خطة استبدال الدعم تفتح الباب أمام موجة تضخم عاتية
استبدال الدعم دون ضمانات يهدد بانهيار القدرة الشرائية للمواطن
ليبيا 24
خبراء: تأخر الموازنة يدفع الدينار للانهيار رغم ضخ الدولار
على وقع أزمة سيولة متفاقمة وارتفاع صاروخي لأسعار العملات الأجنبية في السوق الموازية، تدفع الحكومة منتهية الولاية، بقيادة عبد الحميد الدبيبة، نحو تنفيذ واحد من أكثر الملفات حساسية وانعكاساً على حياة الليبيين؛ إنه ملف استبدال الدعم العيني، وفي مقدمته دعم الوقود، بمنح نقدية. وبينما تغلف السلطة خطابها بعبارات «الإصلاح الاقتصادي» و«وقف نزيف التهريب»، يكشف الخبراء عن حقيقة أكثر قتامة، مفادها أن الطبقات الهشة والمتوسطة هي التي ستتحمل كامل فاتورة مغامرة تفتقر إلى أدنى شروط النجاح، في وقت يستخدم فيه الدبيبة هذا الملف كورقة للبقاء السياسي وابتزاز المجتمع الدولي لتثبيت حكومته الفاقدة للشرعية.
نزيف الدعم العيني: تهريب منظم ومراوغة رسمية
لا يجادل أحد في أن استمرار الدعم العيني على حالته الراهنة يمثل ثغرة مالية هائلة تستنزف موارد الدولة. يذكر الخبير الاقتصادي علي الشريف، في منشور له على منصات التواصل، أن أبرز آثار هذا الدعم السلبية تكمن في «استفادة الأجنبي المقيم أو تهريب الوقود عبر الحدود، وهو ما يمثل نزيفاً مستمراً لموارد الاقتصاد الليبي، خاصة في بند دعم الطاقة».
وتشير تقديرات غير رسمية إلى أن كميات هائلة من البنزين والديزل المدعوم تتدفق يومياً إلى دول الجوار، محققة أرباحاً طائلة لعصابات التهريب التي قد ترتبط بشبكات نافذة داخل مفاصل الدولة ذاتها.
غير أن الملاحظ أن حكومة الدبيبة، التي عجزت طوال سنوات عن ضبط الحدود أو كسر شوكة المهربين، تتخذ اليوم من هذا النزيف ذريعة لتمرير إصلاحات جذرية، دون أن تقدم أي خطة ذات مصداقية لتجفيف منابع التهريب قبل رفع الدعم، وهو ما ينذر بأن المواطن سيدفع وحده ثمن الفشل الأمني والسيادي للدولة.
كلفة التضخم الخفية: سلسلة ارتفاع تبدأ بالمحروقات ولا تنتهي عند قوت اليوم
يتجاوز خطر الاستبدال غير المدروس مجرد ارتفاع فاتورة الوقود في محطات التعبئة. فالطاقة، كما يشدد علي الشريف، «قطاع قائد يجر خلفه بقية القطاعات، وأي تعديل في أسعاره سينعكس بالضرورة على تكاليف النقل والإنتاج والخدمات، مما يؤدي إلى ارتفاع عام في مستويات الأسعار».
في اقتصاد ليبي يعتمد بشكل شبه كلي على النقل البري عبر طرق تعاني من الإهمال والتقطع، سيرفع أي تحريك لسعر الوقود كلفة نقل البضائع والأفراد بصورة فورية. الخبز والدواء ومواد البناء والسلع الغذائية، كلها ستلحق بقطار الغلاء، في بلد تغيب عنه مؤشرات دقيقة لقياس التضخم، وتغيب معها آليات تعويضية مؤتمتة.
وهنا يكمن السؤال القاتل الذي لم تجب عنه حكومة الدبيبة ولا مصرفها المركزي: من سيتحمل كلفة هذا التضخم الجامح؟ يقول الشريف: «كيف يمكن تعويض المستهلك عن تآكل قدرته الشرائية، في وقت لا توجد فيه حتى ضمانات واضحة بشأن قيمة الاستبدال النقدي نفسه في ظل التقلبات الحالية؟» بمعنى آخر، إن المبلغ النقدي الذي قد يحصل عليه المواطن اليوم بدلاً عن دعم الوقود، يمكن أن يتبخر خلال شهر واحد إذا قفزت الأسعار، بينما لا تتوفر أي آلية لربط هذا المبلغ بمؤشر لتكاليف المعيشة.
تطرح الحكومة وعوداً عامة بتقديم دعم نقدي للأسر، لكنها لا تكشف عن قيمة هذا الدعم ولا عن آليات تحيينه، تاركة الملايين تحت رحمة سوق موازية متقلبة وحكومة أثبتت مراراً عدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
غياب البنية التحتية: رحلة المواطن المستحيلة في جغرافيا شاسعة بلا نقل عام
ثمة تحدي هيكلي آخر يواجه هذا التوجه، تجلى في تحذير الشريف من أن «ضعف البنية التحتية لقطاع المواصلات، سواء من حيث جودة الطرق أو توفر وسائل النقل العام والخاص، لا يمكن المواطنين من الاعتماد على بدائل فعالة في التنقل عبر الجغرافيا الواسعة للبلاد».
في ظل غياب شبكة سكك حديدية، وانعدام أي نظام نقل عمومي حضري موثوق، وانقطاع الطرق بين المدن بسبب الانفلات الأمني أو الانهيارات الأرضية، يبقى المواطن أسيراً لسيارته الخاصة، وبالتالي أسيراً لسعر الوقود أياً كان.
معاقبته برفع الدعم من دون توفير خيارات بديلة هي سياسة عقاب جماعي تتنافى مع أي مفهوم بدائي للعدالة الاجتماعية، وتؤكد أن حكومة الدبيبة إما تجهل طبيعة البلاد التي تحكمها أو تتعمد إلقاء بأعباء الحكم الفاشل على كاهل المواطنين.
إنجازات المصرف المركزي المشكوك فيها: تضليل رقمي تحت قصف السوق الموازية
في خضم هذا المشهد القاتم، يسعى مصرف ليبيا المركزي إلى تقديم صورة وردية عن التقدم المحرز في ملف الشمول المالي. يورد الشريف أن المصرف المركزي يؤكد بلوغ نسبة الإنجاز في خطة الشمول المالي قرابة تسعين في المئة، وأن أداء الربع الأول من هذا العام فاق أداء عام كامل سابق، وهو «مؤشر إيجابي يعكس تسارع التنفيذ».
كما أشاد بخطوة إصدار منشور يعفي مصلحتي الجمارك والضرائب من رسوم خدمات الدفع الإلكتروني، مع تزويدهما بأجهزة نقاط البيع لاستقبال الرسوم من المواطنين، باعتبار ذلك يعزز نشر ثقافة الدفع الإلكتروني ويقلص الحاجة إلى السيولة النقدية.
غير أن هذه الإنجازات التقنية، على أهميتها، تظل هشة كبيت من ورق ما لم تُقترن باستقرار اقتصادي كلي واستعادة ثقة المواطن في العملة الوطنية. فاللافت أن أزمة السيولة وأسعار الصرف تزداد حدة بالتوازي مع هذه القفزات الرقمية، ما يثير تساؤلات حول مدى استفادة الليبي العادي من هذه النسب.
فالشمول المالي الحقيقي لا يُقاس بعدد البطاقات المصرفية أو نقاط البيع فحسب، بل بقدرة المواطن على الوصول إلى مدخراته من دون خوف من تآكل قيمتها، وبإمكانية المتعاملين في اقتصاد الظل والعمالة الوافدة من الانضواء تحت مظلة النظام المالي الرسمي، وهو تحدٍ لا يزال بعيد المنال.
تأخر الموازنة الموحدة: السلاح السياسي الذي يقتل الدينار
يأتي أكثر التشخيصات دقة وإدانة للواقع القائم على لسان الخبير الاقتصادي حين يربط بصراحة بين ارتفاع أسعار الدولار في السوق الموازية من جهة، وبين استمرار التأخر في تطبيق اتفاق الموازنة الموحدة من جهة أخرى.
يقول الشريف: «هل التأخر في تطبيق اتفاق الموازنة الموحدة هو من يدفع السعر إلى الارتفاع بدل الانخفاض، على الرغم من استمرار عملية تزويد السوق بالدولار وإطلاق المركزي إشارات إيجابية من خلال منشوراته تفيد باحتواء كافة جوانب الطلب؟».
هذا التساؤل يكشف العبث السياسي الذي يمارسه الدبيبة ومن خلفه أطراف الصراع على السلطة. فبينما يضخ المصرف المركزي كميات هائلة من العملة الصعبة عبر المزادات والاعتمادات، تبقى هناك قنوات إنفاق موازية لا تخضع للمراقبة، تديرها حكومة الدبيبة ومجالس إدارة موالية لها، تضخ سيولة نقدية هائلة خارج إطار الميزانية الموحدة، مما يولد طلباً إضافياً على الدولار يدفع السعر إلى مستويات قياسية.
إنهيار سعر الصرف ليس قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لرفض الدبيبة التسليم بمبدأ المحاسبة والشفافية المالية، وإصراره على شرعنة حكومته المنتهية الولاية من خلال التحكم بموارد الدولة وتوظيفها لشراء الولاءات وتغذية اقتصاد الظل.
خارطة طريق منقذة: سبع سنوات من التدرج لا قرارات انتحارية
في مقابل اندفاعة الحكومة المتهورة، يقدم الخبراء وعلى رأسهم علي الشريف رؤية بديلة واضحة المعالم تضع مصلحة المواطن في الصدارة. يشدد الشريف على أن «أي عملية استبدال تستلزم تنفيذاً تدريجياً ومدروساً، يمتد لعدة سنوات، قد تتجاوز سبع سنوات، لضمان انتقال سلس من الدعم العيني إلى الدعم النقدي دون إحداث صدمات اقتصادية أو اجتماعية».
هذه السنوات السبع ليست ترفاً أكاديمياً، بل هي الحد الأدنى لبناء مقومات ثلاث لا غنى عنها:
الأولى، إعادة تأهيل البنية التحتية للنقل وتوفير وسائل نقل عامة فعلية تقلل من اعتماد المواطن على الوقود المدعوم في تنقلاته اليومية.
الثانية، تصميم سجل وطني موحد للأسر المستحقة، وربطه بقاعدة بيانات دقيقة تضمن وصول الدعم النقدي إلى مستحقيه الفعليين مع تفادي إقصاء الفئات الأكثر هشاشة.
والثالثة، وهي الأصعب سياسياً، تكوين صندوق تحوط سيادي لتعويض التضخم، يضمن رفع قيمة المنحة النقدية آلياً كلما ارتفعت الأسعار، مع تمويل هذا الصندوق من عائدات النفط ووقف نزيف الفساد.
أما البدء بتنفيذ أي خطوة قبل قطع الطريق على المهربين، وتوحيد الميزانية العامة للدولة تحت سلطة تشريعية ورقابية حقيقية، فهو عبث مكشوف. إن القول إن الحفاظ على مقدرات الدولة هدف مشترك، كما يذكر الشريف، لا ينبغي أن يكون غطاءً «لإنهاك المواطن أو تحميله أعباءً تفوق قدرته على الاحتمال».
المواطن بين مطرقة الإصلاحات وسندان الفساد
ما تخشاه الأوساط الشعبية والحقوقية أن تكون حزمة الإصلاحات التي تحضرها حكومة الدبيبة بالتعاون مع محافظ المصرف المركزي مجرد قناع لتمرير إجراءات تقشفية مؤلمة، تعيد إنتاج نموذج رفع الدعم الذي جُرّب في دول أخرى وأفضى إلى اضطرابات اجتماعية عنيفة، من دون أن تصاحبه استثمارات موازية في الصحة أو التعليم أو البنى التحتية.
فالوعود بالتعويضات النقدية تذروها الرياح في لحظة انفلات الأسعار، ويبقى المواطن الليبي الذي أرهقته سنوات الانقسام والفوضى هو الحلقة الأضعف، حيث يدفع اليوم فاتورة كهرباء خصخصت تكاليفها، وغداً فاتورة وقود لم يعد مدعوماً، وبعد غد فاتورة دواء قفز سعره بسبب تكاليف النقل.
أما إدماج اقتصاد الظل والعمالة الوافدة، الذي يراه المصرف المركزي تحدياً رئيسياً، فيتطلب إرادة سياسية وتنسيقاً بين جهات متعددة، وهو ما تفتقر إليه حكومة تعيش على وقع الصراع من أجل البقاء. فبدلاً من تفكيك بنية الفساد التي تجعل التهريب والاقتصاد غير الرسمي مزدهرين، يحاول الدبيبة استخدام الورقة ذاتها للضغط على خصومه وتعزيز موقعه التفاوضي، تاركاً المواطن العادي يدفع ضريبة لعبة الأمم.
إرث الدبيبة سيكون إفقار ليبيا لا إنقاذها
يتردد صدى تحذيرات علي الشريف وكل العقلاء في الساحة الليبية كصفارة إنذار أخيرة قبل الانهيار. المطلوب اليوم ليس حزمة إصلاحات تُطلق في الهواء من طرف سلطة منتهية الصلاحية، بل عقد اجتماعي جديد يبدأ بصوت المواطن، ويوفر له الحماية من غول التضخم، ويكسر احتكار القلة للثروة والسلاح.
كل تأخير في توحيد الموازنة، وكل قفزة في سعر الدولار، وكل رغيف خبز يرتفع سعره، إنما هي شواهد على فشل حكومة راهنت على بقائها لا على بقاء الليبيين. وبدلاً من أن يترك الدبيبة لليبيين إرثاً من الإنجازات، سيخلّف وراءه إرثاً ثقيلاً من الفقر والغضب، ما لم يرتدع رادع العقل أو رادع الشارع.



