الغاز الليبي بين وعود الاحتياطيات ورهانات المستقبل.. الفيتوري يؤكد: الحديث عن البديل الاستراتيجي سابق لأوانه
الخبير الاقتصادي: الانقسام السياسي يعيق استثمار الغاز وتعظيم العوائد
ليبيا 24
الفيتوري: حديث تحول الغاز لبديل استراتيجي للنفط في ليبيا سابق لأوانه
في وقت يشهد فيه سوق الطاقة العالمي تحولات كبرى نحو البحث عن مصادر بديلة، تعود الأنظار إلى ليبيا بوصفها واحدة من أبرز الدول التي تمتلك مخزونات غير مستغلة من الغاز الطبيعي. غير أن الرؤية المستقبلية لهذا المورد الحيوي تصطدم بواقع اقتصادي وسياسي معقد، وفق ما يراه الأكاديمي والخبير الاقتصادي عطية الفيتوري، الذي يرى أن تحويل الغاز إلى ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني لا يزال حلما بعيد المنال في المدى المنظور.
محدودية العائدات ورهان النفط المستمر
أوضح الفيتوري، في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، أن ليبيا تباشر حاليا تصدير كميات من الغاز إلى إيطاليا عبر خط أنابيب يمتد في قاع البحر المتوسط وتديره شركة “إيني” الإيطالية، إلا أن العائدات المالية الناتجة عن هذه الصادرات تظل ضئيلة القياس إذا ما وضعت إلى جانب الإيرادات الضخمة التي يحققها النفط الخام. وأشار إلى أن النفط ما زال يحتفظ بموقعه كعمود فقري للميزانية العامة، حيث يشكل أكثر من تسعين بالمئة من إجمالي الإيرادات، في مقابل مساحة ضيقة لا تزال تحتلها صادرات الغاز.
وأضاف أن أي حديث عن تحول استراتيجي في هيكل الاقتصاد الليبي بعيدا عن الهيمنة النفطية، بالاعتماد على الغاز كمصدر بديل، يصطدم بهذه المعادلة الصعبة، خاصة في ظل غياب سياسات طويلة الأجل قادرة على إحداث نقلة نوعية في حجم الإنتاج والتسويق.
الانقسام السياسي عائق أمام السياسات المستقرة
لم يغفل الخبير الاقتصادي تأثير الأزمة السياسية المستمرة على قطاع الطاقة، مشددا على أن الانقسام في المؤسسات التنفيذية والتشريعية يشكل عقبة كأداء أمام رسم سياسات اقتصادية وإنتاجية متسقة. وأكد أن غياب الاستقرار السياسي ينعكس سلبا على قدرة ليبيا على تطوير قطاع الغاز واستثماره بالشكل الأمثل، حيث تتطلب الصناعة الغازية استمرارية في القرارات وتوحيدا للجهود بين مختلف الأطراف.
ويرى مراقبون أن المؤسسات المنقسمة تعجز عن تقديم ضمانات كافية للمستثمرين الدوليين، كما لا تستطيع توفير البيئة التشريعية الموحدة التي تسمح بتطوير الحقول القائمة واستكشاف حقول جديدة، وهو ما يبقي قطاع الغاز في دائرة التشغيل المحدود بعيدا عن طموحات التوسع.
استثمارات ضخمة وتوحيد مؤسسات.. شروط النهوض بالقطاع
وشدد الفيتوري على أن أي تحول حقيقي نحو تعظيم الاستفادة من موارد الغاز الليبي يقتضي أولا تحقيق الوحدة بين المؤسسات المتناحرة، وإرساء بيئة سياسية مستقرة قادرة على استيعاب مشاريع كبرى ذات أمد طويل. ولفت إلى أن الاستثمارات المطلوبة لتطوير البنية التحتية لقطاع الغاز تتسم بضخامتها وتعقيدها، ولا يمكن لأي طرف منفرد أن يتحمل أعباءها في ظل غياب رؤية وطنية جامعة.
وأضاف أن ليبيا بحاجة إلى عقود طويلة الأمد في مجالات الاستكشاف، والتسييل، وبناء محطات إسالة جديدة، إلى جانب صيانة الخطوط الحالية وتوسعة شبكة الأنابيب، وذلك لضمان زيادة الإنتاج وتعظيم العوائد الاقتصادية مستقبلا. وبين أن هذه المشاريع لا يمكن أن ترى النور دون توافق سياسي يعيد الثقة إلى المستثمرين الأجانب ويوحد الجهود المحلية.
آفاق واعدة في ظل تحديات قائمة
ورغم العقبات الكثيرة، لا يزال الغاز الليبي يحمل في طياته فرصة حقيقية لتنويع الاقتصاد، خصوصا في ظل القرب الجغرافي من الأسواق الأوروبية التي تتجه إلى تأمين إمدادات بديلة. غير أن هذه الفرصة تبقى رهنا بمدى قدرة الليبيين على تجاوز حالة الانقسام، ووضع سياسات اقتصادية تتجاوز منطق الإدارة اليومية إلى التخطيط الاستراتيجي القادر على تحويل الثروة الغازية إلى مورد رئيسي يسهم في دعم الميزانية العامة وتعزيز صمود الاقتصاد الوطني.



