عربى

أبوسنينة يحذر من تضخم التحويلات النقدية ويدعو للبطاقات الذكية

حسني بي يرد: الدعم النقدي إعادة توجيه للإنفاق وليس إنفاقاً جديداً

ليبيا 24

دخل النقاش الاقتصادي الدائر في ليبيا حول إصلاح دعم المحروقات منعطفاً تحليلياً جديداً، بعدما قدم الخبير الاقتصادي الدكتور محمد أبوسنينة رؤية تفصيلية محذراً من مخاطر التحويلات النقدية المباشرة، ومؤكداً أن الخيار الأكثر أماناً للاقتصاد الليبي هو اعتماد بطاقات ذكية مخصصة لشراء الوقود للفئات المستهدفة فقط.

وبينما أيّده أستاذ الاقتصاد الدكتور عطية الفيتوري في هذا التوجه محذراً من موجات تضخم متعاقبة، واصل رجل الأعمال حسني بي دفاعه عن خيار الدعم النقدي المباشر، معتبراً أن التحذيرات من التضخم تخلط بين “زيادة إنفاق جديد” و”إعادة توجيه إنفاق قائم أصلاً”.

أبوسنينة: النقاش تحول من إصلاح الدعم إلى إعادة توجيه الإنفاق العام

في منشور مطول بدا أقرب إلى ورقة بحثية منه إلى تدوينة عابرة، أوضح الدكتور محمد أبوسنينة أن النقاش الجاري حول دعم المحروقات “تحول من نقاش حول إصلاح الدعم ضمن الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة، إلى نقاش حول أفضل الطرق لتعويض المواطنين عندما يرفع الدعم عن المحروقات”.

وحدد اتجاهين رئيسيين في هذا النقاش: الأول يدعو إلى التدرج ومراعاة الظروف الموضوعية التي أقر فيها الدعم، وتوفير بدائل النقل العام، ومنح الدعم عبر بطاقة ذكية للفئات المستهدفة فقط لضمان عدم توجيه قيمته نحو الطلب الاستهلاكي على السلع الأخرى.

والثاني ينادي ببيع الوقود بسعر التكلفة، الذي قد يصل إلى ستة دنانير للتر، وتحويل الدعم نقداً إلى جميع المواطنين بالتساوي.

وحذر أبوسنينة من أن هذا التحول في النقاش يعني تجاوز مشكلة إصلاح الدعم بحد ذاتها، إلى “مناقشة وضع تقوم فيه الحكومة بإعادة توجيه الإنفاق العام في شكل تحويلات نقدية تدفع لجميع الأسر الليبية، بحجة تحقيق العدالة في توزيع إيرادات النفط”.

واعتبر أن هذا التبسيط “المحاسبي المخل” لا يراعي المعايير الاقتصادية الحاكمة لسياسة إعادة توزيع الدخل في اقتصادات الدول، والتي تشمل العدالة والكفاءة والحوافز والإنتاجية والتخصيص الأمثل للموارد وقابلية الاستدامة.

ستة أسئلة حاسمة ونظرية التضخم

ثم طرح أبوسنينة ستة أسئلة وصفها بالحاسمة، تبدأ بالآثار التضخمية لضخ أموال إضافية للقطاع العائلي، وكيفية التحكم في التضخم المتوقع “لأن العبرة ليس بمصدر الأموال ولكن بأين توجه وأوجه استخدامها”.

وتنتقل إلى الأثر على تكلفة النقل والإنتاج في المصانع والمخابز عند بيع الوقود بسعر التكلفة، ومصير استهلاك الحكومة والمؤسسات العامة الذي يقدر بنحو نصف الوقود المستهلك، وضمانات منع استمرار التهريب في ظل الفساد والانقسام القائمين، وصولاً إلى أسئلة الصلاحيات في دولة منقسمة، وضمانات انتظام دفع التحويلات النقدية.

وفي تحليله لنظرية التضخم، أوضح أبوسنينة أن سياسات إعادة توزيع الدخل سواء عبر فرض ضرائب تصاعدية أو توجيه الإنفاق العام لدعم الفئات الهشة، إذا تم تمويلها بالاستدانة أو العجز دون أن يقابلها زيادة في إنتاج السلع والخدمات، فإن نتيجتها ستكون “زيادة في طلب القطاع العائلي، وارتفاع المستوى العام للأسعار”.

وأكد أن “العبرة تكمن في أين تنتهي أموال الدعم التي ستمنح للأسر نقداً، وليس في مصدر هذه الأموال”. وأضاف: “فطالما أن الأموال ستنتهي إلى السوق لشراء مختلف السلع فإنها بكل تأكيد ستؤدي إلى زيادة الطلب وارتفاع الأسعار، مما يدخل الاقتصاد في دائرة مفرغة”.

وشدد على أن الفئات ذات الدخل المحدود تميل إلى إنفاق نسبة أكبر من دخلها على الاستهلاك لتلبية احتياجاتها الأساسية، وهو ما يعرف اقتصادياً بارتفاع الميل الحدي للاستهلاك، مما يفاقم الضغوط التضخمية.

وانتقد أبوسنينة ما وصفه بازدواجية في النظرة الاقتصادية السائدة، قائلاً: “الغريب في الأمر؛ النظر لزيادة المرتبات كسبب من أسباب ارتفاع الأسعار، وهذا صحيح، ولا ينظر إلى زيادة دخل الأسر من خلال تقديم الدعم النقدي كسبب من أسباب ارتفاع الأسعار!”.

وختم بأن الموقف الصحيح “ليس ضد إصلاح دعم المحروقات وإيقاف الهدر، ولكنه تحذير من اتباع سياسات خاطئة قد تزيد الوضع سوءاً”، مؤكداً أن الحل يكمن في بطاقات ذكية تمنح للفئات المستهدفة فقط، تشحن بقيمة الدعم لشراء الوقود حصراً، مع علاج التشوهات الأخرى كالتهريب والفساد بسياساتها الخاصة.

الفيتوري يؤيد البطاقات الذكية ويحذر من موجات التضخم المتعاقبة

في رد مقتضب لكنه عميق، أيّد الدكتور عطية الفيتوري طرح أبوسنينة بشأن تفضيل البطاقات الذكية على الدعم النقدي المباشر، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك في رسم صورة قاتمة للنتائج حتى في حال اعتماد البطاقات.

وأوضح الفيتوري أن النتيجة النهائية للدعم بالبطاقات ستكون “موجات متعاقبة من ارتفاع الأسعار”، أولها وأقواها ارتفاع تكاليف النقل: نقل السلع والبضائع، نقل الخدمات، النقل الجوي والبري وغيرها. والموجة الثانية ستكون “ردة فعل الموجة الأولى، وهي ارتفاع أسعار السلع المختلفة وأسعار وسائل النقل بحجة ارتفاع أسعار النقل”.

وأكد أن “ارتفاع الأسعار سيطال من يستخدم السيارة ومن ليس له سيارة، يعني الجميع سيتعرض للتضخم”، مما ينشأ عنه تدهور قيمة الدينار وربما تعرضه لخفض قيمته من المصرف المركزي. وختم بأنه “من دون مواجهة المهربين مباشرة بالقانون، من الصعب تعويض المواطن عن ارتفاع سعر البنزين والنافثة وكذلك حمايته من موجة التضخم”.

حسني بي: الخلط بين إنفاق جديد وإعادة توجيه إنفاق قائم

جاء رد رجل الأعمال حسني بي على منشور أبوسنينة مطولاً وتفصيلياً، وبدأه بإقرار غير معتاد: “طرحك فيه جزء اقتصادي صحيح، لكنه في تقديري غير مكتمل لأنه يخلط بين حالتين مختلفتين تماماً: الأولى زيادة إنفاق جديد فوق الإنفاق القائم، والثانية إعادة توجيه إنفاق قائم أصلاً من دعم سعري مهدر إلى دعم نقدي مباشر، والفرق بينهما جوهري”.

ثم عدد نقاط القوة في طرح أبوسنينة، مسلماً بصحة القول إن التحويل النقدي قد يكون تضخمياً إذا مول بالعجز أو طباعة النقود، وبصحة وصف الفئات الفقيرة بارتفاع ميلها للاستهلاك، وبضعف مرونة الاقتصاد الليبي واعتماده على الاستيراد، وبأن علاج الفقر لا يكون بالمال وحده.

لكن بي حدد ما اعتبره “نقطة الضعف الرئيسية” في طرح أبوسنينة، وهي أنه “يتعامل مع الدعم النقدي كأنه إنفاق جديد، بينما الطرح الحقيقي هو: نحن لا نقترح إضافة مئة مليار دينار جديدة إلى السوق، بل نقترح نقل جزء من مئة مليار دينار تهدر حالياً في المحروقات إلى المواطن مباشرة”.

وأضاف: “السؤال ليس: هل نضخ أموالاً جديدة؟ بل السؤال: هل نبقي أربعين بالمئة من الإنفاق العام محبوسة في وقود رخيص يهرب ويهدر ويستهلكه الغني أكثر من الفقير، أم نحول جزءاً منها إلى المواطن نقداً وبشفافية؟”.

ثم قلب بي الطاولة على معارضي الاستبدال، متسائلاً: “هل الدعم الحالي غير تضخمي؟”.

وأجاب بأن “دعم المحروقات الحالي ليس بريئاً من التضخم، بل هو تضخمي بطرق غير مباشرة: يدفع الدولة لاستنزاف الدولار لاستيراد الوقود، ويزيد الطلب على العملة الأجنبية، ويضغط على الدينار، ويشجع التهريب، ويرفع الإنفاق العام، ويخلق فجوة بين السعر المحلي والسعر الحقيقي، ويفتح باب الفساد والريع”.

واعتبر أن “القول إن الدعم النقدي تضخمي بينما الدعم العيني الحالي غير تضخمي قول ناقص”.

وبالنسبة لمقترح البطاقة الذكية، اعتبر بي أنه “قد يبدو فنياً وجذاباً، لكنه يعاني من مشاكل”، منها إبقاء التشوه السعري قائماً، وعدم إلغاء فرق السعر بين ليبيا والخارج، وإمكانية بيع البطاقة أو تأجيرها أو التحايل عليها، وعدم معالجة حقيقة أن الغني يستهلك أكثر من الفقير، وحصر الدعم في الوقود بينما الفقير قد يحتاج الغذاء أو الدواء أو الإيجار أكثر من البنزين.

وختم بأن “البطاقة الذكية قد تحسن الإدارة، لكنها لا تعالج جوهر المرض: بيع مورد حقيقي بسعر مصطنع شبه مجاني”.

خلاصة متوازنة: شروط الأمان للاستبدال النقدي

وقدم بي ما أسماه “الرأي الاقتصادي المتوازن”، معترفاً بأن أبوسنينة “محق إذا كان المقترح هو دعم نقدي إضافي ممول بالعجز”، لكنه “غير محق إذا كان المقترح هو استبدال إنفاق قائم بإنفاق مباشر، مع رفع تدريجي للأسعار، ومنع التمويل بالعجز، وربط التحويل بالإيرادات النفطية”.

وحدد خمسة شروط ليكون الاستبدال النقدي آمناً: ألا يمول بطباعة النقود أو الدين المحلي، أن يكون من نفس باب دعم المحروقات القائم، أن يسبق رفع الأسعار تحويل نقدي واضح للمواطن، أن يكون مربوطاً بسعر النفط والإنتاج والإيرادات، وأن يصاحبه ضبط للإنفاق العام وسعر الصرف، مع تخصيص جزء من الوفر للنقل العام والكهرباء والصحة والتعليم.

وختم بي برسالة تصالحية حذرة: “طرحكم مهم لأنه يحذر من خطر حقيقي: التحويل النقدي العشوائي قد يخلق تضخماً.

لكن طرحكم يصبح ناقصاً عندما يتجاهل أن النظام الحالي نفسه يلتهم أربعين بالمئة من الإنفاق العام… الخطر الأكبر ليس فقط أن نعطي المواطن نقداً؛ الخطر الأكبر أن نستمر في حرق ثروة النفط في دعم سعري يستفيد منه المهرب، والمقتدر، وكبير المستهلكين، قبل الفقير”.

وهكذا، بين تحذير أبوسنينة من الدائرة المفرغة للتضخم، ومخاوف الفيتوري من موجات الأسعار المتعاقبة حتى مع البطاقات الذكية، وإصرار حسني بي على أن الكارثة الحقيقية هي في استمرار الوضع القائم لا في تغييره، يظل النقاش مفتوحاً على مصراعيه، بينما تستمر المليارات في التدفق إلى حيث لا يصلها الرقيب، في بلد لم تحسم نخبه بعد إن كانت مشكلته في “كيفية الإصلاح” أم في “إمكانية الإصلاح” أصلاً في ظل دولة منقسمة ومؤسسات عاجزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى