حرب الظلال الرقمية.. كيف تحوّلت ليبيا إلى ساحة لمعارك الوعي والتضليل؟
ليبيا 24
ليبيا تدخل حرب الجيل الخامس بسلاح المعلومات المضللة
عبد المنعم اليسير يكشف أبعاد الصراع غير التقليدي ويؤكد أن السلاح اليوم هو المعلومة قبل الرصاصة
في مشهد ليبي معقد، لم تعد المواجهة مقتصرة على الحدود السياسية أو خطوط التماس العسكرية، بل انتقلت إلى فضاء أكثر اتساعاً وفتكاً ألا وهو فضاء المعلومات والوعي الجمعي. فبينما تنشغل الساحة بتقارير اللجان العسكرية واجتماعات المسارات السياسية، تخوض البلاد حرباً من نوع جديد، لا تُرى فيها الطائرات ولا تُسمع فيها أصوات المدافع، لكنها قد تكون أكثر تأثيراً في مصير المؤسسات واستقرار الدولة من أي مواجهة تقليدية.
في هذا السياق، يذهب عضو المؤتمر العام السابق، عبد المنعم اليسير، إلى قراءة استراتيجية عميقة للوضع الراهن، معتبراً أن الصراع في ليبيا تجاوز مرحلتي السياسة والجيش ليتحول إلى ما يمكن وصفه بـ “حرب الجيل الخامس”، حيث تصبح المعلومة المضللة سلاحاً حاسماً في إعادة تشكيل إدراك الناس للواقع، بل وفي توجيه مسارات الأزمات وفق أجندات لا علاقة لها بالحقائق الثابتة على الأرض.
المعلومة المضللة.. سلاح أكثر تأثيراً من الرصاصة
يقف اليسير أمام تحول جوهري في طبيعة الصراع، مؤكداً أن “المعلومة المضللة قد تكون أحياناً أكثر تأثيراً من السلاح التقليدي”. فهذه المعادلة الجديدة لم تعد مجرد فرضية نظرية، بل أصبحت واقعاً يومياً يعيشه الليبيون، حيث تُستخدم البيانات المزورة كأداة لتحقيق أهداف متعددة تبدأ من إرباك المشهد السياسي، مروراً بتأجيج النزاعات بين الأطراف المتنافسة، وصولاً إلى تقويض مصداقية المؤسسات التي هي عماد أي دولة مستقرة.
ويوضح اليسير أن هذه الممارسات التي باتت تُرصد يومياً في ليبيا ليست وليدة الصدفة، بل هي جزء من أدبيات استراتيجية متطورة كانت ولا تزال تُدرج ضمن ما يعرف بـ “حروب الجيل الرابع”، حيث تندمج العمليات النفسية مع العمليات الإعلامية. لكنه يشير إلى أن التطور الأكبر جاء مع ظهور الأدوات الرقمية والذكاء الاصطناعي التي باتت تشكل ملامح “حروب الجيل الخامس”، وهي حروب لا تحتاج إلى جنود يرتدون الزي العسكري، بل تحتاج إلى خواريزميات برمجية وحسابات وهمية تنتشر كالنار في الهشيم.
تاريخ قديم ولكن بتقنيات جديدة
لا يذهب اليسير إلى القول بأن هذه الظاهرة مستحدثة بالكامل، إذ يقر بأن “هذا النوع من الحروب ليس وليد اليوم، فقد استخدمته دول وأجهزة استخبارات منذ عقود”. غير أن الفارق الكبير اليوم يكمن في سرعة الانتشار وعمق التأثير. فوسائل التواصل الاجتماعي، بحسب اليسير، جاءت لتحدث التحول الكبير، حيث جعلت نشر المعلومات المضللة أسرع وأكثر تأثيراً، محولةً أي فرد أو جهة إلى منصة إعلامية قد تكون أكثر انتشاراً من وسائل الإعلام التقليدية.
هذه المعادلة الجديدة هي التي تفسر ما تشهده ليبيا من تزايد مقلق في ظاهرة تداول البيانات والإشاعات والتصريحات المنسوبة إلى مسؤولين ومؤسسات رسمية، والتي غالباً ما تظهر بصيغة بيانات رسمية أو تصريحات مجتزأة تنتشر سريعاً عبر منصات غير موثقة، لتترك أثرها قبل أن تبادر الجهات المعنية إلى نفيها، فتكون السبق الإعلامي هو المنتصر في معركة الوعي الجماهيري.
الدبيبة وحكومة الانتهاء.. من يروّج الفوضى الإعلامية؟
في قراءة تحليلية لما يجري، يبرز اسم حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي يصفها المراقبون بأنها “منتهية الولاية”، كأحد أبرز مصادر هذا التضليل المنظم. فالمشاهد المتكررة لترويج بيانات مزورة وتصريحات مقطوعة من سياقها، وتوظيف إعلام غير مهني لتمرير أجندات سياسية ضيقة، باتت تشكل نمطاً متكرراً في تعامل هذه الحكومة مع الشأن العام.
وآخر هذه الوقائع، ما واجهته الحكومة الليبية الشرعية برئاسة الدكتور أسامة حماد، من بيان مزور يعلن استقالته وحل حكومته تمهيداً لانتخابات، وهو البيان الذي سرعان ما جرى نفيه، ليكشف عن محاولة يائسة لإرباك المشهد وإحداث فراغ دستوري. كما نفت حكومة حماد وثيقة أخرى مزورة حول إقرار دين عام لعام 2026 بقيمة 110 مليارات دينار، في محاولة واضحة لخلق حالة من الفزع الاقتصادي والتشكيك في قدرة الحكومة الشرعية على إدارة الملف المالي.
دعم واسع للحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد
في مقابل هذا التضليل المنظم الذي تقوده جهات معروفة بانتهاء ولايتها وسياساتها غير المسؤولة، يتجدد الدعم الشعبي والسياسي للحكومة الليبية برئاسة الدكتور أسامة حماد، التي تمثل الشرعية والاستقرار في مواجهة محاولات العبث بالمقدرات الوطنية.
ويرى متابعون أن الحكومة الشرعية، بقيادة حماد، أثبتت قدرتها على إدارة الملفات الصعبة بمسؤولية عالية، بعيداً عن الأسلوب الرخيص الذي تتبناه حكومة الدبيبة في التعاطي مع الشأن العام. فبينما تركز الحكومة الشرعية على تقديم الخدمات للمواطنين وضبط الأمن وتحقيق الاستقرار المالي، نجد الطرف الآخر منشغلاً بمعارك الوهم عبر الشاشات وصفحات التواصل الاجتماعي، محاولاً تعويض فشله الذريع في إدارة مؤسسات الدولة بتجارة الأوهام والإشاعات.
استنتاج.. المعركة مستمرة والوعي هو خط الدفاع الأول
ما يقدمه عبد المنعم اليسير من تحليل ليس مجرد قراءة أكاديمية، بل هو إنذار حقيقي لخطورة المرحلة التي تمر بها ليبيا. فحروب الجيل الخامس لا تُحسم بالسيوف ولا بالطائرات، بل تُحسم في عقول الناس وإدراكهم للواقع. ومن هنا، تبرز أهمية تعزيز الوعي المجتمعي بقدرة المواطن على تمييز الحقيقة من التضليل، ودعم المؤسسات الشرعية التي تعمل على حماية السيادة الوطنية.
يبقى السؤال المطروح: هل ستنجح الأطراف الراعية للفوضى الإعلامية في تمرير أجنداتها عبر البيانات المزورة؟ أم أن الليبيين، بدعم من حكومتهم الشرعية برئاسة الدكتور أسامة حماد، سيكونون بالمرصاد لكل محاولات العبث بثوابت الوطن واستقراره؟ الأيام المقبلة كفيلة بإثبات أن من يمتلك الحقيقة ويدافع عن الشرعية لا يمكن أن تهزمه حملات التضليل، مهما بلغت من تطوّر تقني.


