المركزي يربط العملة بالسيادة… عتبة جديدة للنقد تثير جدل الاقتصاد والأمن
قيود جديدة على العملة في ليبيا لمكافحة التدفقات المالية
ليبيا 24
ليبيا تخفض سقف النقد المصدر وتشدّد قواعد الإفصاح
في خطوة تشكل منعطفاً لافتاً في إدارة التدفقات المالية للدولة الليبية، أصدرت اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب برئاسة محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، القرار رقم (1) لسنة 2026، الذي يضع أطراً جديدة ومتباينة لسقف المبالغ النقدية المسموح بحملها دون إفصاح عبر منافذ البلاد. القرار، الذي دخل حيز التنفيذ فوراً في الثالث والعشرين من أبريل، يعكس محاولة حثيثة للموازنة بين متطلبات الامتثال المالي الدولي وواقع الاقتصاد الليبي المعتمد بكثافة على السيولة النقدية.
هندسة مزدوجة للسقف المالي
جوهر القرار يكمن في ازدواجية السقف المالي؛ إذ حدد المبلغ الأقصى المسموح بإخراجه من ليبيا دون إفصاح بخمسة آلاف دولار أمريكي فقط، في خطوة تهدف بوضوح إلى الحد من تسرب العملة الصعبة إلى الخارج في ظل شح الموارد وضغوط الإنفاق العام.

في المقابل، سمح القرار بدخول ما يصل إلى ثلاثين ألف دولار دون حاجة للإفصاح، مما يفتح الباب واسعاً أمام تدفق العملة الأجنبية إلى داخل الاقتصاد المحلي، ويُفسر على أنه إشارة ترحيب بالمغتربين والمستثمرين، مع إضفاء شرط إلزامي بالإفصاح عبر نموذج رسمي لدى سلطات الجمارك في حال تجاوز هذه السقوف.
الجدار الناري المالي… السياق السياسي والأمني
لا يمكن قراءة هذا القرار بمعزل عن المسار الطويل الذي تقطعه ليبيا للخروج من القوائم الرمادية للمجموعات المالية العالمية. فمنذ سنوات، تواجه المؤسسات المالية الليبية تدقيقاً مكثفاً بشأن شفافية تحركات الأموال عبر حدودها الممتدة، في بلد يعاني من انقسام سياسي وانتشار للسلاح وتعدد للجهات الفاعلة غير الحكومية.
القرار الجديد يعزز من قدرة الدولة الفنية ممثلة في المصرف المركزي على مراقبة التدفقات النقدية وتتبعها، مما يحد من بيئة حاضنة لعمليات تمويل الإرهاب وغسل الأموال. إن ربط القرار صراحة بقانون مكافحة غسل الأموال يعطي الأولوية للبعد الأمني السيادي على حساب حرية حركة رؤوس الأموال دون قيد، في محاولة لبناء جدار ناري مالي يحمي ما تبقى من سلامة النظام المصرفي.
صدمة في سوق الصرف الموازي
اقتصادياً، يحمل القرار في طياته تداعيات مزدوجة وعميقة. فمن جهة، تخفيض سقف إخراج النقد إلى خمسة آلاف دولار هو إجراء تقييدي صارم سيوجه ضربة قوية للتجار الصغار الذين اعتادوا الاعتماد على حمل النقد لاستيراد البضائع من الخارج، نظراً لصعوبة فتح الاعتمادات المستندية الرسمية.
هذا الأمر قد يؤدي بشكل غير مباشر إلى زيادة الطلب على العملة الأجنبية في السوق الموازي، مما يفاقم الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر السوق السوداء. أما السماح بإدخال ثلاثين ألف دولار بحرية نسبية، فيمثل حافزاً لضخ العملة الصعبة عبر القنوات الرسمية، ويمكن أن يخفف الضغط على الدينار الليبي إذا اقترن بآليات واضحة لتشجيع إيداع هذه الأموال في المصارف بدلاً من اكتنازها في المنازل.
المغتربون بين التسهيل والاشتباه
اجتماعياً، يتقاطع القرار مع حياة ملايين الليبيين في الداخل والمهجر بشكل يومي. بالنسبة لعائلات المغتربين العائدين، يشكل سقف الدخول المرتفع (30 ألف دولار) تسهيلاً مرحباً به، إذ يمكنهم جلب مدخراتهم دون تعقيدات إدارية مرهقة، لدعم ذويهم أو الاستثمار في العقارات والمشاريع الصغيرة. لكن الخوف يتمثل في أن يتحول الامتياز إلى أداة للاشتباه، حيث يخشى مواطنون من أن يتحول ملء استمارة الإفصاح عند تجاوز السقف إلى بوابة لتبرير عمليات تدقيق ضريبي مستقبلية أو مصادرة للأموال تحت مظلة مكافحة الفساد، مما يزرع بذور القلق بين شريحة واسعة من المجتمع.
تحديات التنفيذ على الأرض
يبقى التحدي الأكبر ميدانياً. ففي بلد تنتشر فيه الميليشيات والمطارات والمنافذ البرية الخاضعة لسيطرة جهات متعددة، تبرز تساؤلات حول من يملك السلطة الفعلية لتطبيق هذا القرار على جميع المعابر دون استثناء.
إن إصدار القرار أسهل بكثير من تنفيذه على منفذ أرضي ناءٍ يسيطر عليه شخص محلي له مصلحة في استمرار تدفق السلع والبشر دون رقابة. يكمن الاختبار الحقيقي للقرار في قدرة الحكومة والمصرف المركزي على بسط سلطة القانون على كامل الجغرافيا الليبية، وتحويل الإجراء الفني إلى واقع يحمي الاقتصاد والمواطن معاً بدلاً من أن يصبح مجرد بند جديد في قائمة طويلة من اللوائح غير المطبقة.



