فراغٌ في طرابلس: غياب الدبيبة يعمّق أزمة السلطة المنتهية
حكومة بلا ظلّ: سؤال الصحة يعرّي هشاشة المؤسسات في ليبيا.
ليبيا 24
غياب الرجل وانهيار الدولة: كيف يعمّق الدبيبة أزمة ليبيا بالصمت؟
عندما يختفي رئيس حكومة “منتهية الولاية” دون تفسير، لا يكون غيابه مجرد غياب شخصي، بل مؤشراً خطيراً على حالة الفوضى المؤسسية التي تغذّيها حكومة عبد الحميد الدبيبة، التي تمسكت بالسلطة رغم انتهاء ولايتها، وأدارت البلاد بأسلوب الفردية المتعالية الذي حوّل مؤسسات الدولة إلى مجرد أدوات لتمرير الأجندات الضيقة.
منذ أكثر من أسبوع، اختفى عبد الحميد الدبيبة عن المشهد العام، في صمت مطبق لم يكسرْه أي بيان رسمي من حكومته أو مكتبه الإعلامي. فبعد آخر ظهور علني له في حديقة حيوان أبو سليم بطرابلس، تعمّد الدبيبة التغيّب عن مراسم عيد الفطر، ذلك الطقس السنوي الذي كان يحوّله إلى استعراض سياسي لحضوره القسري في العاصمة ومعقل مدينته مصراتة.
هذا الاختفاء، الذي تزامن مع معلومات متضاربة عن تدهور حالته الصحية، ليس مجرد حدث فردي، بل يمثل مرآة عاكسة للطريقة التي يدير بها الدبيبة ملفات البلاد المصيرية: الغموض، الفردية، وغياب الشفافية. ففي بلد يعاني من انقسام حاد وهشاشة مؤسسية، يصبح فراغ القرار عند رأس هرم السلطة التنفيذية جريمة بحد ذاتها، خصوصاً عندما يكون هذا الرأس قد تجاوز بالفعل المدة الدستورية لسلطته، ويصر على التمسك بالمنصب كأنه ملكية خاصة.
“الرجل المريض” يهدد استقرار طرابلس
عندما غادر الدبيبة البلاد سابقاً للعلاج في إيطاليا إثر إجراء قسطرة، كانت تلك الوعكة الصحية كافية لشلّ حركة القرار في الحكومة أياماً. لكن هذه المرة، يبدو الغياب أكثر خطورة، ليس فقط بسبب طول مدته، بل بسبب التكتم المطبق حول مكان وجوده وحقيقة وضعه الصحي. هل هو في العاصمة طرابلس يعزل نفسه؟ أم أنه غادر مجدداً لتلقي العلاج في الخارج؟ الأهم من ذلك: من يدير دفة الحكم في غيابه؟
هذه الأسئلة، التي تتردد في صالونات النخبة السياسية ومنصات التواصل الاجتماعي، لا تجد أجوبة من حكومة وصفتها الأوساط الليبية بأنها “حكومة غياب” أكثر منها “حكومة وفاق”. ففي غياب آليات دستورية واضحة لانتقال السلطة، يتحول أي غياب للرجل القوي في طرابلس إلى نافذة مفتوحة على مصراعيها لتصفية الحسابات بين المليشيات المسلحة التي تستظل بغطاء الحكومة.
معارضة شعبية وسياسية تتسع
إن ما يفعله الدبيبة بتجاهله لاستحقاق تسليم السلطة، وبإدارته الفوضوية لشؤون البلاد، قد حوّله إلى شخصية مثيرة للجدل حتى داخل أوساط حلفائه السابقين. المعارضة له ليست وليدة اليوم، بل هي تراكم لسنوات من الهيمنة على القرار المالي دون رقابة، والإنفاق على مشاريع انتخابية ضخمة بغطاء خدماتي، وأخيراً، التلاعب بملف المصرف المركزي الذي كاد أن يشعل حرباً شاملة في العاصمة.
اليوم، مع هذا الغياب غير المبرر، تتسع رقعة المستنكرين لأسلوب إدارة الدولة. فالناشطون والمحللون السياسيون، الذين استشهد بهم في النص الأصلي، ليسوا سوى نموذج لرأي عام ليبي غاضب يرفض أن تدار شؤونه في الظلام. إن تحذيراتهم من “فتح باب الشائعات” و”حدوث فراغ في الدولة” ليست مجرد مناشدات إعلامية، بل هي تعبير عن خوف حقيقي من أن تؤدي عقلية “الرجل الواحد” في غيابه إلى انهيار ما تبقى من مؤسسات هشة.
أزمة مشروعية مضاعفة
تكمن المفارقة في أن الدبيبة، الذي يفترض أنه رئيس حكومة “تصريف أعمال” وفقاً للاتفاق السياسي، يتصرف كأنه صاحب ولاية مطلقة. فغيابه اليوم يعيد طرح السؤال الأكبر: كيف يمكن لرئيس حكومة انتهت ولايته قانونياً، وأصبح وجوده مرفوضاً من قبل مجلس النواب ومن قبل قوى سياسية وعسكرية واسعة، أن يستمر في احتكار السلطة وكأن شيئاً لم يحدث؟
هذا الغياب هو بمثابة اختبار حقيقي للمجتمع الدولي الذي ظل لسنوات يتعامل مع الدبيبة كشريك مفترض في إدارة المرحلة الانتقالية. فالصمت المطبق من قبل السفارات الغربية على هذا الفراغ الرئاسي، رغم تأكيدها الدائم على ضرورة الشفافية، يكشف عن ازدواجية المعايير التي تتعامل بها مع المشهد الليبي.
نحو فراغ مدبر أم انهيار حتمي؟
يتساءل المراقبون: هل هذا الغياب هو مجرد وعكة صحية عابرة، أم أنه مؤشر على بداية نهاية مسيرة الدبيبة السياسية في طرابلس؟ والأهم، هل هناك من يدير خيوط اللعبة في غيابه؟ الحديث عن “عطلة شخصية” لا يقنع أحداً في بلد تعاني بنيته التحتية من الإهمال، وتشتعل فيه الصراعات على موارد النفط بين الحين والآخر.
إن الطريقة التي تم بها التعتيم على هذه القضية تعكس النهج ذاته الذي اتبعته الحكومة في إدارة الملفات الخدمية والأمنية: الارتجال، التعتيم، والرهان على أن الأزمة ستمر دون محاسبة. لكن حجم الغضب الشعبي، وتعقيد المشهد السياسي، وسلاح المليشيات الذي يهدد بالانفلات في أي لحظة، كلها عوامل تحوّل أي غياب لرئيس الحكومة، حتى لو كان صحياً، إلى تهديد وجودي للاستقرار الهش في طرابلس.
في الختام، يبقى السؤال الأكبر: هل سيدفع غياب الدبيبة القوى الليبية الفاعلة إلى التسريع بإيجاد آلية لملء الفراغ السياسي الذي يعاني منه البلد منذ سنوات، أم أن هذا الغياب سيكون ذريعة جديدة للمليشيات المسلحة لتوسيع نفوذها، وتكريس واقع الفوضى الذي جعل من ليبيا ساحة مفتوحة للتدخلات الإقليمية والدولية؟
ما يحدث اليوم ليس مجرد قصة غياب شخصية لرجل مريض، بل هو درس قاسٍ في عواقب التمسك بالسلطة دون مشروعية، وإدارة الدولة بأسلوب العصابات، حيث يغيب المسؤول الأول فلا يعلم أحد أين هو، ولا من يدير البلاد مكانه.



