اقتصاد

ليبيا تعيد رسم مشهدها الطاقي: استقطاب العمالقة وطموحات بمليارات الدولارات وسط رهان على الاستقرار

طفرة الاستكشاف الليبي ترسم خارطة استثمار جديدة بمليارات الدولارات


ليبيا 24

ليبيا تستقطب عمالقة الطاقة لاستعادة عرش النفط الإفريقي والمتوسطي

في قلب المتوسط، حيث تلتقي الصحارى الشاسعة بالمياه العميقة، تدور رحى قصة اقتصادية متجددة تحبس أنفاس المراقبين. ليبيا، العملاق النفطي الذي أنهكته السنون العجاف، تبعث اليوم بإشارات متواترة عن نهوض محتمل. لا يتعلق الأمر بتعافٍ عابر، بل بحركة استراتيجية متسارعة تهدف إلى تحويل الثروة الهيدروكربونية الهائلة من مجرد وقود للصادرات إلى محرك أصيل لنمو اقتصادي شامل. وبينما تتدافع شركات الطاقة الكونية إلى موانئها وحقولها من جديد، يُطرح سؤال جوهري يختلط فيه التفاؤل الحذر بالتحليل العميق: هل نحن أمام ميلاد دورة استثمارية عملاقة، أم أن شبح الاضطرابات المزمنة لا يزال يتربص بآمال الانطلاق الكبرى؟

تشريح اقتصاد ريعي: هيمنة مطلقة للهيدروكربونات

لفهم عمق التحولات الراهنة، لا بد من تفكيك بنية الاقتصاد الليبي أولاً. لا تكاد توجد حالة اعتماد على مورد واحد بهذا القدر من الحدة كما هو الحال في ليبيا. تشكل عائدات النفط والغاز قرابة ثمانية وتسعين بالمئة من إيرادات الخزينة العامة، وتستحوذ على نحو ستة وتسعين بالمئة من إجمالي الصادرات السلعية. هذا التركيب البالغ الهشاشة يجعل من كل برميل يُضخ، ومن كل عقد يُوقع، حدثاً وطنياً بامتياز تتوقف عليه قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها، من دعم المحروقات والرواتب إلى تمويل استيراد كل شيء تقريباً.

هذه التبعية المطلقة جعلت من قطاع الطاقة ساحة المعركة الاقتصادية الأولى طيلة العقد الفائت. فمنذ اندلاع شرارة الاقتتال عام ألفين وأحد عشر، تحوّلت الحقول ومنصات التصدير إلى أوراق ضغط سياسية وعسكرية. تكررت مشاهد الإغلاقات القسرية، وتعطل ضخ النفط لمئات الأيام، ما كبد الخزينة خسائر فادحة تجاوزت، وفق تقديرات رسمية، حاجز المئة مليار دولار أميركي. هذا الرقم الفلكي لا يمثل مجرد إيرادات ضائعة، بل يعكس تآكلاً ممنهجاً في البنية التحتية النفطية التي عانت إهمالاً مزمناً في الصيانة والتطوير، وكأن البلاد كانت تأكل رأس مالها الطبيعي بلا رحمة.

أرقام تتحدى التاريخ: الإنتاج يحلق فوق عتبة العقد

وسط هذه الخلفية القاتمة، تبدو الأرقام المُعلنة مؤخراً أقرب إلى ضوء ساطع في أفق طويل العتمة. أفادت المؤسسة الوطنية للنفط بأن الإنتاج اليومي للخام قفز في مطلع أبريل الماضي إلى نحو مليون وأربعمئة وثلاثين ألف برميل، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ عام ألفين واثني عشر. هذا الرقم لا يمثل انتعاشة ظرفية عابرة، بل يتجاوز تقديرات سابقة كانت تستهدف بلوغ مليون وثلاثمئة وثمانين ألف برميل يومياً بنهاية العام ذاته.

هذه القفزة النوعية لم تأتِ من فراغ، بل كانت ثمرة جهود استثنائية لتأمين الحقول واستئناف العمل في مواقع كانت متوقفة، فضلاً عن تحسن نسبي في مناخ التعاون بين الفاعلين في المشهد. والأهم من الرقم الحالي هو دلالته الاستراتيجية؛ فهو يعيد ليبيا بقوة إلى مصاف المنتجين المؤثرين داخل منظمة البلدان المصدرة للنفط وخارجها، ويمنح طرابلس ورقة تفاوضية هائلة في سوق تتسم بتقلبات سعرية حادة وتوترات جيوسياسية تعيد رسم خرائط العرض والطلب العالمية. فكل برميل إضافي يخرج من ليبيا هو مساهمة في إعادة التوازن إلى سوق مضطربة تبحث عن إمدادات مستقرة بديلة.

شيفرون والبوابة غير التقليدية: زلزال في جيولوجيا الاستثمار

غير أن الخبر الأكثر دويًا لم يكن في أرقام الإنتاج الحالية، بل في طبيعة اللاعبين القادمين ورهاناتهم. يشكل توقيع مذكرتي تفاهم بين المؤسسة الوطنية للنفط وشركة “شيفرون” الأميركية العملاقة، في غضون شهر واحد، تحولاً فارقاً في مسار الاستثمار النفطي الليبي. الاتفاقية الأولى، التي أُعلنت أواخر مارس الماضي، تختص بدراسة المنطقة البحرية “أن سي 146″، وهي منطقة عذراء تحمل مؤشرات جيولوجية “مشجعة” قد تفضي، حال نجاح الاستكشاف، إلى اكتشافات نوعية تعزز الاحتياطي الوطني القابل للاستخراج.

أما الصفقة الأضخم استراتيجياً فجاءت في أواخر أبريل، حيث وضع الطرفان إطاراً لدراسة تقييم الموارد غير التقليدية في ثلاثة من أعظم الأحواض الرسوبية في البلاد: سرت ومرزق وغدامس. هنا تكمن الثورة الصامتة. فالحديث عن موارد غير تقليدية يعني الانتقال من الاستخراج التقليدي السهل إلى تقنيات متطورة تتطلب استثمارات هائلة ونقلة تكنولوجية هائلة، وهو ما تمتلكه شركة بحجم شيفرون. تشير التقديرات الأولية التي كشف عنها رئيس مؤسسة النفط، مسعود سليمان، إلى وجود ما يقرب من ثمانية عشر مليار برميل من النفط ومئة وثلاثة وعشرين تريليون قدم مكعبة من الغاز قابلة للاستخراج من هذه التشكيلات. هذه الأرقام، إن صحت ولو جزئياً، لا تعني مجرد زيادة في الاحتياطي، بل تعني مضاعفة ثروة البلاد الهيدروكربونية وإطالة عمرها الإنتاجي لعقود إضافية.

فيزياء الاستثمار النفطي: لماذا يتهافت الكبار الآن؟

يطرح السؤال نفسه بإلحاح: ما الذي تغير ليدفع شركة بحجم وحذر “شيفرون” إلى الاقتراب مجدداً من سوق لطالما نظرت إليها بحذر شديد، بعد أن فازت بامتياز في جولة المناقصات الأخيرة؟ الإجابة تكمن في توليفة معقدة من العوامل الجيوسياسية والمالية والفنية. فعلى صعيد السوق العالمية، أدت التحولات في الشرق الأوروبي إلى إعادة رسم خارطة الطاقة، حيث تبحث القارة العجوز بشدة عن بدائل موثوقة وقريبة جغرافياً. بموقعها على مرمى حجر من الأسواق الأوروبية الشرهة، ومع بنيتها التحتية للغاز القائمة، تقدم ليبيا نفسها كحل أمثل وأقل كلفة لوجستية.

وعلى الصعيد الداخلي، ورغم هشاشته، بدأ المشهد الاقتصادي يفرز معالم قد تكون أكثر قابلية للاستثمار طويل الأجل. فالتوافق النادر الذي جرى في أبريل الماضي على ميزانية موحدة، وهي الأولى من نوعها منذ أزيد من ثلاثة عشر عاماً، بقيمة تناهز ثلاثين مليار دولار، منها نحو ثلاثة عشر ملياراً لتغطية النفقات التشغيلية والتطويرية للمؤسسة الوطنية للنفط، يشكل رسالة طمأنة بالغة الأهمية للمستثمرين. المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، رئيس منتدى بنغازي للتنمية الاقتصادية، يرى في هذا التوافق أكثر من مجرد رقم. إنه إعلان نوايا بأن الفاعلين السياسيين والماليين قد بدأوا، ولو مضطرين، في إدراك أن استنزاف قطاع النفط بالتجاذبات يعني إفلاس الجميع. ويضيف بوزعكوك أن عودة شركة مثل “شيفرون” ليست مغامرة عاطفية، بل مؤشر على أن حسابات المخاطرة والعائد بدأت تتحول إيجاباً بفعل هذا الاستقرار النسبي في الأفقين الأمني والمالي.

الاختناق التقني: تراكم التحديات ورهان التحديث

لكن خلف واجهة الأرقام المبهرة والاتفاقات الكبرى، يخفي القطاع النفطي الليبي ندوباً غائرة. فسنوات الإهمال والصراع خلفت بنية تحتية منهكة. خطوط الأنابيب الممتدة لمئات الكيلومترات تحت رمال الصحراء تعاني التآكل. مرافق المعالجة والتخزين في الموانئ بحاجة ماسة إلى إحلال وتجديد. يستحيل بلوغ طموحات إنتاجية بمليوني برميل يومياً أو أكثر دون استثمارات رأسمالية طائلة في تحديث هذه الأعصاب الحيوية. وهنا يأتي الدور المحوري للشركات العالمية الكبرى. فإلى جانب رأس المال المخاطر الذي تضخه، تحمل معها الذخيرة الأثمن: التكنولوجيا المتقدمة والمعرفة الفنية العميقة في إدارة المشاريع العملاقة، من تقنيات الاستخراج المعزز للنفط غير التقليدي إلى المسوح الزلزالية عالية الدقة في الأعماق البحرية.

يؤكد الخبير النفطي المخضرم، محمد الشحاتي، ذلك بقوله إن التعاون مع هذه الشركات ليس ترفاً، بل شرط لا غنى عنه لدفع صناعة النفط الليبية إلى الأمام. فهو، برأيه، يوفر شريان الحياة المتمثل في الاستثمار ونقل التكنولوجيا، وهو ما تعجز الميزانيات المحلية وحدها عن تحقيقه. وتكمن قوة هذه الشراكات، كما يفصل الشحاتي، في قدرتها غير المباشرة على تهيئة بيئة إدارية وتنظيمية بمستوى المعايير الدولية، مما يخلق حلقة حميدة من الكفاءة والشفافية تدفع عجلة القطاع برمته. فوجود مراقبين ومشغلين دوليين بقوانينهم الصارمة يفرض احتراماً للمواعيد والجودة قد يكون غائباً.

معضلة الدولار والمشهد السياسي: عراقيل في مضمار العودة

طريق المليارات والطفرة النفطية المنشودة ليس مفروشاً بالورود. إلى جانب تحدي الإرث التقني الثقيل، يبرز تحديان خطيران يهددان بإجهاض النهضة قبل اكتمالها. الأول هو المتغير الأمني. ورغم الهدوء النسبي السائد، يبقى السلام هشاً قابلاً للانقلاب في أية لحظة. لا تستطيع أية شركة كبرى ضخ مليارات الدولارات في مشروع يمتد لعقود دون ضمانات حقيقية باستمرار الاستقرار. فذاكرة الإغلاقات المتكررة التي تسببت فيها الميليشيات أو الخلافات السياسية لا تزال ماثلة. كل حادثة أمنية، كل تهديد بإغلاق ميناء، يرفع منسوب المخاطر ويضاعف كلفة التأمين على الاستثمارات، مما قد يعصف بجداول الجدوى الاقتصادية لأضخم المشاريع.

التحدي الثاني ذو طبيعة نقدية صرفة، وهو ما يلفت إليه المحلل بوزعكوك، ألا وهو استقرار سعر الصرف. يعاني الاقتصاد الليبي من فجوة مزمنة بين السعر الرسمي للدينار وسعره في الأسواق الموازية. هذا التذبذب والعلاوة السعرية المرتفعة يشكلان كابوساً لأي مستثمر أجنبي. فتحويل الأرباح وإعادة رأس المال والتعامل مع التكاليف المحلية يصبح عملية شديدة التعقيد ومحفوفة بالمخاطر عندما لا يكون هناك سعر صرف حقيقي وموحد. طمأنة الشركات العملاقة تتطلب نظاماً نقدياً شفافاً ومستقراً يضمن جني الأرباح دون تبخر قيمتها في دهاليز الفروقات السعرية. إن حلحلة هذين الملفين الشائكين، الأمني والنقدي، هما الامتحان الحقيقي لقدرة البلاد على جني ثمار زخمها النفطي.

نحو أفق 2027: خارطة طريق لاستعادة العرش

بكل هذا، تبقى ليبيا على مسافة ليست بالقصيرة من هدفها المعلن ببلوغ إنتاج مليون وثمانمئة ألف برميل يومياً بحلول عام ألفين وسبعة وعشرين، ثم الوصول إلى مستوى المليوني برميل في أفق السنوات الخمس المقبلة. ولتحقيق ذلك، رُصدت خطة استثمارية ضخمة بقيمة سبعة عشر مليار دولار. هذه الأموال، التي تسعى المؤسسة الوطنية لتأمينها من عوائد النفط ومن الشراكات الاستراتيجية، سيتم توجيهها ليس فقط للتطوير والاستكشاف، بل لبناء بنية تحتية جديدة بالكامل وتحسين مستوى أداء الحقول المتقادمة.

تراهن الاستراتيجية الليبية على مسار مزدوج: تعظيم إنتاج الحقول التقليدية الحالية بأسرع وقت ممكن، بالتوازي مع وضع لبنات المرحلة المقبلة القائمة على الغاز والموارد غير التقليدية والاكتشافات البحرية. هذا المزيج هو ما سيضمن، في حال نجاحه، تدفقات مالية مستدامة للخزينة العامة، تمكن الدولة من إعادة الإعمار وتنويع الاقتصاد بعيداً عن أحادية النفط، وهو الهدف النهائي الذي طالما كان حلماً مؤجلاً. تبقى الأنظار معلقة بقدرة هذا البلد الذي يختزن واحداً من أعظم مخزونات الطاقة في العالم على تحويل عثرات الماضي إلى وقود لنهضة حقيقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى