تونس تدشن ممراً برياً يربط رأس جدير بأفريقيا جنوب الصحراء
معبر قاري جديد لتونس نحو اختراق أسواق الساحل الإفريقي
ليبيا 24
الممر البري التونسي إلى عمق القارة: وعود تنموية أم سراب لوجستي؟
تونس تسعى لكسر عزلتها التجارية عبر بوابة ليبية، في سباق مع تحديات التمويل والأمن والمنافسة الإقليمية
استراتيجية الخروج من الوادي الضيق
في مشهد يعكس تحولاً في الخطاب الاقتصادي الرسمي، كشفت تونس النقاب عن طموحها لمد جسر بري يعبر الحدود الشرقية نحو فضاءات الساحل والصحراء، متجاوزة بذلك عقوداً من الركود التجاري مع الجوار القاري. غير أن الإعلان الذي حملته تصريحات وزير التجارة سمير عبيد، سرعان ما اصطدم بسؤال جوهري: لماذا اليوم تحديداً، وما الذي تغير منذ المحاولات السابقة التي ذهبت أدراج الرياح؟
المشروع الذي ينتظر أن ينطلق من معبر رأس جدير الحدودي مع ليبيا، يستهدف الوصول إلى أسواق خمس دول كبرى هي النيجر وتشاد ومالي وبوركينا فاسو وجمهورية أفريقيا الوسطى. لكن الأرقام المتداولة ترسم صورة قاتمة للحضور التونسي في تلك المناطق، حيث لا تتجاوز الصادرات نحو أفريقيا جنوب الصحراء ثلاثة بالمائة من الإجمالي الوطني، أي ما يعادل ملياراً وستمائة مليون دينار فقط، في حين تستحوذ أوروبا على النصيب الأكبر من التبادل.
بين الموقع الجغرافي والمنطق الاقتصادي
المفارقة أن تونس تمتلك موقعاً جغرافياً مؤاتياً كمنفذ شمالي للقارة، لكنها لم تستثمر هذه الميزة طويلاً. فبينما تتحدث التقارير الرسمية عن نسبة ضئيلة للتبادل التجاري مع الدول الإفريقية باستثناء الجوار المغاربي، تبرز أرقام أخرى أكثر إيلاماً: واردات تونس من تلك الدول لا تشكل سوى نصف في المائة من الإجمالي، وهو ما يعادل تقريباً صفراً في ميزان التجارة الخارجية.
هذا التفاوت يضع النقاش حول الممر البري في سياق أوسع، يتعلق بقدرة الدولة التونسية على تحويل أوراق الضعف إلى نقاط قوة. فالبنية التحتية التي تآكل جزء كبير منها خلال العقد الماضي، إضافة إلى التعقيدات الأمنية على الحدود الشرقية التي تشهد حركة غير منضبطة، تجعل من مشروع الممر البري أقرب إلى التحدي الكبير منه إلى الفرصة السانحة.
الخبير جمال عويديدي: الممر قد يعيد توجيه البوصلة
في قراءة للمشروع، يرى المحلل الاقتصادي جمال عويديدي أن هذه المبادرة تحمل في طياتها فرصة استراتيجية لإعادة توجيه الاقتصاد التونسي نحو عمقه القاري. ويشرح في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24 قائلاً إن أفريقيا جنوب الصحراء تشهد تحولاً ديموغرافياً هائلاً، مع طبقة وسطى نامية تبحث عن منتجات ذات جودة، وهو ما تمتلك تونس جزءاً منه في قطاعات الصناعات الغذائية والكهربائية والميكانيكية.
لكن عويديدي يحذر في الوقت نفسه من مغبة تجاهل الشروط العملية، وفي مقدمتها توفير التمويلات الكافية لتأهيل الطرقات وتأمين المسالك، إضافة إلى التنسيق مع السلطات الليبية التي تعاني من انقسام حاد. ويضيف أن دولاً إقليمية أخرى، مثل الجزائر، لم تنتظر الإعلانات بل شرعت في تنفيذ مشاريع ملموسة، على غرار الطريق البري الرابط بين تندوف والزويرات الموريتانية بطول ثمانمائة وأربعين كيلومتراً، والمقرر إنجازه بحلول عام ألفين وستة وعشرين.
السياق الجيوسياسي: سباق إقليمي على مفاتيح القارة
ما لا تذكره البيانات الرسمية بوضوح، هو أن الممر البري التونسي يأتي في سياق تنافس إقليمي محموم على النفاذ إلى أسواق الساحل والصحراء. فالجزائر والمغرب وموريتانيا، بل وحتى ليبيا نفسها، تسعى كل منها إلى ترسيخ موقعها كبوابة للتجارة مع العمق الإفريقي. وهنا تبرز نقطة ضعف تونسية أخرى، وهي غياب رؤية متكاملة للاستثمار في البنية التحتية الحدودية، سواء مع ليبيا أو مع الجزائر.
المراقبون يشيرون إلى أن تونس تأخرت كثيراً في الانضمام إلى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية بشكل فاعل، رغم أنها صادقت عليها منذ سنوات. فالتفعيل الفعلي لهذه الاتفاقية يتطلب بنية لوجستية قادرة على استيعاب حركة التبادل، وهو ما لا يتوفر حالياً على المعابر البرية القائمة، التي تفتقر إلى أبسط مقومات الجمارك العصرية والمناطق اللوجستية المتخصصة.
ماهر قعيدة: من مرحلة النوايا إلى الهندسة اللوجستية
من جهته، يصف المحلل ماهر قعيدة هذا التحول بأنه انتقال من الخطاب السياسي التقليدي إلى مرحلة أكثر نضجاً، يسميها “الهندسة اللوجستية”. ويقول في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24 إن تونس تحاول اليوم كسر الاعتماد المفرط على الممرات البحرية والجوية، التي تبقى مكلفة وتخضع لسيطرة شركات أجنبية، والانتقال إلى منطق الربط العضوي مع الفضاء الإفريقي عبر مسالك برية.
غير أن قعيدة لا يخفي قلقه من إمكانية تحول المشروع إلى مجرد وعد انتخابي أو تصريح إعلامي، خصوصاً أن تكلفة تأهيل الطريق من رأس جدير حتى حدود النيجر تمر عبر مناطق شاسعة تحتاج إلى استثمارات ضخمة. ويضيف أن الأوضاع المالية للدولة التونسية، التي تعاني من عجز في الميزانية وضغوط على الدين الخارجي، تجعل من الصعب توفير هذه الاعتمادات دون شراكة حقيقية مع القطاع الخاص والمستثمرين الدوليين.
رجال الأعمال يتحدثون: أين التفاصيل التنفيذية؟
في الميدان، تختلف القراءة بعض الشيء. رئيس المنظمة الوطنية لرواد الأعمال ياسين قويعة، يوجه نقداً لافتاً لمنظومة القرار، معتبراً أن تونس ليست بحاجة إلى إعادة طرح نفس الأفكار التي نوقشت قبل سنوات، بل إلى تنفيذ فعلي. ويسأل بصراحة: من المسؤول عن تضييع كل هذا الوقت؟ ولماذا لم يتم تفعيل التصدير نحو بلدان أفريقيا جنوب الصحراء رغم وجود تمويلات ومذكرات تفاهم؟
قويعة يعتقد في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24 أن المشكلة الأساسية تكمن في بيروقراطية الدولة وتعقيدات التنسيق مع الجانب الليبي الذي يعاني من انقسام سياسي حاد. ويقترح حلاً جريئاً، وهو إشراك شركات النقل والخدمات اللوجستية الخاصة في إدارة وتشغيل الممر، بدلاً من انتظار الدولة لتوفير كل شيء. ويشير إلى أن السوق الإفريقية تطلب المنتوج التونسي فعلاً، بدليل نجاحه في المنافسة داخل الأسواق الأوروبية، لكن عقبة النقل تظل الأكبر.
الطريق إلى أفريقيا: عقبات داخلية وخارجية
التحديات التي تواجه الممر البري لا تقتصر على الجانب المادي فقط. فهناك عقبات قانونية تتعلق باتفاقيات الترانزيت بين تونس وليبيا والدول المستهدفة، والتي لم تكتمل صياغتها بعد. كما أن هناك عقبات أمنية حقيقية في مناطق جنوب ليبيا وشمال النيجر، حيث تنتشر جماعات مسلحة وشبكات تهريب، ما يتطلب تعاوناً أمنياً معقداً بين عدة دول.
على الصعيد الداخلي، يلاحظ المراقبون أن وزارة النقل والتجهيز لم تصدر بعد أي دراسة جدوى مفصلة حول المشروع، ولا توجد معلومات واضحة عن المسار الذي سيسلكه الطريق، أو عدد الكيلومترات المطلوب تأهيلها، أو التكلفة التقديرية. هذا الغياب للمعلومات يغذي الشكوك حول جدية المشروع، ويذكّر بتجارب سابقة مثل مشروع المنطقة الحرة بين تونس وليبيا الذي ظل حبراً على ورق لسنوات.
الخلاصة: فرصة أخيرة أم تكرار للفشل؟
في المحصلة، يبقى مشروع الممر البري القاري اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة التونسية على تجاوز خطاب النوايا إلى أفعال ملموسة. فالوقت ليس في صالح تونس، إذ تتسارع الخطى الإقليمية لاقتناص الفرص في أسواق أفريقيا الصاعدة، بينما تظل تونس تراوح مكانها بنسب تصدير هزيلة.
ما يحتاجه هذا المشروع ليس تصريحات وزير في منتدى اقتصادي، بل إرادة سياسية جامعة، وتمويلات مبتكرة لا تثقل كاهل الميزانية، وتعاون أمني مع دول الجوار، وإشراك حقيقي للقطاع الخاص في التنفيذ. بدون هذه العناصر، سيظل المعبر البري مجرد عنوان إخباري عابر، يضاف إلى قائمة المشاريع التي ذهبت أدراج الرياح في تونس.



