ليبيا

جمهورية الانتظار المؤلم.. حكاية وطن يفيض نفطاً ويغرق مواطنوه في بحر الاحتياج والوعود المزيفة

المليارات تغرق في مستنقع فساد وحياة المواطن رماد

ليبيا 24عبدالعزيز الزقم:

جوع ووجوه شاحبة وأحلام مؤجلة تخنق الليبيين يومياً

صباحات تروي قصة انكسار دولة

في مشهد لا يحتاج إلى كاميرات مراقبة ولا إلى تقارير رقابية معقدة، يتجسد الانهيار العميق للدولة الليبية في تفصيلة يومية بسيطة ومؤلمة في آن واحد.

إنها لوحة “الانتظار” التي يرسمها أولياء الأمور أمام بوابات المدارس، جالسين في سيارات بالية لا تقوى على الصعود إلى المرتفعات، بوجوه أنهكها التفكير في ثمن رغيف الخبز وعلبة الدواء.

كما وصف المحلل السياسي فيصل بو الرايقة الأمر ببلاغة الموجوع، فإن هذا المشهد ليس مجرد روتين صباحي، بل هو البيان الختامي لفشل حكومة عبدالحميد الدبيبة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي في إدارة أبسط مقومات الكرامة الإنسانية.

 في بلد تتقاطر فيه المليارات من عوائد النفط، يجد رب الأسرة نفسه عاطلاً عن العمل، شارد الذهن، سكراناً بالهم وليس بالخمر، عاجزاً حتى عن توفير وجبة غذاء متوازنة على “سفرة” غداء بدت باهتة كحال البلاد.

اقتصاد الشائعات.. وكيف يتحول السوق إلى مقامرة بجيوب الجياع

في عمق الأزمة المعيشية، لا يجد الليبي سوى سوق موازٍ للعملة يرقص على إيقاع الشائعات والأوهام. هذا السوق، كما يؤكد المحلل الاقتصادي محمد البرغوثي، أصبح كائنًا هشًا لدرجة أن مجرد صور متداولة عبر التطبيقات قادرة على إسقاط قيمة العملة المحلية مئات الدراهم في سويعات قليلة.

إنها مفارقة قاتلة في ظل حكومة منتهية الولاية تدعي السيطرة على المال العام؛ فالمضاربة التي وصفها البرغوثي بـ”الورم الخبيث” ليست وليدة الصدفة، بل هي النتيجة الطبيعية لغياب السياسات النقدية الرشيدة وانعدام الشفافية في إدارة مصرف ليبيا المركزي المنقسم الولاءات.

ففي الوقت الذي تنشغل فيه أروقة حكومة الدبيبة بتمويل صفقات وترضية تشكيلات مسلحة لضمان البقاء السياسي، تُترك قيمة العملة الوطنية نهباً للمراهنين وتجار الحروب الاقتصادية، مما يحيل أي تحسن طفيف في سعر النفط إلى مجرد فقاعة سرعان ما تنفجر على حساب المواطن البسيط.

فضيحة المتقاعدين: مائة وحدة نقدية في مهب رياح البذخ الحكومي

ولعل أبلغ تعبير عن التناقض الصارخ بين “ثراء الدولة” و”فقر الشعب” هو ما أسماه الأكاديمي فتحي الفاضلي بـ”الفضيحة الأخلاقية والاقتصادية” المتمثلة في رواتب المتقاعدين.

كيف يمكن لعقل رشيد أن يستوعب أن من أفنى عمره في خدمة هذا الوطن لا يحصل شهرياً على ما لا يتجاوز تكلفة وجبة عشاء لعائلة صغيرة في أحد فنادق العاصمة؟ في الوقت الذي تنفق فيه حكومة الدبيبة ببذخ على الاحتفالات والوفود الزائرة وتسديد فواتير “الاستقرار الهش” للميليشيات، ينام آلاف المتقاعدين جائعين. هذه المعادلة لا تشير فقط إلى عجز مالي، بل تكشف عن انعدام تام للإرادة السياسية لتحقيق العدالة الاجتماعية.

إنه نظام يُدار بمنطق “الغنيمة” لا بمنطق “الحق”، حيث يتم توزيع العوائد النفطية الهائلة على مراكز القوى المسلحة والسماسرة الجدد، بينما يدفع صاحب المعاش التقاعدي الثمن وحيداً في طابور الخبز.

نفط وفقر.. المعادلة المستحيلة في زمن الوفرة المؤقتة

يرى المحلل علي الشريف أن تحسن أسعار النفط يمنح طرابلس مجرد “متنفساً وهمياً” وليس حلاً للأزمة. التجربة الليبية خلال العقد الماضي علمتنا أن كل ارتفاع في إيرادات النفط يقابله توسع غير منضبط في الإنفاق الحكومي الجاري.

في ظل حكومة الدبيبة، تتحول الوفرة النفطية إلى وقود لحروب الشوارع بين الميليشيات المتنازعة على النفوذ والكعكة، وإلى تضخم في أجور قطاع عام مترهل لا ينتج سوى البيروقراطية.

إن استمرار النموذج الريعي دون إصلاحات هيكلية يعني ببساطة أننا نعيد إنتاج الأزمة نفسها كل عام. المشكلة ليست في سعر البرميل، بل في العقلية التي تدير الدولة كشركة مساهمة مغلقة بين الدبيبة وحلفائه في المجلس الرئاسي، حيث يتم استثمار العوائد في شراء الولاءات وتمديد الأجل السياسي، بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار الحقيقي في الصحة والتعليم والبنية التحتية.

إن غياب الانضباط المالي يحول طفرة النفط الحالية إلى مجرد مخدر مؤقت، يليه صحوة مؤلمة عندما تنخفض الأسعار وتكون الخزائن قد أفرغت بالفعل.

منطق السلاح لا القانون.. عندما تئن المدن تحت وطأة “الأمر الواقع”

في الجانب الأمني والسياسي، يختصر عميد كلية القانون السابق خليفة أحواس المشهد بعبارة قاسية وصادمة: “ليبيا تُدار بمنطق القوة لا القانون”.

وهذا التشخيص ينسف تماماً كل ما تروج له أجهزة الإعلام التابعة لحكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية عن “الاستقرار الأمني”.

فانتشار السلاح خارج إطار الدولة ليس قدراً، بل هو خيار سياسي اتخذه الدبيبة والمجلس الرئاسي عبر إضعاف المؤسسة العسكرية النظامية والاعتماد على تشكيلات هجينة تتلقى رواتبها من الخزانة العامة لكنها لا تدين بالولاء للعلم الوطني.

في طرابلس، لا تسري قوانين الدولة، بل تسري توازنات “الترويع” بين مليشيات تتنافس على السيطرة على المصارف والمعابر والمنافذ الجمركية.

تحركات هذه التشكيلات الأخيرة داخل الأحياء السكنية لم تكن سوى إعادة تموضع لتقاسم الغنائم، بينما يعيش سكان طرابلس حالة من الرعب الصامت وهم يرون مستقبل أبنائهم رهينة بيد جماعات لا تعترف بغير لغة الرصاص.

معسكر “الممانعة”.. تشريح عقلية الرفض التي تحميها حكومة الأمر الواقع

يتعمق المأزق أكثر عند استعراض تحليل الباحث السياسي عمر بوسعيدة الذي يسلط الضوء على ما أسماه “تيار الممانعة”. هذا التيار، الذي وجد في عهد الدبيبة والمنفي تربة خصبة للنمو والتغول، لا يرفض التقارب بين الليبيين فحسب، بل يرفض فكرة الدولة الموحدة من الأساس.

بيانات المجلس العسكري مصراتة والهيئات الموازية التي تدير شؤون الغرب الليبي ليست مجرد ردود فعل غاضبة، بل هي بنية مؤسسية موازية تهدف إلى إفشال أي مسعى لبناء جيش وطني واحد أو دستور دائم.

المفارقة الكبرى أن هذه الكيانات التي تحمل السلاح في وجه مشروع الدولة الواحدة تُدفع رواتبها من ميزانية الدولة التي يرأسها الدبيبة.

إنهم يقضمون جسد الدولة من الداخل، ويواجهون أي خطوة نحو توحيد المؤسسة العسكرية أو إجراء الانتخابات بتشكيك ممنهج وتهديد مبطن.

حكومة الدبيبة، التي انتهت ولايتها منذ زمن بعيد، تستمد شرعيتها الوحيدة من بقاء هذا الوضع على حاله؛ فهي تدرك أن إجراء انتخابات حرة يعني نهايتها السياسية المحتومة، ولذا فإنها تغض الطرف، بل وتدعم بشكل غير مباشر، بقاء هذه الأجسام المسلحة كحرس شخصي لنظام “الأمر الواقع”.

ثمن الممانعة.. فاتورة يدفعها المواطن من جوعه ومرضه

استمرار هذا النهج القائم على عرقلة التسوية السياسية والتمسك بكرسي السلطة له ثمن باهظ لا تدفعه النخب السياسية في أبراج فنادق طرابلس الفاخرة، بل يدفعه المواطن العادي.

الفاتورة تظهر في انقطاع الكهرباء لساعات طويلة رغم ميزانية الطاقة الضخمة، وفي انهيار المنظومة الصحية التي تجبر المريض على السفر للخارج للعلاج بينما يُترك أبناء الشعب يواجهون الموت في أروقة مستشفيات خاوية.

إنه ثمن احتكار الفرص وخنق الناس في لقمة عيشهم، كما قال بو الرايقة. عندما تحتكر حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي ومن خلفهم التشكيلات المسلحة كل شيء، ويغلقون الطريق أمام الشباب في الحصول على قروض أو إنشاء مشاريع صغيرة، فإنهم يدفعون البلاد إلى حافة الهاوية الاجتماعية.

هذا الرفض لأي تقارب وطني لم يعد مجرد موقف سياسي، بل تحول إلى جريمة اقتصادية واجتماعية بحق ملايين الليبيين الذين يريدون ببساطة أن يعيشوا بكرامة.

من ساحة الانتظار إلى طوق النجاة المفقود

إن الصورة التي ترسمها شهادات المحللين والخبراء لا تحتمل التأويل. ليبيا اليوم تقف على مفترق طرق خطير؛ فإما الاستمرار في سياسات حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي القائمة على إعادة إنتاج الأزمة وإدارة الانقسام لضمان البقاء في السلطة، وإما الانطلاق نحو تسوية سياسية شاملة تزيح هذا الركام الثقيل من الفساد وسوء الإدارة.

الوطن لا ترهقه قلة الموارد، بل يرهقه غياب العقل الرشيد الذي يديرها، إن مشهد الأب الجالس في سيارته القديمة أمام بوابة المدرسة، بوجه شاحب وجيب فارغ، يجب أن يكون كابوساً يطارد كل مسؤول بليبيا.

فإلى متى سيبقى هذا الشعب في ساحة الانتظار؟ وإلى متى ستبقى صرخته عالقة بين جدران بيوت الكئابة وصمت المجتمع الدولي العاجز عن فهم أن جذور الأزمة ليست في الخلاف بين الشرق والغرب فقط، بل في أنظمة فاسدة تُحكم قبضتها على الغرب الليبي وتتاجر بمعاناة الناس من أجل البقاء على كرسي لم يعد له وجود قانوني أو أخلاقي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى