ليبيا

الترضية تقود إلى الهاوية: كيف أجهضت حسابات النفوذ الضيقة حل الميليشيات في غرب ليبيا؟

تغول التشكيلات المسلحة داخل دولة الدبيبة يهدد بانهيارها

ليبيا 24:

ترضية الميليشيات تفشل مبادرات نزع السلاح غرب ليبيا مجدداً

في خضم التعقيدات الليبية المتشابكة، حيث تتلاشى الحدود بين السلطة الشرعية والميليشياوية، يبرز ملف “نزع السلاح ودمج التشكيلات المسلحة” باعتباره حجر الزاوية المفقود لأي استقرار منشود.

غير أن الوقائع الميدانية في غرب البلاد، وتحديداً تحت مظلة حكومة عبدالحميد الدبيبة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، لا تشير إلى مسار جاد نحو بناء دولة المؤسسات، بل تؤكد استمرار سياسة “الترضية الممنهجة” التي حولت الدولة من حاضنة للشعب إلى غطاء قانوني لقوة الأمر الواقع.

تصريحات المحلل السياسي محمد امطيريد تكشف بوضوح عن هذه الحلقة المفرغة التي تدور فيها طرابلس، حيث لا يُجمع السلاح لإعادة هيبة الدولة، بل يُدفع المال لشراء صمت المدفع.

فشل العسكرة المصطنعة: دولة داخل الدولة

أشار المحلل السياسي محمد امطيريد إلى أن ما يحدث في غرب ليبيا ليس عجزاً عن فرض الأمن، بل هو إدارة متعمدة للأزمة بهدف خلق بيئة عسكرية مصطنعة.

فالمبادرات التي قادتها أطراف داعمة في السابق لم تُنفذ بجدية، بل استهدفت فقط تهدئة الصراعات البينية وترضية أطراف مسلحة بعينها.

ونتيجة لهذا النهج، لم تعد الميليشيات مجرد عصابات خارجة عن القانون، بل “تغلغلت داخل مؤسسات الدولة حتى أصبحت جزءًا منها”، كما يقول امطيريد.

هذا التحول الخطير يعني أن الموازنة العامة للدولة الليبية صارت أداة لتمويل هذه التشكيلات تحت بند “الدفاع والداخلية”، بينما الولاء الحقيقي لرؤسائها لا يزال يتجه إلى الزعامات القبلية والمناطقية أو حتى الأجندات الخارجية، وليس إلى رئاسة الأركان العامة.

إن استمرار هذه المعضلة في ظل حكومة الدبيبة يعكس إما تواطؤاً ضمنياً أو ضعفاً مزمناً يسمح بتحويل المؤسسة العسكرية إلى اتحاد كونفدرالي للميليشيات.

كيمياء المال: شراء السلم بدلاً من صنع السلام

تطرقت تصريحات امطيريد إلى الجوهر الاقتصادي للأزمة الأمنية بقوله إن “العلاج يقتصر على تقديم الأموال لتهدئة الصراع”.

وهذا بالضبط هو المنظور الذي تتبناه حكومة منتهية الولاية، حيث يتم التعامل مع الميليشيات كأداة ضغط سياسي يمكن تسكينها برواتب وأوامر تموضع جديدة، بدلاً من حلها بشكل جذري.

لقد تحولت هذه التشكيلات إلى وحدات اقتصادية طفيلية تستنزف ميزانية الدولة المنهكة، وتستخدم في ذات الوقت السلاح لنهب المقار وفرض الإتاوات.

إن مجرد الاكتفاء بالتنديد الإعلامي، كما حدث في عام 2011 وحتى اليوم، دون فرض عقوبات حقيقية أو مساءلة قانونية لقادة هذه المجموعات، يجعل من فكرة “نزع السلاح” مجرد أمنية بعيدة المنال.

والحال أن فشل مبادرات جمع السلاح السابقة، كما يذكر امطيريد، لم يكن لسبب نقص في التشريعات، بل بسبب غياب الإرادة السياسية العليا في طرابلس لمواجهة من يعتبرونهم “حماة العاصمة”، وهو وصف يتهاوى أمام حقائق نهب المال العام وتدهور الأوضاع الإنسانية للمدنيين.

صمت الأمم المتحدة وضبابية المشهد الدولي

في هذا السياق، يوجه امطيريد سهام نقده نحو المجتمع الدولي أيضاً، مشيراً إلى وجود “انسجام ضمني” إزاء ملف انتشار السلاح.

فالموقف المتردد لبعثة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وعدم فرض عقوبات حقيقية على معرقلي الاستقرار، يمنح حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي ضوءاً أخضر مبطناً لمواصلة اللعبة نفسها.

طالما أن المجتمع الدولي يكتفي ببيانات القلق حيال الاشتباكات ولا يتحرك لحماية حقوق الإنسان وحماية المدنيين، فإن السلطة القائمة في طرابلس ستظل تراهن على عامل الوقت وتوظف هذه الميليشيات كورقة ضغط في العملية السياسية.

التحذير من استغلال هذه المجموعات لأجندات خارجية يصبح أكثر إلحاحاً في ظل هذا الفراغ الاستراتيجي الذي تملؤه القوى الإقليمية والدولية عبر وكلائها المحليين، ليبقى غرب ليبيا ساحة مفتوحة للصراع بالنيابة على حساب المواطن البسيط.

وصفة الانضباط: دروس من الشرق الليبي

ربما تكون المقارنة الضمنية التي أوردها امطيريد مع ما حدث في شرق ليبيا هي الأكثر إيلاماً للسلطة الحاكمة في الغرب الليبي. ففي حين كانت بنغازي سابقاً حاضنة لعدد كبير من المليشيات المتنافسة، إلا أن مسار “الترتيب والانضباط” الذي قادته المؤسسة العسكرية النظامية هناك أنتج واقعاً مغايراً رغم كل الانتقادات.

أما في غرب البلاد، وتحت إشراف المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة منتهية الصلاحية، فما زال قادة الميليشيات يتحولون إلى قادة عسكريين في مشهد يضعف هيكل الدولة ويجعلها رهينة لمزاجهم.

إن الدعوة التي أطلقها المحلل السياسي لعدم مجاملة هذه القيادات تمثل تحدياً مباشراً للنهج الحالي القائم على المحاصصة والتهدئة المؤقتة.

كما أن التأكيد على ضرورة دمج العناصر بشكل فردي، وليس عبر الاحتفاظ بالكتائب والكتل المسلحة، يبدو وكأنه حل بديهي تغض حكومة الدبيبة الطرف عنه خوفاً من فقدان شبكة الدعم والحماية التي توفرها هذه الكيانات.

خاتمة: نحو المجهول في غياب الحسم

يظل الوضع الإنساني في طرابلس وضواحيها رهينة لهذه الحسابات الضيقة. فكلما تأخر الحسم في مواجهة الميليشيات المسلحة، وكلما استمرت سياسة “ترضية الأطراف”، زادت فرص الانزلاق نحو حرب أهلية جديدة أو سيناريو تحول ليبيا إلى دولة فاشلة بشكل نهائي.

تصريحات محمد امطيريد ليست مجرد تحليل سياسي، بل هي جرس إنذار يقرع في أروقة قصور الضيافة في طرابلس ومقرات صنع القرار في نيويورك على حد سواء: إن الاكتفاء بالتنديد الشفوي وشراء الوقت بأموال الليبيين لن يجلب الاستقرار، بل سيعمق الجراح ويطيل أمد الأزمة.

المطلوب اليوم ليس مبادرات جديدة تدفن إلى جانب سابقاتها، بل إرادة سياسية حقيقية تجرؤ على تفكيك هذه المنظومة قبل أن تلتهم ما تبقى من الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى