ليبيا

بوابة العبور إلى الدولة: كيف تعيد مبادرة بولس تشكيل المشهد الليبي من بوابة التوافق القضائي والاقتصادي؟

مبادرة بولس تكتسب زخماً دولياً وسط ترقب ليبي حذر

ليبيا 24عبد العزيز الزقم:

لجنة الحوار تسند رئاسة الانتخابات لمكتب النائب العام

لحظة مفترق طرق في خريطة الأزمة الليبية

تقف ليبيا مجدداً على أعتاب منعطف حاسم، ليس لأن الأزمة بلغت نقطة غليان جديدة، بل لأن نافذة نادرة من الفرص انفتحت عبر تقاطع مسارين: مسار داخلي يتمثل في اختراق سياسي هش حول آلية حسم رئاسة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومسار دولي تقوده مبادرة المستشار الأمريكي مسعد بولس التي تعيد هيكلة أولويات التسوية وفق تسلسل منطقي يبدأ بتأمين الاستقرار الاقتصادي والأمني قبل القفز نحو الاستحقاقات الدستورية.

وبينما يترقب الشارع الليبي تحول الوعود إلى خطوات ملموسة على الأرض، تكشف تصريحات الفاعلين الليبيين عن مشهد شديد التعقيد، تتداخل فيه الحسابات الضيقة مع الطموحات الوطنية، وتتصارع فيه الإرادات المحلية مع الأجندات الدولية.

هذا التحليل يستكشف أبعاد اللحظة الراهنة، وتحدياتها، وما إذا كانت مبادرة بولس تمثل بالفعل بوابة العبور إلى الدولة الليبية الموحدة.

تشريح الجمود: لماذا فشلت المبادرات السابقة؟

لفهم أهمية التحول الذي تمثله المبادرة المطروحة، لا بد من تشريح طبيعة الجمود الذي خيم على المشهد الليبي طوال السنوات الماضية.

لقد قامت المقاربات الدولية المتعاقبة، بقيادة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، على منطق عكسي: تقديم المسار السياسي والدستوري على معالجة التشوهات البنيوية في الاقتصاد والأمن.

وكانت النتيجة، وفق توصيف عضو مجموعة العمل الوطني خالد الترجمان، أن البلاد ظلت تدور في “دوائر مغلقة”، حيث تنتج كل تسوية هشاشة جديدة، ويفضي كل اتفاق إلى انقسام أكثر عمقاً.

إن الشاهد على هذا الفشل المنهجي هو حالة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات نفسها، التي ظلت لسنوات بلا هيكل إداري مكتمل، وعاجزة عن أداء دورها الدستوري، ليس بسبب غياب الكفاءات، بل لأن الخلاف حول رئاستها تحول إلى حرب بالوكالة بين مجلسي النواب والدولة، كل طرف يستخدمها كورقة ضغط لتعزيز موقعه التفاوضي.

وقد عبر عضو لجنة الحوار المصغر عبد الجليل الشاوش عن هذه المعضلة بوضوح عندما قال إن التمسك بالمواقف الحالية جعل الوصول إلى توافق “شبه مستحيل”، مما دفع إلى اقتراح إسناد تسمية رئيس المفوضية إلى النائب العام، باعتباره الجهة الأكثر حيادية في بنية الدولة المنقسمة.

جراحة دقيقة: حل أزمة المفوضية عبر بوابة القضاء

يمثل الاقتراح الذي خرجت به لجنة الحوار في روما، والقاضي بتكليف النائب العام باختيار شخصية من المستشارين أو رجال القضاء لرئاسة المفوضية، تحولاً استراتيجياً في منهجية فض النزاعات الليبية.

فبدلاً من منطق المحاصصة الذي أفرغ مؤسسات الدولة من مضمونها، تقدم هذه الصيغة نموذجاً يقوم على إسناد المهام السيادية إلى مؤسسات قادرة على إنتاج التوافق بحكم طبيعتها المهنية والقانونية، لا بحكم توازنات القوى.

وقد أحسن عضو مجلس النواب عبد المنعم العرفي في توصيف هذه الخطوة بقوله إنها “بداية عملية للتوافق”، لأنها تنزع فتيل الأزمة من جذوره الإجرائية.

فالمجلسان كانا قد انتخبا بالفعل ثلاثة أعضاء لكل منهما لعضوية مجلس الإدارة، مما يعني أن جوهر الخلاف لم يكن حول هوية المفوضية، بل حول من يترأسها. وهنا تكمن عبقرية الحل: معالجة الإشكالية المحددة دون المساس بالتوافقات السابقة، مما يقلص هامش المناورة لطرفي النزاع، ويفرض عليهما منطقاً جديداً قوامه أن لا غالب ولا مغلوب، بل حل تقني يضمن حيادية العملية الانتخابية.

المبادرة الأمريكية: قلب هرم الأولويات

في هذا السياق المشحون، تكتسب مبادرة المستشار مسعد بولس أهميتها الاستثنائية. فهي لا تقدم نفسها كمجرد خطة سياسية بديلة، بل كإعادة تأسيس لمنطق التسوية برمته.

إن التحول الجوهري الذي تنطوي عليه المبادرة، كما أوضح أستاذ القانون راقي المسماري، هو اعتماد تسلسل ثلاثي الأبعاد: الاقتصاد أولاً، فالأمن، ثم السياسة وهذا الترتيب ليس ترفاً فكرياً، بل هو استخلاص عملي لدروس الفشل السابق.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن إجراء انتخابات في بلد لم يستكمل توحيد مؤسساته الأمنية والعسكرية، وتعصف باقتصاده انقسامات حادة في إدارة الموارد والميزانية، ليس سوى وصفة لكارثة.

وكانت عضو مجلس النواب أسمهان بالعون محقة في تشخيصها للمشهد عندما تحدثت عن “حالة من الترقب المتبادل بين الشعب الليبي والأمم المتحدة”، معتبرة أن البديل عن فشل المبادرات هو “استمرار حالة الفوضى والانقسام”.

لكن المبادرة الجديدة تقطع مع هذا الترقب السلبي، وتقترح هندسة شاملة تبدأ من حيث يجب أن تبدأ أي دولة: السيطرة على الموارد، وتوحيد الإنفاق العام، وبناء جيش وطني قادر على حماية العملية السياسية.

الاقتصاد كرافعة للاستقرار: دور المصرف المركزي وإدارة الموارد

تحظى الركيزة الاقتصادية في مبادرة بولس بزخم خاص، نظراً لأنها تلامس العصب الحساس للأزمة الليبية.

فمنذ سنوات، ظل الاقتصاد الليبي رهينة لصراعات النخب حول توزيع عوائد النفط، مما خلق اقتصاديات موازية، وشبكات فساد عابرة للانقسامات السياسية، وأفقد الدولة قدرتها على الوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين.

إن التحركات الأخيرة نحو توحيد الميزانية، ودعم التفاهمات بين المؤسسات المالية في الشرق والغرب، تمثل وفق هذا المنظور أكثر من مجرد إجراءات تقنية.

إنها إعادة بناء لعقد اجتماعي متآكل، وإشارة إلى أن ثمة إرادة دولية جادة هذه المرة لفرض منطق العقل الاقتصادي على فوضى السياسة.

وخلافاً للتوقعات المتشائمة بشأن قدرة مصرف ليبيا المركزي على تثبيت سعر الصرف عبر توزيع الدولار نقداً، يقدم مؤيدو المبادرة رؤية تقوم على أن الاستقرار النقدي لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن توحيد المؤسسات المالية وتعزيز الشفافية في إدارة الإيرادات النفطية، وهما ركيزتان أساسيتان في مشروع بولس.

البعد الأمني: من محاربة الإرهاب إلى حماية العملية السياسية

لعل أكثر ما يميز المبادرة الجديدة، وفق ما صرح به خالد الترجمان، هو استيعابها لـ”مشروع الكرامة” القائم على محاربة الإرهاب والميليشيات والتطرف والجريمة المنظمة، قبل الانتقال إلى المسار السياسي.

وهذه النقطة تحديداً تمثل جوهر التناقض مع النهج الأممي السابق، الذي سعى إلى بناء توافقات سياسية فوق أرض ملغومة بالميليشيات والجماعات المسلحة.

إن الحديث عن إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في بلد لم يحسم بعد مسألة احتكار الدولة لأدوات العنف المشروع، ليس سوى مغامرة غير محسوبة.

ومن هنا، فإن تأكيد المبادرة على دور القوات المسلحة كعامل أساسي للاستقرار، وحامٍ للعملية السياسية بما في ذلك الإشراف على الانتخابات، يندرج في إطار بناء الدولة المدنية التي تسبق الديمقراطية ضرورات الأمن والاستقرار.

وهذا الطرح يلقى آذاناً صاغية لدى قطاع واسع من الليبيين الذين أنهكتهم سنوات الفوضى الأمنية، ويتطلعون إلى نموذج دولة لا تكون فيه صناديق الاقتراع رهينة لابتزاز التشكيلات المسلحة.

دبلوماسية الأروقة: تدويل المبادرة واختراق مجلس الأمن

لا يمكن فهم الوزن النسبي لمبادرة بولس دون التوقف عند الإشارات الرمزية والعملية التي تعكس حجم الدعم الدولي المساند لها.

لقد أشار المسماري بحدة دبلوماسية إلى مشهد جلوس المبعوث الأمريكي في موقع ممثل الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن، وهو إجراء بروتوكولي يختزل في طياته تحولاً استراتيجياً في درجة الالتزام الأمريكي بالملف الليبي.

فلم تعد واشنطن مجرد وسيط مراقب، بل أصبحت طرفاً فاعلاً يدفع مبادرته الخاصة إلى واجهة النقاش الدولي.

وهذا التطور يضع الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف الليبي، أمام معادلة جديدة. فبحسب المسماري، كانت هذه القوى تدرك منذ زمن أن أي تسوية شاملة ستقود حتماً إلى تغيير في البنية الحاكمة الحالية، سواء على مستوى المجلس الرئاسي أو حكومة الدبيبة منتهية الولاية.

لكن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن ثمة لاعباً دولياً ثقيل الوزن قرر تحويل هذا الإدراك إلى خطة عمل ملموسة، مما يضيق هامش المناورة أمام القوى التي كانت تراهن على استمرار حالة اللادولة لتعظيم مصالحها.

معضلة الشرعية: حكومة الدبيبة بين انتظار الانتخابات وتوسيع التحالفات

في قلب هذه الديناميكيات المعقدة، يبرز موقع رئيس الحكومة منتهية الولاية عبد الحميد الدبيبة كلاعب أساسي يصعب تجاوزه، لكن يصعب أيضاً استيعابه بالكامل في إطار التسوية المنشودة.

فرجل الأعمال الذي قاد حكومة انتقالية منذ نحو أربع سنوات، يواصل التمسك بخطابه القاضي بعدم تسليم السلطة إلا لحكومة منتخبة، وهو خطاب يجد صدى لدى بعض الأوساط التي تخشى من تكرار سيناريوهات الحكومات الموازية.

لكن الواقع، وفق التحليلات الميدانية، يكشف أن الدبيبة يعمل في الوقت ذاته على توسيع شبكة تحالفاته داخل المنطقة الغربية، عبر التقارب مع تشكيلات مسلحة ونخب محلية، بهدف تعزيز موقعه التفاوضي وضمان بقائه لاعباً رئيسياً في أي ترتيبات قادمة.

وهنا يبرز السؤال المركزي: كيف يمكن لمبادرة بولس أن تتعامل مع هذه المعضلة دون الانزلاق إلى مربع الصراع المسلح الذي حذرت منه النائبة بالعون؟ الإجابة تكمن في المقاربة التدريجية التي تتبناها المبادرة.

فهي لا تطرح إزاحة فورية للحكومة الحالية، بل تسعى إلى تهيئة الظروف السياسية والأمنية والاقتصادية التي تجعل من الممكن تشكيل حكومة موحدة تحظى بثقة الأطراف المتصارعة. وفي هذا السياق، تكتسب المصالحة الاقتصادية وتوحيد المؤسسات المالية أهمية مضاعفة، لأنهما الساحة الوحيدة التي يمكن أن يلتقي فيها أنصار الدبيبة وخصومه دون أن يفقد أي طرف ماء وجهه.

التيارات الخفية: العوائق الدستورية وطاولة “4+4”

على الرغم من الزخم الذي تحظى به المبادرة، إلا أن طريقها نحو التنفيذ لا يزال مليئاً بالألغام. فالمسار الذي ترعاه البعثة الأممية، والمتمثل في لجنة “4+4″، يثير ارتياباً لدى بعض الأوساط التي ترى فيه محاولة لتمرير القوانين الانتخابية بشكل انتقائي يخدم أجندات معينة.

وقد كشف الترجمان عن شعور واسع بالتهميش بين أعضاء الحوار المهيكل، الذين عملوا لفترات طويلة دون نتائج تذكر، وطالبوا بجدية أكبر في التعامل مع مسارهم.

وفي العمق، فإن العقدة الدستورية لا تزال بلا حل. فغياب قاعدة دستورية توافقية لإجراء الانتخابات، واستمرار الجدل حول النظام السياسي الأمثل للبلاد (رئاسي أم برلماني أم مختلط)، يشكلان عقبة كأداء أمام أي مسار سياسي.

وقد أشار المسماري بحق إلى أن البعثة الأممية تسعى إلى تجاوز هذه العقبة عبر “طاولة 4+4″، لكن الخطر يكمن في أن يؤدي التسرع في تمرير القوانين الانتخابية دون توافق حقيقي إلى انتخابات متنازع على نتائجها، مما قد يعيد إنتاج سيناريو 2014 عندما أدت الانتخابات المتنازع عليها إلى انقسام مؤسساتي عمودي لا تزال البلاد تعاني من تبعاته حتى اليوم.

تمثيلية المرأة وذوي الإعاقة: شرط العدالة الانتخابية

في خضم هذا الصراع المحتدم حول المناصب السيادية وتوزيع السلطة، من السهل أن تغيب قضايا جوهرية تتعلق بعدالة وشمولية العملية الانتخابية.

وتكتسب دعوة الدكتورة ليلى الأوجلي إلى مراجعة معايير الترشح للمناصب السيادية، واستبدال شرط “اللياقة الصحية” بمعيار “الأهلية القانونية والقدرات الذهنية”، أهمية خاصة في هذا السياق.

إن هذا المطلب الذي يبدو تقنياً، ينطوي على فلسفة سياسية عميقة: فالدولة الديمقراطية الحقة هي التي تزيل الحواجز التي تحول دون مشاركة جميع مواطنيها، بمن فيهم الأشخاص ذوو الإعاقة، في صنع القرار.

وعندما تطالب الأوجلي بتخصيص نسبة 5% لتمثيل النساء ذوات الإعاقة ضمن حصة الـ35% المخصصة للمرأة، فهي لا تمارس نوعاً من الترف الحقوقي، بل تذكرنا بأن الدولة التي تسعى إليها ليبيا يفترض أن تكون دولة لجميع الليبيين، دون استثناء أو إقصاء.

وتهيئة البيئة الانتخابية من النواحي اللوجستية والتقنية لضمان مشاركة فاعلة ومستقلة لهؤلاء المواطنين، ليست امتيازاً يمنح لهم، بل حق أصيل واستحقاق دستوري.

المسرح الدولي: لعبة المصالح وإعادة التموضع

لا يمكن قراءة الديناميات الليبية بمعزل عن سياقها الإقليمي والدولي الأوسع فالمبادرة الأمريكية تأتي في لحظة تشهد فيها السياسة الخارجية لواشنطن إعادة تقييم لأولوياتها في الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تتنافس قوى عظمى وصاعدة على النفوذ والموارد.

ويرى مراقبون أن إدارة الملف الليبي بالنسبة لواشنطن تتجاوز البعد الثنائي، لتندرج في إطار استراتيجية أوسع لاحتواء التمدد الروسي في الخاصرة الجنوبية لحلف شمال الأطلسي، وضمان أمن الطاقة لإمدادات المتوسط، ومكافحة الإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي.

أما على المستوى الإقليمي، فقد أشار المسماري إلى أن قوى إقليمية كانت تدرك منذ البداية أن التسوية ستقود إلى تغيير في بنية الحكم، لكنها كانت تفضل إدارة الأزمة على حلها، لأن الأزمة تمنحها أوراق ضغط ونفوذ قد تفقدها في حال قيام دولة مركزية موحدة ومع ذلك، فإن التحول في الموقف الأمريكي يضع هذه القوى أمام خيار صعب: إما الانخراط بجدية في المسار الجديد، أو المخاطرة بخسارة نفوذها لصالح قوى أخرى تستثمر في التسوية.

وقد تكون قمة التحدي هنا بالنسبة لتركيا، التي تمتلك حضوراً عسكرياً واقتصادياً كبيراً في غرب ليبيا، وتجد نفسها مضطرة للتوفيق بين دعمها للحكومة منتهية الولاية، وانخراطها في ترتيبات دولية قد لا تكون حكومة الدبيبة في مركزها.

مفترق الطرق: سيناريوهات المرحلة المقبلة

استناداً إلى المعطيات التي كشفت عنها تصريحات الفاعلين الليبيين، وتطورات المشهد الدولي، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة:

السيناريو الأول: تفعيل المسار التدرجي، حيث ينجح التوافق حول تسمية رئيس محايد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات عبر النائب العام، بالتزامن مع تقدم ملموس في مسار توحيد الميزانية وتعزيز التنسيق الأمني بين الشرق والغرب، مما يمهد لإجراء الانتخابات في غضون عام إلى عام ونصف.

وهذا السيناريو هو الأكثر تفاؤلاً، لكنه يتطلب ضغطاً دولياً موحداً ومستداماً، وإرادة سياسية ليبية حقيقية.

السيناريو الثاني: اختراق شكلي، حيث يتم حل أزمة المفوضية بشكل مؤقت، ولكن دون معالجة جذرية للانقسامات الهيكلية، مما يؤدي إلى استمرار حالة المراوحة، وتأجيل الانتخابات مرة تلو الأخرى.

وهذا هو السيناريو الذي حذرت منه النائبة بالعون عندما تحدثت عن احتمال تأجيل الانتخابات لفترة طويلة بسبب “صراعات دولية على النفوذ والثروات”.

أما السيناريو الثالث: فهو الأسوأ، وينطوي على انهيار التسوية بالكامل، وعودة الاضطرابات المسلحة إلى طرابلس، كنتيجة للصراع بين الحكومة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي، أو كرد فعل من التشكيلات المسلحة التي ترى في التسوية تهديداً لمصالحها.

رهان العقل قبل فوات الأوان

في المحصلة النهائية، ليست مبادرة بولس وصفة سحرية، ولا هي مشروع استعماري جديد كما يزعم بعض خصومها، بل هي محاولة جادة لإعادة ضبط إيقاع التسوية الليبية على وقع العقل بدلاً من فوضى المصالح.

إنها تنطلق من تشخيص واقعي مفاده أن ليبيا لا يمكن أن تصبح ديمقراطية قبل أن تصبح دولة، وأن الطريق إلى صناديق الاقتراع يمر حتماً عبر استعادة احتكار الدولة للسلاح، وتوحيد مؤسساتها المالية، وتأكيد سيادتها على كامل ترابها الوطني.

وما يعزز الرهان على هذه المبادرة هو أنها تتزامن مع بوادر صحوة ليبية داخلية، تجلت في توافق النخب حول صيغة عملية لحل أزمة المفوضية الوطنية للانتخابات.

فإسناد تسمية رئيسها إلى النائب العام هو، في جوهره، اعتراف من الفرقاء بأن الحل ليس في يد السياسيين الذين تسببوا في الأزمة، بل في مؤسسة قضائية نأت بنفسها عن الصراع، وحافظت على الحد الأدنى من المصداقية.

لكن الحذر يبقى واجباً، فالطريق لا تزال طويلة، والأشواك أكثر من الورود فالمبادرة، رغم دعمها الدولي، قد ترتطم بجدار الرفض من أطراف محلية وإقليمية ترى في قيام دولة موحدة تهديداً وجودياً لمشاريعها.

والحل التقني لأزمة المفوضية، رغم أهميته، يبقى مجرد خطوة أولى على درب طويل من التسويات الصعبة.

إن ليبيا تقف اليوم أمام نافذة فرص قد لا تتكرر، وبين يدي صناع القرار الليبيين والدوليين مسؤولية تاريخية: إما اقتناص هذه الفرصة والتحلي بالشجاعة الكافية لتقديم التنازلات المتبادلة، أو ترك البلاد تنزلق من جديد إلى هاوية الفوضى والعنف.

وكما قالت النائبة بالعون، فإن استمرار العوامل الحالية “يهدد بإطالة أمد الأزمة السياسية والاقتصادية”، لكنها لم تقل إن الحل مستحيل.

إنه ممكن، لكنه يتطلب أولاً وقبل كل شيء، إرادة سياسية تضع مصلحة المواطن الليبي، الذي أنهكته الحرب والفقر والانقسام، فوق كل الحسابات الضيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى