ليبيا

ليبيا بين مطرقة الدولار الجمركي وسندان الإنفاق الموحد

انتقادات حادة لقرار الجمارك الليبي بارتفاع الأسعار

ليبيا 24

ليبيا ترفع الدولار الجمركي ستة أضعاف وسط أزمة معيشية

سياسات متعاكسة تعمق معاناة المواطن

في مشهد يعكس عمق التناقض الذي تعانيه إدارة المال العام في ليبيا، أصدرت وزارة المالية بحكومة الدبيبة منتهية الولاية قرارا برفع سعر الدولار الجمركي من دينارين وعشرين درهماً إلى ستة دنانير وأربعين درهماً، وسط موجة انتقادات واسعة من خبراء الاقتصاد وأعضاء المجالس الاستشارية ورجال الأعمال. يأتي هذا القرار الذي حمل الرقم 160 لسنة 2026 ليلغي قرارين سابقين يعودان إلى عام 2021، في خطوة وصفت بأنها قفزت بالعبء الجمركي إلى أكثر من مئتين وسبعة عشر بالمئة.

وبينما كان المواطن الليبي يرتقب إجراءات تخفف من وطأة الغلاء الذي ضرب أسواق البلاد على وقع ارتفاع الأسعار العالمية، فوجئ بقرار يضرب عرض الحائط بكل تطلعاته، ليعيد إلى الأذهان جدلية العلاقة بين السياسة النقدية والسياسة المالية التي تبدو وكأنها تسير في اتجاهين متعارضين تماماً.

ثلاثة أضعاف التكلفة ورهان على الإيرادات

ما أن أعلن عن القرار الجديد حتى انطلقت التحليلات الاقتصادية التي توقعت ارتفاعاً حاداً في أسعار السلع المستوردة، إذ أكد الخبير الاقتصادي المبروك صالح أن الزيادة في قيمة الدولار الجمركي تجاوزت مئتين وسبعة عشر بالمئة، ما يعني أن تكلفة الإفراج عن السلع المستوردة سترتفع بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بما كانت عليه قبل القرار.

ويرى مراجع غيث، عضو مجلس إدارة المصرف المركزي سابقاً، أن هذا القرار “إنشائي غير صائب”، مشيراً إلى أنه كان يفترض أن تستند وزارة المالية إلى دراسات رقمية دقيقة قبل إصدار مثل هذه القرارات المصيرية. وأضاف في تصريح صحفي أن الأسعار سترتفع بمقدار مرة ونصف على أقل تقدير، معتبراً أن توقيت القرار غير مناسب تماماً في ظل الاحتقان الشعبي الذي أعقب محاولة فرض ضريبة جديدة على بعض السلع والخدمات.

من جهته، ذهب المحلل الاقتصادي محسن دريجة إلى أن قرار إلغاء الدولار الجمركي يعني اعتماد سعر الصرف الرسمي بشكل كامل في احتساب الرسوم، وهو ما يمثل قفزة كبيرة في تكلفة الاستيراد تتجاوز مئة بالمئة. وأوضح أن التجار سيجدون أنفسهم أمام خيارين لا ثالث لهما، إما تحمل هذه الزيادة وتآكل هوامش أرباحهم، أو تمريرها إلى المستهلك النهائي، وهو الخيار الأكثر ترجيحاً في ظل محدودية قدرتهم على خفض القيم الجمركية للفواتير.

تناقض السياسات.. فرامل ودواسة بنزين في آن واحد

لعل أخطر ما كشف عنه هذا القرار هو عمق الاختلال في التنسيق بين مؤسسات الدولة الاقتصادية، إذ بينما يعمل المصرف المركزي من خلال إجراءاته الأخيرة على كبح جماح التضخم وضبط الأسعار وتقوية الدينار عبر تقييد السيولة وزيادة المعروض من النقد الأجنبي، نجد وزارة المالية تمضي في الاتجاه المعاكس تماماً بقرارات تؤدي حتماً إلى ارتفاع المستوى العام للأسعار.

هذا التناقض الذي وصفه الخبير الاقتصادي إدريس الشريف بأنه أقرب إلى “من يضغط على الفرامل وآخر يضغط على دواسة البنزين في الوقت نفسه”، يؤدي في المحصلة النهائية إلى إلغاء متبادل للأثر، حيث يبذل جهد هنا ويهدر هناك، فتضيع الأهداف بين تناقض السياسات وتضارب أدوات التنفيذ.

ويؤكد الشريف أن الاقتصاد لا يدار بجزر معزولة بل بمنظومة متكاملة، فإذا غاب التنسيق حضرت الفوضى، وضاع الهدف بين تناقض السياسات وتضارب أدوات تنفيذها. وهذا ما تعيشه ليبيا اليوم حيث السياسة النقدية تسعى إلى كبح التضخم بينما السياسة المالية والتجارية تمضي في اتجاه مضاد من خلال قرارات تؤدي إلى رفع الأسعار.

اتفاق تونس المالي.. بارقة أمل في بحر من التحديات

في الجهة المقابلة من المشهد الاقتصادي، تلوح بارقة أمل تمثلت في الاتفاق المالي الذي جرى التوصل إليه بين الأطراف الليبية في العاصمة التونسية خلال الأسبوع الماضي. هذا الاتفاق الذي وصفه الخبير الاقتصادي علي الشريف بأنه جاء نتيجة اتصالات مكثفة جرت بين المصرف المركزي وعدد من الأطراف، تمخض عن صياغة كاملة تضمنت تخصيص أربعين مليار دولار توزع بين الحكومتين في الشرق والغرب.

ما يميز هذا الاتفاق حسب الشريف، هو أن الإنفاق سيمول بالكامل من إيرادات المصرف المركزي دون اللجوء إلى أي دين عام جديد، في خطوة تمثل تحولاً جوهرياً في سياسة التمويل التي كانت تعتمد في فترات سابقة على الاقتراض. وحذر الشريف من أن توسع الدين العام قد يؤدي إلى أزمات اقتصادية إضافية تزيد من معاناة المواطن.

وشمل الاتفاق أيضاً استثمار مليار دولار لصالح المؤسسة الوطنية للنفط بهدف رفع الإنتاج بمقدار عشرين ألف برميل يومياً، في خطوة تعكس وعياً متزايداً بأهمية تعزيز الإيرادات الذاتية للدولة بعيداً عن التقلبات السياسية والأمنية.

الموازنة الموحدة بين التفاؤل الحذر والمخاوف المشروعة

على صعيد متصل، كشف عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي عن ترتيبات نهائية لاعتماد الموازنة العامة الموحدة للدولة خلال جلسة مرتقبة، مسجلة رقماً قياسياً يقدر بثلاثة وثلاثين مليار دولار، أي بزيادة ثلاثين بالمئة عن موازنة العام الماضي. هذا التوسع الكبير في حجم الإنفاق العام المخطط له أثار تساؤلات حول مصادره التمويلية وقدرة الاقتصاد على تحمله.

ويوضح علي الشريف أن الاتفاق المالي الموحد رغم إيجابياته يبقى في إطار المعالجات الإسعافية التي تهدف بالدرجة الأولى إلى تخفيف الأعباء عن المواطن، في ظل الارتفاع الكبير في سعر الدولار وانعكاسه المباشر على أسعار السلع. ولفت إلى أن ليبيا تعتمد اعتماداً كبيراً على شراء الواردات بالعملة الأجنبية، بل إن السلع المحلية نفسها تتأثر بسعر الصرف بسبب ارتفاع المكون الأجنبي فيها إلى ما بين سبعين وثمانين بالمئة.

ويرى الشريف أن الإصلاح الاقتصادي الحقيقي وإعادة الهيكلة ما تزال بحاجة إلى وقت أطول، وأن ما يجري حالياً ليس سوى “مسكنات اقتصادية” لتخفيف الضغط على المواطنين، في انتظار معالجات جذرية تعيد هيكلة الاقتصاد الوطني وتقلل من اعتماده المفرط على النفط والواردات.

نظرة إلى المستقبل.. سيناريوهات التفاؤل والقلق

يتوقع المحللون أن يشهد الدينار الليلي تحسناً ملحوظاً في حال استمرار الاستقرار السياسي وتطبيق سياسات نقدية منضبطة، مع احتمالات تراجع سعر الدولار إلى ما دون الثمانية دنانير، وقد يصل في بعض السيناريوهات إلى حدود سبعة دنانير أو أقل قليلاً. ولكن هذا التحسن يظل مرهوناً بشرط أساسي هو وجود ميزانية موحدة وانضباط كامل في الإنفاق العام.

ويحذر مختار الجديد من أن انهيار اتفاق ضبط الإنفاق الحكومي سينهار معه سعر الدينار، معتبراً أن كل العوامل الأخرى بما فيها فتح مضيق هرمز وتوريد الدولار النقدي تبقى عوامل ثانوية مساعدة لا تأثير حقيقياً لها على سعر الصرف مقارنة بضبط الإنفاق.

من جهته، يرى رجل الأعمال حسني بي أن الخيار الاستراتيجي الأمثل يتمثل في إقرار ليبيا كاملة كمنطقة حرة شاملة، وإلغاء النظام الجمركي التقليدي والضرائب المباشرة، واستبدالهما بمنظومة رسوم حديثة وشفافة. وأكد أن هذا النموذج الذي أثبت نجاحه في تجارب دولية رائدة مثل الإمارات، يقوم على تحفيز التجارة والاستثمار بدلاً من تقييدهما، ما يخلق بيئة جاذبة للاستثمار ويعزز موقع ليبيا كمركز إقليمي للتبادل التجاري.

خلاصة.. اقتصاد على المحك

في الختام، تقف ليبيا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فبينما تحاول السياسة النقدية إنقاذ ما يمكن إنقاذه من قدرة شرائية للمواطن، تمضي السياسة المالية في اتجاه معاكس يزيد الأعباء المعيشية تفاقماً. ومع كل قرار جديد، يزداد الالتباس ويصبح المواطن العادي هو الضحية الأكبر في معادلة لا تبدو نهايتها قريبة.

ربما يكون الاتفاق المالي الذي تم في تونس خطوة أولى في الاتجاه الصحيح، لكن الطريق لا يزال طويلاً وشاقاً نحو إصلاح اقتصادي حقيقي يعيد للدينار قيمته وللمواطن كرامته. وفي قلب هذه المتاهة، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً هي أن الاقتصاد الليبي لا يحتمل قرارات مفاجئة تزيد من كلفة الاستيراد دون وجود بدائل أو سياسات موازية، كما يؤكد المبروك صالح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى