ليبيا

عجز الموازنة الأسرية الليبية يفضح وعود حكومة الدبيبة الزائفة

رب أسرة مطحون والدبيبة العاجز: مرتب لا يسد الحاجيات

ليبيا 24:

ليبيا تحت وطأة الحساب البسيط: كيف تحوّلت 1650 ديناراً إلى فخ معيشي؟

حين لا يكفي الراتب ربع المصروفات

في صباح أحد أيام طرابلس الرمادية، ينهض علي (45 عاماً) قبل الفجر بساعتين أب لستة أطفال، يعيل أسرة من ثمانية أفراد (هو وزوجته وأطفاله الستة)، راتبه الشهري من وظيفته الحكومية – التي لم يتقاضها بانتظام طيلة عام 2024 – هو 1650 ديناراً ليبيّاً.

بعد حسبة بسيطة على آلة حاسبة مهترئة، يكتشف أنه يحتاج قبل نهاية الشهر إلى 1967 ديناراً فقط للضروريات القصوى: خبز، دجاج، خضار، زيت، فطور صباحي (خبز وزيتون وجبن رخيص)، طماطم، دقيق، كسكسي، أرز، مكرونة، شامبو، سكر، صابون وجه، مسحوق غسيل، منظفات.

بدون فواكه، بدون أدوية، بدون مدارس، بدون مستشفيات، بدون سيارة، بدون أي طارئ العجز الشهري: 317 ديناراً، أي 19% من دخله.

هذه ليست قصّة علي وحده، هي قصّة ملايين الليبيين الذين يكافحون يومياً تحت حكم «حكومة الوحدة» المنتهية ولايتها برئاسة عبدالحميد الدبيبة، الرجل الذي يرفض تسليم السلطة رغم انتهاء تكليفه القانوني والأخلاقي، ويواصل استنزاف الإيرادات النفطية في مشاريع نافذة ووعود انتخابية فارغة.

في هذا التقرير نغوص في حفرة المعيشة الليبية، مستمعين إلى أصوات المواطن المطحون، وكاشفين كيف حوّل الدبيبة والداعمون له الدولة إلى سوق خضار فاسد، حيث المرتب لا يسد جوع اليوم، والحكومة تلهث خلف شرعنة بقائها.

الحساب البسيط – تفكيك 1967 ديناراً لأسرة من 8 أفراد

الأرقام لا تكذب: الميزانية الشهرية لأسرة ليبية تحت خط الفقر

وفقاً للبيانات التي جمعها فريق ليبيا 24 من أسواق طرابلس ومصراتة وبنغازي (متوسط الأسعار خلال مارس 2025)، تُظهر الفاتورة الأساسية دون أي ترف أو خدمات صحية أو تعليمية تفاصيل الإنفاق الشهري لأسرة مكونة من 8 أفراد أن بند الخبز، رغم كونه مدعومًا، يكلّف نحو 240 دينارًا شهريًا في ظل محدودية توفره، بينما يصل الإنفاق على الدجاج، باعتباره المصدر الأساسي والأقل تكلفة للبروتين، إلى 270 دينارًا بمعدل 2 كيلو أسبوعيًا.

أما الخضروات الأساسية مثل البطاطس والبصل والجزر والكوسا، فتبلغ تكلفتها نحو 320 دينارًا شهريًا، في حين يستهلك الزيت النباتي قرابة 100 دينار، وهو من أقل الأنواع جودة.

ويُعد بند الفطور اليومي (خبز وزيتون وجبن أبيض) الأعلى تكلفة نسبيًا، إذ يصل إلى 450 دينارًا رغم اقتصاره على وجبة بسيطة.

وفيما يتعلق بباقي المواد الغذائية، تُقدّر تكلفة الطماطم بنحو 50 دينارًا، والدقيق 60 دينارًا، والكسكسي 14 دينارًا، والأرز 26 دينارًا، والمكرونة 70 دينارًا، وهي جميعها تمثل الحد الأدنى من التنوع الغذائي.

أما احتياجات النظافة والعناية الشخصية، فتشمل الشامبو بتكلفة 48 دينارًا، والسكر 20 دينارًا، وصابون الوجه 20 دينارًا، إضافة إلى مسحوق الغسيل الذي يُعد من البنود المرتفعة نسبيًا بقيمة 120 دينارًا، والمنظفات المنزلية بنحو 20 دينارًا.

وبذلك يصل إجمالي الإنفاق الشهري إلى 1967 دينارًا، مقابل دخل يبلغ 1650 دينارًا، ما يخلّف عجزًا شهريًا قدره 317 دينارًا، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الدخل ومتطلبات المعيشة الأساسية.

ماذا يعني العجز عملياً؟

· الجوع الخفي: تقليص وجبتين إلى وجبة واحدة يومياً للأطفال الأصغر.

· الديان الدوارة: الاستدانة من الجيران أو صرافي الشارع بفائدة 20% شهرياً.

· الانسحاب من التعليم: إخراج طفلين من المدرسة لأن «المواصلات والكتب فوق الطاقة».

· الصحة سلعة فاخرة: علاج الأسنان والزكام المزمن يُؤجل إلى أن «يفرّج الله».

يقول لنا سالم (52 عاماً)، عامل في مخبز بطرابلس:

«يا سيدي، أنا أوزّع الخبز على المخابز، لكن عائلتي تأكل خبزاً يابساً بالأمس، الدبيبة يفتح مطاعمه الفاخرة ونحن نحصي حبات الطماطم الحسبة اللي عملتوها صحيحة 100%: 1650 لا تساوي شيئاً أمام 1967. والفرق يدفعه أطفالنا بالهزال.»

أصوات من الشارع المطحون – «نحن لسنا أرقاماً في بورصة الفقر»

أمينة (أم لسبعة أبناء، من ترهونة): «زوجي ينام في السيارة ليوفّر البنزين»

«زوجي يعمل سائق تكسي راتبه الشهري إذا جمعته بعد خصم إيجار السيارة لا يتجاوز 1400 دينار، أنا أشتري الدجاج مرة كل أسبوعين، ونأكل البطاطس المسلوقة يومياً، الأطفال يبكون على الفواكه، أقول لهم إن الفواكه تسبب الحساسية كذبة كبيرة، لكن ماذا أفعل؟ الحكومة غائبة والدبيبة يظهر فقط على التلفزيون ليوقع عقوداً مع شركات تركية، الشعب الليبي يُذبح بالأسعار.الأدهى أن مرتب زوجي تأخر ثلاثة أشهر، واضطررنا لبيع خاتم خطوبتي.»

محمد (معلم في مدرسة حكومية، مصراتة): «نُدرّس الجوع ونُختبر بالديون»

«مرتب المعلم 1650 ديناراً بالتمام عائلتي 8 أفراد (أنا وزوجتي وأمي وخمسة أطفال) بعد شراء الخبز والدجاج فقط يتبقى 400 دينار للكهرباء والمياه والغاز أستدين من البقال كل شهر، وأسدد عندما تنزل القبض في آخر الشهر نأكل البقول الجافة فقط ، زملائي في المدرسة يروون قصصاً مماثلة، المشكلة أن حكومة الدبيبة تصف من يعترض بـ”الخارج عن الإجماع” أي إجماع يا سادة وأطفال ليبيا تحت خط الفقر؟»

فاطمة (أرملة، بنغازي): «الدواء أغلى من الذهب»

«عندي ابن مريض بالسكري، وابنتان في الثانوية المرتب التقاعدي 1100 دينار فقط أعالج ابني بحقن الأنسولين المهربة من تونس بسعر 200 دينار للعلبة، لا أستطيع شراء الخضار كل يوم، فأطبخ مرة كل ثلاثة أيام، الحسبة التي نشرتموها عن 1967 ديناراً هي حلم بعيد المنال بالنسبة لي، أنا أنفق 1200 دينار على الخبز والدجاج والخضار الفاسد (الرخيص)، والباقي يذهب للدواء، لا حديث عن مدارس أو نظافة،الدبيبة يوزع المال على الميليشيات، ونحن نوزع الحصص الغذائية.»

فشل حكومة الدبيبة – من انتهت ولايته ولا ينتهي فساده

المشهد السياسي: حكومة بلا شرعية، بلا رقابة، بلا رحمة

منذ مارس 2022، أعلن مجلس النواب انتهاء ولاية حكومة الدبيب، وكلف حكومة جديدة. لكن الدبيبة تمسك بالقصر الرئاسي بغطاء من مجموعات مسلحة، ورفض أي حوار جاد، مصراً على أن «تسليم السلطة يكون عبر انتخابات» مع تنصيب نفسه مديراً للانتخابات.

النتيجة: حرب مؤسسات، تفكك مالي، وسرقة الإيرادات النفطية (التي تجاوزت 20 مليار دولار عام 2024) في حسابات مصرف ليبيا المركزي الذي يسيطر عليه حلفاء الدبيبة.

أين تذهب أموال النفط؟

بينما يكدح المواطن لتدبير 1967 ديناراً للضروريات، تُصرف ملايين الدينارات على:

  • رواتب وهمية لعناصر مسلحة موالية للدبيبة (تقرير هيئة الرقابة الإدارية 2024: 2.3 مليار دينار بدون سند قانوني).
  • مشاريع واجهة مثل «مدينة طرابلس المالية» التي تحولت إلى مول تجاري لأصدقاء الدبيبة.
  • دعم الوقود المهرب: أكثر من 40% من الدعم يذهب إلى عصابات تهريب عبر الحدود التونسية والجزائرية.
  • شراء ولاء القبائل بمبالغ نقدية تُصرف من «صندوق دعم الاستقرار» دون محاسبة.

في المقابل، انهار سعر صرف الدينار الليبي في السوق الموازية من 4.5 دنانير للدولار (أوائل 2023) إلى 7.8 دنانير للدولار (مارس 2025).

وهذا يعني أن القوة الشرائية للمرتب 1650 ديناراً تعادل 211 دولاراً فقط شهرياً لأسرّة من 8 أفراد – أي 26 دولاراً للفرد شهرياً.

أقل من خط الفقر المدقع الذي يحدده البنك الدولي بـ 2.15 دولار يومياً للفرد (64.5 دولاراً شهرياً). إذن الأسرة الليبية تعيش على 40% من خط الفقر المدقع.

مع المواطن الكادح، ضد حكومة غير شرعية

أي حوار حول مستقبل ليبيا يبدأ خطوته الأولى باعتذار رسمي للشعب، وفتح حسابات النفط لتدقيق دولي، وتعويض الأسر المتضررة مباشرة من العجز المالي (مثل 317 ديناراً الشهرية لكل عائلة مكونة من 8 أفراد).

 إلى أن يحدث ذلك، كل بيان صادر من الدبيبة عن «الازدهار الاقتصادي» هو سخرية من جوع الأطفال.

البديل – هل من مخرج من هذا النفق؟

ماذا يطالب الليبيون؟

بالنسبة إلى عائلات مثل عائلة علي، الحلول ليست معقدة:

1. تشكيل حكومة موحدة بكامل الصلاحيات تدير توزيع الدعم مباشرة إلى الأسر المحتاجة عبر بطاقات ذكية، بدلاً من دعم السلع الذي يسرقه التجار.

2. مراجعة سلم الرواتب بحيث لا يقل الحد الأدنى للأجر لأي أسرة من 8 أفراد عن 2000 دينار شهرياً قابلة للتعديل مع التضخم.

3. محاكمة المسؤولين عن إهدار المال العام، بدءاً بالدبيبة ووزراء ماليته.

4. فتح معبر رأس جدير الحدودي بشكل منظم وخفض الجمارك على السلع الأساسية لمواجهة الاحتكار الداخلي.

شهادات الخبراء

يقول لنا خبير اقتصادي:

«ما تعيشه الأسر الليبية هو نتيجة مباشرة لسياسة “العيش وترك العيش” التي يمارسها الدبيبة، لا توجد رقابة على الأسعار، والرواتب لم تُعدَّل منذ 2014، بينما ارتفعت أسعار المواد الأساسية 400%.

الحسبة التي قدمتموها (1967 مقابل 1650) تعكس واقعاً مريراً لكنها لا تشمل الإيجار الذي يقفز إلى 800 دينار للشقة المتواضعة يعني العجز الحقيقي قد يصل إلى 1000 دينار شهرياً.»

أما ناشطة اجتماعية فتقول:

«المواطن الليبي لم يعد يفرق بين حكومة الدبيبة وحكومة أي شخص آخر، المطلوب إسقاط منظومة الفساد بأكملها، وبناء دولة توزع الثروة النفطية على من ينتجها أطفال اليوم في ليبيا لا يعرفون طعم الحليب الطازج أو الفراولة هذا عار على من يسمون أنفسهم قادة.»

عندما تصبح الحسبة البسيطة وصمة عار

في عالم تسوده الأرقام الضخمة ونشرات البورصات، تبقى الحقيقة الأكثر إيلاماً مخبأة في دفاتر عائلة ليبية: 1967 ديناراً مقابل 1650 ديناراً، فارق 317 ديناراً يعني حذف أحلام طفل من المدرسة، أو خطوة نحو سوء التغذية، أو بيع آخر قطعة ذهب للزوجة.

هذه ليست حسبة رياضية جافة هي ميزان عدالة اجتماعي انهارت كفّتاه وحكومة عبدالحميد الدبيبة، التي تمارس السياسة كأنها لعبة فيروزية بلا طاولة، تتحمل المسؤولية كاملةً – أخلاقياً وقانونياً – عن كل دينار ينقص من خبز الليبيين.

إلى أن يرحل الدبيبة غير الأسف، وتأتي حكومة تضع المواطن المطحون فوق حساباتها، سنواصل نشر هذه الحسابات البسيطة لأن الأرقام لا تكذب وألم الجوع لا يحتاج ترجمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى