الداء ووصف الدواء، لكنها تفتقر افتقاراً شبه كامل إلى الحد الأدنى من الإجماع السياسي والمؤسسي الذي يسمح بتطبيق أي وصفة.
النقاش الذي يفترض أن يجري تحت قبة البرلمان أو في أروقة المصرف المركزي أو في جلسات مجلس الوزراء، يدار اليوم على فيسبوك، ويتحول إلى مادة للاستقطاب والتشكيك في النوايا، بينما المؤسسات غائبة أو عاجزة.
في هذه الأثناء، يواصل الدعم الحالي نزيفه، وتستمر شبكات التهريب في جني أرباحها من فجوة سعرية قال حسني بي إنها تصل إلى “أربعين ضعفاً أو أربعة آلاف بالمئة”.
وفي هذه الأثناء أيضاً، يواصل الاقتصاد الليبي دورته المفرغة: إنفاق عام متضخم يغذيه دولار النفط، ودعم عيني يسرّب معظمه خارج حدود المنفعة الاجتماعية، وتضخم متأتٍ من زيادة الطلب على العملة الأجنبية، وتآكل مستمر في القوة الشرائية للمواطن.
بين “كفى متاجرة باسم الفقير” التي رفعها حسني بي، و”يجب القضاء على الفساد أولاً” التي يكررها الفيتوري، و”الموضوع اقتصادي صرف مش محاسبي ضيق” التي أطلقها عصر، و”أين ستوفر الحكومة 72 ألف دينار سنوياً لكل أسرة؟” التي سألها أبو سنينة، و”التضخم سيأكل قيمة الدعم عاماً بعد عام” التي حذر منها أبو خزام، يقف المواطن الليبي حائراً، لا يملك إلا أن يتابع هذه المعركة الفكرية التي قد تحدد مصير أبنائه وأحفاده.
ويظل السؤال معلقاً: هل ستنتهي هذه المعركة إلى حل ينقذ ما تبقى من الثروة والنسيج الاجتماعي، أم أنها ستظل مجرد “نقاش على فيسبوك” بينما تستمر سفينة الاقتصاد الليبي في الغرق ببطء، والمهربون والمضاربون يضحكون على الجميع؟



