الدبيبة والغرياني ومشهدية الافتراق بعد تواطؤ طويل
طلاق سياسي بمرارة الخيانة بين الدبيبة وجماعة التنظير المعزولة
ليبيا 24- عبدالعزيز الزقم
الدبيبة يحرق مراكب الإخوان والغرياني يكشف زيف التحالف الهش
في مسرح العبث السياسي الليبي، حيث تتغير التحالفات بسرعة وميض البرق الخاطف، وحيث المبادئ مجرد عملة مزيفة يجري تداولها في سوق النخاسة السياسية، انفجرت أخيراً إحدى أكثر الفقاعات هشاشة في سماء المشهد المعتم. لم يعد الأمر مجرد تسريب معلومات أو تغريدة عابرة، بل تحول إلى بيان نوايا مدوٍّ، وإعلان حرب باردة بين قطبين ظلّا لسنوات يختبئان خلف ستار “التوافق الاستراتيجي”. إنه المشهد المهيب لانفصال “عبدالحميد الدبيبة”، رئيس حكومة انتهت ولايتها ولم تعترف بانتهائها، عن ظلّه السياسي الذي طالما تمدد تحت عباءة “المفتي المعزول” الصادق الغرياني، المنظر الأكبر لما يُعرف بتنظيم الإخوان في ليبيا.
ما حدث ليس مجرد خلاف عابر في وجهات النظر، بل هو اختراق عميق لجدار الصمت الذي أحاط بواحد من أكثر التآلفات ريبة في تاريخ ليبيا الحديث. إنها قصة “شهر عسل” سياسي بدأ بصفقات تحت الطاولة في دهاليز الفنادق الفاخرة، وانتهى بتوبيخ علني على منصة “التناصح”، التي تحولت من بوق دعائي للحكومة إلى منصة لتصفية الحسابات. وكما في كل قصص الحب السياسية الفاشلة، لا يوجد طرف بريء هنا؛ فالجميع متورطون في هذه الملحمة من النفاق والانتهازية، واليوم فقط تتكشف المستور بعد أن نضبت المنافع المتبادلة.
فصل الخطاب الأول: انقلاب المريض على من ينتظرون نعشه
لم يكن خطاب الدبيبة في منطقة “قصر الأخيار” مجرد زلة لسان عابرة، بل كان انزياحاً تكتونياً في خطابه السياسي. الرجل الذي طالما غض الطرف عن تغوّل الفكر الإخواني في مفاصل الدولة، والذي استند في جزء كبير من بقائه السياسي على دعم الغرياني الذي كان يمنحه “الغطاء الشرعي” و”الحشد الثوري”، يخرج اليوم ليقول إن “الإخوان لم يعد لهم فرصة”. يا لها من سخرية! الرجل الذي استفاد من شبكات التنظيم السريّة ومنابره الإعلامية لضرب خصومه في الشرق والجنوب، يكتشف فجأة أن “الأفكار المعلبة من الخارج” مرفوضة. أي كشف حساب متأخر هذا؟
اللحظة الأكثر دراماتيكية في مسرحية الدبيبة كانت باعترافه النووي بأن قادة في الجماعة تواصلوا مع عواصم إقليمية عندما اشتد عليه المرض، يخبرونهم باقتراب الأجل ويطرحون أنفسهم كبدلاء. هنا، لم يعد الدبيبة السياسي المحنك هو المتحدث، بل الرجل الذي اكتشف حجم المؤامرة التي كانت تحاك حول سريره وهو يصارع المرض. إنه مشهد كلاسيكي في أدبيات الانتهازية السياسية: تقدم طليعة “الرفاق” لتقسيم الغنائم قبل أن يلفظ الجسد أنفاسه الأخيرة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: ألم يكن يعرف الدبيبة طبيعة “رفاق” دربه هؤلاء؟ ألم يكن يدرك أن التنظيم الذي يبني استراتيجيته على “التقية” و”التمكين” لا يعرف الوفاء، بل يعرف فقط “المرحلة”؟ لقد راهن الدبيبة على ذئاب، وهو يعلم أنهم ذئاب، لكنه كان يظن نفسه المروض الأوحد. وها هو اليوم يكتشف بالصدفة أنه كان مجرد فريسة سمينة أجلت الذئاب التهامها حتى موعد العشاء المناسب.
استشهاده بسخريته منهم وهم يعدون العدة لخلافته يكشف هشاشة هذا التحالف الذي بني على تقاطع مصالح مؤقت، وليس على أي قناعة فكرية أو أخلاقية. فالدبيبة الذي لم يجد غضاضة في استقبال الغرياني في مكتبه، وفي إطلاق يده في مؤسسات الدولة الدينية والتعليمية، أصبح اليوم يتباكى على “التنظير السياسي” للأحزاب الإخوانية، وينذر بأن “الدولة ستكون متفرغة لهم”. إنها النهاية المتوقعة لزواج المصلحة، حيث يتحول العشاق إلى أعداء، ويكتشف كل طرف أن الآخر لم يكن سوى أداة قابلة للاستبدال في لحظة فارقة.
فصل التوبيخ الثاني: مفتي “التناصح” يضبط الإيقاع ويقرع جرس الإنذار
على الجانب الآخر من المشهد، ظهر المفتي المعزول الصادق الغرياني على قناة “التناصح”، وكأنه الأستاذ الذي يوبخ تلميذاً مشاغباً خرج عن النص المرسوم. لغته كانت مزيجاً فريداً من التهديد المبطن والحنان الأبوي المزيف. عندما يقول الغرياني إن ما صدر عن الدبيبة “غير مقبول على الشرفاء والأحرار الذين كانوا في صف الحكومة”، فهو لا يكتفي بالتوبيخ، بل يذكر الدبيبة بأن شرعيته الوحيدة المتبقية -وهي شرعية مزعومة بالأساس- مصدرها هؤلاء “الشرفاء والأحرار” الذين يقودهم الغرياني من خلف الستار. إنها رسالة واضحة: نحن من أوصلك إلى كرسي الوزارة، ونحن من أوصدنا الأبواب أمام خصومك، ونحن من نستطيع إسقاطك إذا ما نسيت نفسك.
يرد الغرياني على الدبيبة بذكاء ثعلب عجوز جرّب السياسة عقوداً، فيحاول تضييق دائرة الضرر بأسلوب “التقية” الاحترافي. يزعم أن الدبيبة “لم يقصد الجماعة”، بل كان يشير فقط إلى “المنشقين عن حزب العدالة والبناء”. يا لها من محاولة بائسة لترقيع فستان التحالف الممزق! فها هو المنظر الأكبر للإخوان يحاول أن يبتلع الإهانة العلنية ويبررها، ليس حباً في الدبيبة، بل خوفاً من انكشاف الوجه الحقيقي للجماعة أمام الشارع الليبي. فهو يدرك أن الدبيبة فضح اللعبة عن طريق الخطأ، والآن يسارع الغرياني لجمع أوراق اللعبة المبعثرة قبل أن يراها الجميع.
ثم يأتي الدرس الأهم في هذه السيمفونية: انتقاد الغرياني لاستخدام مصطلح “الإخوان”. هنا تكمن عبقريته الملتوية. فهو يعترف بطريقة غير مباشرة أن المصطلح “بات يساوي الإرهاب في الخطاب الأمني والإعلامي الدولي”. إنه اعتراف نادر ومذهل من رأس الهرم بأن التوصيف الذي يطلقه خصومهم قد أصبح سائداً لدرجة أن حليفهم الدبيبة قد وقع في “المصيدة الدلالية”. الغرياني لا يدافع عن الجماعة هنا بقدر ما يدافع عن “العلامة التجارية” التي تضررت. إنه يطالب الدبيبة بالاعتذار، ليس احتراماً لكرامة “الشرفاء والأحرار”، بل لإنقاذ ما تبقى من غطاء لفظي يمكن الاختباء خلفه. إنه يوبخه بقسوة لأن تعميمه أضر بصورتهم، وأثار حتى بعض مؤيدي الدبيبة في معاقلهم ضده، مما يعني أن “القطيع الانتخابي” قد يضطرب. إنها معركة على العقول والقلوب التي لم تعد مضمونة.
رثاء التحالف المشؤوم: حين يكتشف الذئاب بعضهم البعض
عند تحليل هذه الجولة من التراشق، يدرك المراقب أن ما يجري ليس انفصالاً أيديولوجياً، بل هو إعادة تموضع تكتيكي لمرحلة ما بعد الفشل. التحالف بين براغماتية الدبيبة المالية التي لا تعرف حدوداً، وأيديولوجيا الغرياني الشمولية التي تبرر كل الوسائل، كان محكوماً عليه بالانهيار منذ البداية. لقد كان تحالفاً قائماً على “تقاسم الكعكة”: الدبيبة يضمن تدفق الموارد المالية عبر حكومته ويرضي شهوة الإخوان في التغلغل داخل مفاصل الدولة المدنية والأمنية من خلال التعيينات الوهمية، بينما يوفر له الغرياني “الميليشيات الأيديولوجية” و”الغطاء الفقهي” الذي يحرم كل معارض له.
لكن هذه المنظومة كانت تحمل في داخلها بذور فنائها. فمشروع الإخوان في التمكين لا يقبل الشراكة، بل يقبل التبعية. إنهم يتعاملون مع الحلفاء كمراحل انتقالية نحو الحكم المطلق. لقد استُخدم الدبيبة كحصان طروادة، ليُفتح لهم الباب الذي أغلقه الليبيون في وجوههم عام 2014، وعندما شعروا بقوته المتنامية وحضوره الدولي، بدأوا يرتبون لمرحلة “ما بعد الدبيبة” سراً، كما اعترف هو بنفسه. لقد كانوا يعدون البديل، في انتظار أن يموت أو أن ينتهي سياسياً، لتقوم الجماعة بأسرع عملية “وراثة سياسية” في التاريخ.
من جهته، الدبيبة ليس ضحية أبرياء. لقد راهن على الإخوان كورقة ضغط، وظن أنه بذكائه المالي وعلاقاته المشبوهة يستطيع ترويضهم. استخدمهم لضرب الجيش الوطني، واستخدم خطابهم التحريضي لتخوين كل من يطالب بالانتخابات، تواطأ معهم في عرقلة المسار الدستوري حفاظاً على كرسيه. لقد كانا كيانين طفيليين يتغذيان على جسد الدولة الضعيف، واليوم يتقاتلان على من سيمتص الدماء المتبقية. فهل يعقل أن يندهش أحد من أن ثعبانين في جحر واحد سيلدغ أحدهما الآخر في نهاية المطاف؟ إنه صراع المصاصين، لا صراع المبادئ.
مشهدية ما بعد الطلاق: ثنائية العزلة والتخبط
اليوم، وبعد أن سقطت الأقنعة، يقف الطرفان في حالة من الارتباك الاستراتيجي. الدبيبة، الذي حرق مراكب عودته إلى الحاضنة الإخوانية، سيجد نفسه أكثر عزلة. لقد خسر الميليشيات المسلحة التي تدين بالولاء للتنظيم، وخسر المنابر الإعلامية التي كانت تغدق عليه بالمديح، وخسر “الفتوى الجاهزة” التي كانت تبطل أي مبادرة خصمه. سينكشف تماماً، وسيواجه الاستحقاق الدولي والمحلي دون درع بشري. انتقاده للإخوان لن يمنحه أي شرعية لدى خصومه الحقيقيين، أولئك الذين يعتبرونه امتداداً للفكر نفسه، لأنه تواطأ معه طويلاً. إنه كمن يحاول أن يقنع ضحاياه بأن الذئب الذي عضهم بالأمس لم يعد صديقه اليوم.
أما الغرياني وجماعته، فيعيشون لحظة انكشاف مضاعف. لقد أظهر هذا الحادث أن حليفهم الأقوى يستخدم ضدهم نفس المبادئ التي يستخدمونها ضد غيرهم. لقد أخذ الدبيبة ورقة “الإخوان والإرهاب” التي طالما اتهمهم بها خصومهم، وطبقها عليهم من الداخل. هذا يضعف الرواية الإخوانية التي تقول إنهم مستهدفون بسبب “مقاومتهم”. فها هو رجل من داخل “المعسكر” يصفهم بالانتهازية والسعي للسلطة على حساب الوطن. مطالبة الغرياني بالاعتذار هي علامة ضعف، وليست علامة قوة. إنه يدرك أن الأسطورة التي نسجها حول “الشرفاء والأحرار” بدأت تتآكل، وأن الدبيبة، العراف الذي أخرجوه من القمقم، قد يعضهم الآن.
شاهد على العصر: انقلاب أم استمرار للتمثيلية؟
في الختام، ليس أمام المراقب إلا أن يسأل: هل هذا الانقلاب اللفظي من الدبيبة على الإخوان هو بداية لتحول حقيقي في بنية الصراع الليبي، أم أنها مجرد فقاعة عاطفية في بحر راكد من المساومات التي لا تنتهي؟ السيناريو الأرجح، في هذه المسرحية الهزلية، أن ما نشهده هو مجرد “غضب عاشق”، وسرعان ما سيقوم الوسطاء بلملمة الجراح خلف الكواليس، وتذكير الطرفين بأن “الخطر المشترك” في الشرق لا يزال قائماً، وأن عراك الأحبة لا يفسد للود قضية.
لكن المؤكد أن هذه الواقعة سجلت نقطة سوداء في تاريخ هذا المحور. لقد كشف الدبيبة عن “عقلية الغدر” التي تحكم عمل الجماعة حتى تجاه أقرب الحلفاء، وكشف الغرياني عن حجم التناقض الذي يعيشه حين يدافع عن مصطلح يعترف بأن العالم يحمّله دلالات إرهابية. الثنائي أصبحا في موقف لا يُحسدان عليه: كلاهما منكشف، وكلاهما مهزوم أخلاقياً قبل السياسي. وكما يقول المثل الشعبي: “اللي تتجوزوه الفيران، يلعبوا في عشه النمس”. لقد فتح الدبيبة بيته للإخوان، ولا يحق له اليوم أن يبكي على قمحه الذي نهب، ولا على كرسيه الذي أرادوا الاستيلاء عليه. إنه ببساطة يحصد ما زرعه في تربة الخيانة والانتهازية، ويزرع شوكاً جديداً سيحصد دماً في مستقبل ليبيا المجهول.



