الرؤوس الحارقة في رمال ليبيا: انتشال جثث من الشواطئ وترحيل أحياء من الصحراء
جثة مهاجر مجهول بشاطئ الزاوية تفاقم مأساة المتوسط
الكفرة ترحل مئات التشاديين ضمن حملة أمنية صحية موسعة.
ليبيا 24
الزاوية، ليبيا – لا تهدأ أمواج البحر المتوسط عند شواطئ مصيف المطرد غرب مدينة الزاوية، إلا لتلفظ بين الحين والآخر شاهداً صامتاً على واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية والأمنية تعقيداً في شمال أفريقيا. ففي مشهد بات متكرراً ومؤلماً، أعلن رئيس مكتب جمعية “الهلال الأحمر” في الزاوية الغرب، مصطفى قراف، أن فرق الإنقاذ التابعة للجمعية تمكنت من انتشال جثمان يُعتقد أنه يعود لمهاجر غير نظامي مجهول الهوية، جرفته التيارات المائية إلى رمال المصيف بعد رحلة يلفها الغموض والموت. هذه الواقعة، التي قد تمر كخبر عابر في نشرات الأخبار، تختزل في طياتها مأساة دولة أصبحت ساحة عبور رئيسية نحو الحلم الأوروبي، ومنطقة عازلة تتصاعد فيها تداعيات الهجرة على المستويين الأمني والمجتمعي.
مشهد الشاطئ: صمت الجثة وضجيج الأزمة
بحسب تصريحات المسؤول الإنساني مصطفى قراف، فإن عملية الانتشال تمت فور تلقي بلاغات من مواطنين محليين لاحظوا وجود الجثمان. وتحركت فرق الهلال الأحمر بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية المختصة، حيث تم انتشال الجثة ونقلها إلى الجهات الطبية والقانونية لاستكمال إجراءات التعرف على الهوية والتصريح بالدفن. وتكمن المفارقة القاسية في أن هذا الجثمان المجهول لا يمثل مجرد ضحية غرق، بل هو دليل دامغ على فشل السياسات الدولية في إدارة ملف الهجرة غير النظامية. فليبيا، التي تمزقها الانقسامات السياسية وتحديات السيطرة على حدودها الشاسعة، تظل نقطة الجذب المركزية لشبكات تهريب البشر التي تستغل حالة السيولة الأمنية لنقل آلاف الأشخاص في قوارب مطاطية متهالكة عبر “طريق الموت” نحو السواحل الأوروبية.
وتعكس هذه الحادثة الفردية واقعاً إحصائياً أكثر قتامة؛ فبحسب تقارير المنظمات الدولية غير الحكومية، تُسجل السواحل الليبية سنوياً مئات الجثث مجهولة الهوية، حيث يبتلع البحر ضحايا لا يحملون وثائق أو يحملون وثائق مزورة، مما يحول عملية التعرف عليهم إلى مهمة شبه مستحيلة. وبينما تركز العواصم الأوروبية جهودها على دعم خفر السواحل الليبي لاعتراض القوارب وإعادتها، تبقى المعضلة الإنسانية قائمة في الداخل الليبي: مراكز إيواء مكتظة، وأوضاع صحية متردية، وأشخاص عالقون في دوامة من الفقر والعنف وانعدام الأفق.
في عمق الصحراء: سياسة الترحيل بين الأمن والصحة
على بعد مئات الكيلومترات شرقاً من شاطئ الزاوية، وفي قلب الصحراء الليبية بمدينة الكفرة، تجري معالجة وجه آخر من أزمة الهجرة، لكن هذه المرة عبر سياسة الإبعاد القسري. فقد أعلن جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية فرع الكفرة عن ترحيل دفعة جديدة تضم نحو مائة وأربعين مهاجراً غير نظامي من حاملي الجنسية التشادية إلى بلادهم. ولم تكن هذه العملية روتينية، إذ كشف الجهاز في بيانه أن من بين المرحلين أشخاصاً مسجلين ضمن قوائم القيود الأمنية، بالإضافة إلى آخرين ثبتت إصابتهم بأمراض معدية عقب خضوعهم للفحوصات الطبية المعتمدة بالتنسيق مع السلطات الصحية.
تكشف تفاصيل عملية الترحيل هذه عن البُعد الأمني والصحي المعقد الذي يكتنف ملف الهجرة. فمن جهة، تؤكد ليبيا أنها دولة عبور وليست دولة استقرار، وبالتالي فإن ترحيل المهاجرين غير القانونيين يأتي في إطار حماية الأمن القومي ومنع استنزاف الموارد المحلية المحدودة أصلاً. ومن جهة أخرى، يثير استهداف أشخاص لديهم “قيود أمنية” تساؤلات حول طبيعة التحديات التي تواجهها الأجهزة الأمنية في ظل وجود عناصر قد تكون ضالعة في أنشطة غير مشروعة أو مرتبطة بتنظيمات متطرفة تستغل مسارات الهجرة للتسلل.
أما البُعد الصحي، فيضيف طبقة جديدة من القلق. فإعلان الجهاز عن وجود إصابات بأمراض معدية بين المرحلين يسلط الضوء على المخاطر الصحية التي تهدد المجتمعات المحلية في الجنوب الليبي. فمراكز الإيواء والمناطق التي يتجمع فيها المهاجرون غالباً ما تفتقر إلى أبسط مقومات النظافة والرعاية الصحية الأولية، مما يجعلها بؤراً محتملة لانتشار الأوبئة التي لا تفرق بين مواطن ليبي ومهاجر أفريقي. ويبدو أن السلطات الليبية باتت تتعامل مع هذا الملف من منظور أمني صحي متكامل، حيث يُنظر إلى الترحيل ليس فقط كإجراء قانوني، بل كإجراء وقائي لحماية الصحة العامة.
مفترق طرق: بين الالتزام الإنساني والضرورة الأمنية
تضع هاتان الحادثتان – جثة الزاوية وترحيلات الكفرة – المجتمع الدولي والسلطات الليبية أمام معضلة أخلاقية وقانونية شائكة. فالضحايا المجهولون على الشواطئ يستحقون دفناً كريماً وذكرى لا تمحى، وأولئك المرحلون عبر الصحراء يستحقون العودة إلى أوطانهم في ظروف إنسانية تضمن سلامتهم وكرامتهم.
غير أن الواقع يشير إلى أن الحلول الأمنية البحتة، مثل الترحيل واعتراض القوارب، لا تعالج جذور المشكلة. فطالما بقيت دول المصدر الأفريقية تعاني من الاضطرابات السياسية والفقر المدقع والتغير المناخي، وطالما ظل الطلب على العمالة الرخيصة في أوروبا قائماً، ستظل شبكات التهريب قادرة على إيجاد طرق جديدة وإغراء الضحايا بأحلام زائفة. وفي ليبيا بالذات، تظل معالجة هذا الملف رهينة بتحقيق الاستقرار السياسي وبسط سيطرة الدولة على كامل التراب الوطني، وهو هدف لا يزال بعيد المنال في ظل الانقسام الحالي.
ختاماً، فإن جثة المهاجر التي لفظها بحر الزاوية ليست مجرد رقم يضاف إلى إحصاءات الضحايا، بل هي صرخة مدوية في وجه ضمير عالم يتفرج على مأساة إنسانية تتكشف فصولها يومياً على شواطئ المتوسط ورمال الصحراء الكبرى. وبين إجراءات الترحيل الأمنية وعمليات انتشال الجثث، يظل الملايين من البشر في القارة الأفريقية عالقين بين أمل الفرار من جحيم الواقع وخطر الموت في رحلة لا يعلم نهايتها إلا الله.



