معادلة ليبيا الصعبة.. لماذا تظل أبواب الاستقرار النقدي موصدة دون انضباط الخزانة العامة؟
إصلاح المالية العامة سبيل وحيد لاستقرار الدينار الليبي
ليبيا 24
صندوق النقد يحذر: الإنفاق غير المنضبط يهدد احتياطيات ليبيا النقدية
في خضم الهدوء الحذر الذي يخيم على المشهد الليبي، تبرز الساحة الاقتصادية كمرآة عاكسة لهشاشة البنيان المؤسسي، حيث تطفو على السطح مجدداً إشكالية العلاقة الجدلية بين المالية العامة والسياسة النقدية. تصريحات لمحللين اقتصاديين، من بينهم الخبير الاقتصادي امراجع غيث العضو السابق في مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي، سلطت الضوء على استنتاجات بالغة الدقة وردت في مناقشات خبراء صندوق النقد الدولي، مفادها أن أي محاولة لإصلاح السياسة النقدية بمعزل عن إصلاح جذري للمالية العامة أشبه بمحاولة الإبحار في سفينة مثقوبة، إذ قد تؤدي أدوات البنك المركزي إلى تخفيف الأعراض مؤقتاً لكنها تعجز عن علاج الداء العضال المتمثل في الانفاق العام غير المستدام.
يأتي هذا الطرح في وقت تشهد فيه البلاد طفرة في أسعار الطاقة العالمية، وهي طفرة يراها المراقبون سيفاً ذا حدين؛ فرصة سانحة لإعادة بناء هوامش الأمان المالي، ومصدر خطر محدق في حال استمرار سياسة “التوسع في البذخ” الحكومي. هذا التحليل، المستند إلى آراء الخبراء الدوليين، لا يمثل تقريراً رسمياً معتمداً من المجلس التنفيذي للصندوق، لكنه يقدم خارطة طريق إصلاحية تتسم بالصرامة التقنية وتكشف عن حجم الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها كبرى الدول المصدرة للنفط في القارة الأفريقية.
تشريح الأزمة: “مسار غير مستدام” ومخاوف من نفاد المخزون الاستراتيجي
المحور الأساسي الذي تدور حوله التحذيرات هو أن “مسار المالية العامة الحالي غير مستدام”. هذه العبارة، التي قد تبدو أكاديمية الطابع، تحمل في طياتها تداعيات معيشية قاسية تمس المواطن الليبي في قوته وقدرته الشرائية. تشير المعطيات إلى أن أي زيادة في الإيرادات النفطية، بدلاً من أن تذهب إلى بناء احتياطيات تحمي الأجيال القادمة من تقلبات الأسواق، يتم توجيهها بشكل شبه تلقائي إلى مضاعفة النفقات. هذه الآلية تخلق اقتصاداً طفرياً غير منتج، يعتمد كلياً على تقلبات بورصات النفط العالمية.
التحذير الأكثر إلحاحاً يتعلق بالاحتياطيات الأجنبية، الدرع الأخير الذي يحمي قيمة الدينار الليبي. ففي غياب الانضباط المالي، وهو ما يعني الالتزام الصارم بقواعد المحاسبة الحكومية ومعايير الشفافية في إدارة الإيرادات والمنح والدين العام، تتحول إجراءات المصرف المركزي إلى مجرد “مسكنات”. قد يقوم المركزي بتحريك سعر الصرف أو ضخ العملة الصعبة من الاحتياطي لتلبية الطلب المتزايد، لكن هذا الإجراء، وفقاً للرؤية المطروحة، “لن يثمر سوى تخفيفاً مؤقتاً”. المشهد المرسوم قاتم: استمرار الانفاق الحكومي المرتفع سيؤدي إلى ضغط لا ينقطع على سعر الصرف، مما يجبر المركزي على السحب من الاحتياطيات. وإذا ما استمر هذا النزيف دون إجراء تصحيح مالي ملموس، فقد تنخفض الاحتياطيات إلى “مستوى حرج”، في وقت سيظل فيه معدل التضخم حبيس نطاق العشرات، ناخراً في القدرة الشرائية للأسر ومصعباً من كلفة المعيشة.
خارطة طريق الإصلاح: من تعبئة الإيرادات إلى “حساب الخزانة الموحد”
في مقابل هذا التشخيص الدقيق للمعضلة، تقدم المنظومة الفكرية لخبراء الصندوق الدولي مجموعة من التوصيات المترابطة، التي تمثل بمثابة روشتة علاجية لضبط أوضاع المالية العامة. وتقوم هذه الروشتة على أربعة أركان رئيسية:
الأول هو تعبئة الإيرادات غير النفطية. لا يمكن لاقتصاد بحجم ليبيا أن يظل رهينة لسعر برميل النفط وحده. المقترحات تتجه نحو إجراء إصلاحات ضريبية وجمركية عميقة، مع تقليص الإعفاءات الممنوحة لجهات عديدة والتي لا تستند إلى أسس اقتصادية سليمة. هذا التوجه لا يعني تحميل المواطن أعباء إضافية بقدر ما يعني توسيع قاعدة الاقتصاد الرسمي ودمج الأنشطة الموازية في دورة الناتج المحلي.
الثاني هو ترشيد الانفاق، وفي القلب منه ملف دعم الطاقة الشائك. فالرؤية تدعو إلى إصلاح منظومة الدعم بحيث تصل إلى مستحقيها الحقيقيين من الفئات الهشة، مع إنشاء شبكة أمان اجتماعي تحمي هذه الفئات من أي ارتدادات سلبية لعملية الإصلاح. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الإجراءات التقنية مثل “منظومة راتبك لحظي” كأداة فعالة للحد من الفساد المستشري في باب المرتبات، والذي يلتهم جزءاً كبيراً من الميزانية العامة.
الثالث هو الاستثمار المنتج وليس العشوائي. لا تمانع التوصيات في الإنفاق الاستثماري، لكنها تشترط أن يكون هذا الإنفاق ضمن خطة شفافة ذات أولويات محددة تتسق مع الطاقة الاستيعابية للاقتصاد ومع ما هو متاح من تمويل فعلي. كما تشدد على ضرورة أن تخضع جميع المشاريع لنظام عطاءات شفاف يقطع الطريق على المحسوبية والفساد اللذين أجهضا مشاريع تنموية سابقة.
أما الركن الرابع والأكثر حيوية من الناحية المؤسسية فهو وضع موازنة موثوقة ومنسقة. الدعوة هنا واضحة: يجب أن تستند الميزانية العامة إلى افتراضات حذرة بشأن أسعار النفط وليس إلى أرقام مبالغة في تفاؤلها، وذلك لتجنب صدمة العجز عند انخفاض الأسعار. وتعزيزاً لهذا التوجه، يأتي التركيز على تحسين إدارة النقدية الحكومية من خلال إنشاء “حساب الخزانة الموحد”، وهو أداة تمكن الحكومة من رؤية أموالها كاملة في وعاء واحد، مما يعزز الشفافية والمساءلة ويحد من تسرب الأموال خارج المسارات الرسمية.
السياسة النقدية: دور المكمل وليس المنقذ
فيما يتعلق بالسياسة النقدية وسعر الصرف، تقدم التحليلات موقفاً متوازناً. فتقارب سعر الصرف الرسمي من قيمته الحقيقية التي تعكس الأسس الاقتصادية الكلية يساعد بلا شك في الحد من “الكسب الريعي” الناتج عن وجود سعرين أو أكثر للعملة. لكن الرسالة الأبلغ هنا هي أنه “لا يمكن التغاضي عن الضبط المالي”. فمهما اتخذ المصرف المركزي من تدابير لاحتواء الطلب على النقد الأجنبي، تظل هذه الإجراءات غير كافية لموازنة التأثير الاقتصادي الكلي الناتج عن التخمة النقدية التي يضخها الانفاق الحكومي غير المنضبط في شرايين الاقتصاد.
الإصلاحات الهيكلية: كسر الحلقة المفرغة للريعية
إلى جانب السياسات المالية والنقدية، تشير المعطيات إلى أن الخلاص من التبعية المطلقة للنفط لن يتحقق دون إصلاحات هيكلية تمس صميم الحوكمة وبيئة الأعمال. فالرؤية تؤكد على ضرورة تحسين الحوكمة وتقوية المؤسسات، ووضع أطر أشد صرامة لمكافحة الفساد، بما في ذلك القطاع النفطي الحيوي. كما تدعو إلى تحسين بيئة الأعمال من خلال تعزيز سيادة القانون وتبسيط إجراءات التراخيص المعقدة، وهي خطوات ضرورية لتحفيز القطاع الخاص الخامل. ولا تغفل هذه الرؤية عن ضرورة معالجة التشوهات في سوق العمل عبر إصلاح أنظمة التعليم والتدريب المهني لتتوافق مع احتياجات السوق، إلى جانب وضع إطار قانوني واضح للعمالة الوافدة.
المعادلة الرقمية: “فرضية الـ 180 مليار دينار” وحسابات الإنتاج النفطي
وسط هذه التحليلات الكلية، تبرز معطيات رقمية أولية متداولة بشأن اتفاق الانفاق، تشير إلى أن المبلغ المسموح بصرفه قد يصل إلى 180 مليار دينار ليبي (ما يعادل حوالي 28 مليار دولار وفق أسعار الصرف الجارية). بناءً على سعر مرجعي لبرميل النفط يقدر بـ 70 دولاراً، وبعملية حسابية بسيطة، يتطلب تمويل هذا السقف من الإنفاق بيع حوالي 400 مليون برميل نفط سنوياً، أي بمعدل إنتاج يومي يقارب مليوناً ومائتي ألف برميل. وعند إضافة حصة الشركاء الأجانب والاستهلاك المحلي من النفط الخام لتوليد الكهرباء وتشغيل المصافي، فإن حجم الإنتاج اليومي المطلوب لتحقيق هذه المعادلة دون اللجوء إلى تمويل عجزي يتجاوز مليوناً وخمسمائة ألف برميل يومياً.
هذه الحسابات، التي يطرحها المراقبون للمناقشة العامة، تضع صناع القرار أمام واقع صارم: أي تعثر في تحقيق هذه المستويات الإنتاجية الطموحة، أو أي تراجع في أسعار النفط العالمية عن سقف السبعين دولاراً، سيعني فجوة تمويلية ضخمة. وحينها، سيكون الخيار أمام مصرف ليبيا المركزي صعباً: إما السحب من الاحتياطيات بشكل يهدد الاستقرار النقدي على المدى البعيد، أو اللجوء إلى آليات أخرى قد تحمل في طياتها ضغوطاً تضخمية جديدة.
في المحصلة النهائية، تؤكد المنظومة الفكرية التي يقدمها خبراء صندوق النقد الدولي، كما يستعرضها الخبراء المحليون، أن الاستقرار الاقتصادي في ليبيا ليس مجرد مسألة فنية تتعلق بحجم الاحتياطي أو مستوى سعر الصرف. إنها مسألة سياسية مؤسسية بامتياز، تتطلب إرادة حقيقية لضبط المالية العامة، وتعزيز الشفافية، وكسر الحلقة المفرغة للاقتصاد الريعي. فبدون انضباط مالي حقيقي، ستظل أي محاولة لإنقاذ الدينار الليبي مجرد معركة دفاعية ضد عاصفة هوجاء، تتراجع فيها خطوط الدفاع تباعاً، حتى تنكشف الجبهة الداخلية المتمثلة في قوت المواطن واستقرار معيشته.



