امغيب: تقارب واشنطن والقاهرة وأنقرة يفرض معادلة ليبية جديدة
امغيب: شرق ليبيا يتحرك اقتصادياً لكسر احتكار السلطة المنهكة
ليبيا 24
قال عضو مجلس النواب سعيد امغيب إن المشهد الليبي الراهن يمر بمنعطف نادر تلتقي عنده مصالح قوى دولية فاعلة مع حاجة الداخل إلى دولة قادرة على فرض الاستقرار، موضحاً في تحليل موسع أن مبادرة السلام الأميركية الجديدة تنفصل بشكل واضح عن سابقاتها بفعل تقاطع غير مسبوق للمصالح بين واشنطن والقاهرة وأنقرة حول الملف الليبي، وأشار إلى أن المعضلة الليبية لم تعد محصورة في هوية من يحكم، بل في هوية من يستطيع صنع الاستقرار ومنع انهيار الدولة بعد عقد ونيف من الفوضى والانقسام.
المبادرة المأزومة وفرص الاختراق
وأوضح امغيب مشيراً إلى أن المبادرة الأميركية تبدو أكثر جدية من مسارات الأمم المتحدة التي بقيت تدور في حلقة مفرغة من الحوار دون تنفيذ، مرجعاً ذلك إلى أن الأطراف الخارجية صارت أغلبها مقتنعة بأن الاستقرار في ليبيا لن يأتي عبر التسويات السياسية وحدها، بل عبر شخصية أو بنية تمتلك القوة والنفوذ والقدرة على فرض التوازنات في بلد أنهكته التشكيلات المسلحة وانتشار السلاح وتآكل هيبة المؤسسات.
وشدد على أن نجاح المبادرة مرتبط بوجود ضمانات وضغوط دولية حقيقية على المعرقلين، محذراً من أن أي اتفاق جديد دون إعادة هيكلة أمنية جذرية قد ينهار عند أول أزمة، واصفاً ملف التشكيلات المسلحة بأنه الأخطر في أي تسوية سياسية مقبلة، فحالة الانتظام الهش في غرب البلاد لا تتحقق إلا بتوازنات محسوبة داخل معسكرات الميليشيات المتناحرة، وهو ما يجعل السلام رهينة لحسابات ضيقة لا تمت لمفهوم الدولة بصلة.
واقع غرب ليبيا وحاضنة الفساد
رسم امغيب صورة قاتمة للوضع في العاصمة ومحيطها، معتبراً أن ليبيا تعاني خللاً بنيوياً واضحاً يتمثل في قوى غير منضبطة تتحكم في القرار، وشبكات فساد تستنزف الثروات والمقدرات، وعقلية مركزية نتنة تصر على احتكار السلطة والخدمات دون اعتبار لبقية المناطق.
وقال إن هذا الواقع لم ينتج دولة، بل أنتج أزمات متراكمة وانقساماً يزداد عمقاً يوماً بعد يوم، مضيفاً أن استمرار حالة الارتهان لقرارات تصدر من عاصمة تحكمها ما وصفها بعائلة الدبيبة الفاسدة والمرتهنة لميليشيات متناحرة، لم يعد مقبولاً ولا يمكن السكوت عنه.
وأشار إلى أن حكومة الدبيبة التي انتهت ولايتها الشرعية باتت تمثل، في نظره، أحد أكبر عوائق أي تسوية، لأنها تحولت إلى غطاء سياسي لاقتصاد مواز تديره مراكز نفوذ ضيقة تتحكم في الإنفاق العام وتوجه المناقصات والعقود نحو دوائر محسوبة بدقة، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين ما يُصرف من موارد وبين ما يصل إلى المواطن من خدمات، خصوصاً في إقليمي برقة وفزان اللذين ظلا خارج حسابات تلك المراكز إلا في حدود الاستهلاك السياسي الموسمي.
اقتصاد الشرق ومسارات موازية
في الشق الاقتصادي، توقف امغيب طويلاً عند اتفاق الانفاق العام الموحد الذي تم توقيعه برعاية المصرف المركزي وبحضور ممثل عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وممثل عن صندوق الإعمار، واعتبر أن هذا الاتفاق يمثل خطوة مفصلية في مسار توحيد الجهود الاقتصادية ودفع عجلة الإعمار في ليبيا.
وقال مؤكداً إن الاتفاق ليس مجرد إجراء إداري، بل رسالة واضحة بأن المؤسسات الوطنية قادرة على العمل المشترك عندما تتوفر الإرادة الحقيقية، وأن جهود المهندس بالقاسم حفتر رئيس صندوق الإعمار في توقيع هذا الاتفاق، كما ورد على لسان محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى، تعكس التزاماً صادقاً بالشفافية والحرص على حماية المال العام.
وأضاف أن تلك الخطوة تدحض بشكل عملي كل الادعاءات التي تحاول التشكيك في دور صندوق التنمية وإعادة الإعمار أو ربطه بالأزمات الاقتصادية مثل ارتفاع سعر صرف الدولار، معتبراً أن محاولات الزج باسم الصندوق في الصراع السياسي ليست سوى محاولة يائسة لحماية منظومة فساد في الغرب الليبي باتت مهددة بفعل ظهور مسار مالي وإداري منضبط قادر على إيصال مشاريع التنمية إلى المواطنين دون المرور ببوابات المحاصصة.
هيكلة الأمن ومعضلة الدولة العميقة
في تحليله للبعد الأمني، لفت امغيب إلى أن كثيراً من القوى الخارجية باتت تنظر إلى شخصية نائب القائد العام الفريق أول ركن صدام خليفة حفتر باعتباره الرجل القوي القادر على ضمان الاستقرار في منطقة تعيش على حافة الانفجار منذ أكثر من عقد، مرجعاً ذلك إلى إشرافه على ملفات حساسة من الأمن إلى التحركات العسكرية، ومن العلاقات القبلية إلى التنسيق مع قوى خارجية فاعلة، وقد استطاع إنجازها بكل اقتدار على حد وصفه.
وأوضح أن ما يميز الفريق صدام أنه ينتمي إلى جيل مختلف في أسلوب إدارة النفوذ، يتحرك بعقلية أمنية وسياسية أنتجت نتائج باهرة على الأرض، وهو ما يجعله أبرز المرشحين للعب دور أكبر في مستقبل ليبيا، سواء كقائد أمني نافذ أو كلاعب سياسي قد يتجاوز حدود الشرق والجنوب نحو المشهد الوطني بالكامل.
واعتبر امغيب أن أي اتفاق سياسي لا يعالج إشكالية وجود مليشيات عقائدية ومصالحية تتحكم في مفاصل الدولة غرباً سينهار عند أول اختبار جدي، مؤكداً أن حاضنة الفساد السياسي في طرابلس لا يمكن أن تنتج استقراراً ما لم تُفرض عليها معادلات جديدة تبدأ بإعادة هيكلة حقيقية للمشهد الأمني تزيح الميليشيات عن إدارة المرافق العامة والمؤسسات السيادية، وتقطع الطريق على اقتصاد الحرب القائم على التهريب والاتجار بالبشر والنفط غير المشروع.
بوصلة الجنوب بين الاستقرار والانجرار
أما في ما يخص الجنوب الليبي، فقد ذكّر امغيب بأن سكان فزان يعرفون جيداً معنى الفوضى، فقد مروا بسنوات صعبة من غياب الأمن وانتشار الجريمة والخوف والرعب ونقص الخدمات الأساسية والتهميش، واليوم ينعمون بالأمن والإعمار والتنمية وتحسن الخدمات وعودة الاستقرار بفضل القيادة العامة للجيش العربي الليبي.
وحذر من أن العودة إلى مربع الارتهان لقرارات مركزية معطلة خيار لن يجلب سوى المعاناة، داعياً سكان الجنوب إلى اختيار الحفاظ على الأمن والبناء بدلاً من الانجرار خلف دعوات لا تحمل لهم إلا العودة إلى دائرة الفوضى والتهميش التي تقودها، من وجهة نظره، سياسات المجلس الرئاسي وحكومة الدبيبة.
وأضاف أن استمرار تحرك عجلة الإعمار والتنمية وإدارة الموارد بشكل شفاف وعادل وكسر حالة الانتظار والارتهان لقرارات مركزية معطلة، لم يعد ترفاً سياسياً بل هو قضية بقاء واستقرار وكرامة معيشية، مشدداً على أن الحلول الواقعية تبدأ عندما تتحمل المناطق مسؤوليتها وتنتقل من رد الفعل إلى الفعل، ومن الانتظار إلى المبادرة.
رسائل دولية ومعادلات القوة
في قراءته للتحركات الدولية الأخيرة، قال امغيب إنها تعكس رغبة حقيقية في إنهاء حالة الانقسام الليبي، مستدركاً أن الرغبة وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإدراك أن السلطة في طرابلس بتركيبتها الحالية تمثل المشكلة لا الحل. وخلص إلى أن الليبيين يبحثون عن دولة، بينما يبحث العالم عن شريك قوي، وأن الأسماء التي كانت إلى وقت قريب على هامش المشهد تمر اليوم بمرحلة تحول جذري في موازين القوة داخل البلاد، في إشارة واضحة إلى صعود نجم قيادة الجيش في الشرق كمحور لا يمكن تجاوزه في أي معادلة سياسية قادمة.
خريطة الطريق الممكنة
اختتم امغيب تحليله بوضع تصور لخطوات عملية دعا إليها سكان برقة وكل من يطمح لحل حقيقي في فزان، تتضمن توفير الخدمات الأساسية للمواطن، واستمرار تحرك عجلة الإعمار والتنمية، وإدارة الموارد بشكل شفاف وعادل، وكسر حالة الانتظار والارتهان لقرارات مركزية معطلة. وشدد على أن المسألة لم تعد صراعاً سياسياً فقط، بل هي قضية بقاء واستقرار وكرامة معيشية، ولا يمكن أن تستمر المناطق رهينة لتعطل القرار في عاصمة وصفها بأنها محكومة بأجندات فاسدة ومتناحرة، وأن الوقت قد حان لانتزاع الحقوق بفعل لا برد الفعل.



