التشكيلات المسلحة وتعطيل قيام الدولة في ليبيا
إدريس احميد – ليبيا 24:
منذ اندلاع أحداث السابع عشر من فبراير عام 2011، دخلت ليبيا مرحلة شديدة التعقيد اتسمت بانتشار السلاح، وغياب مؤسسات الدولة، وتعدد القوى المسلحة، في ظل انهيار المنظومة الأمنية والعسكرية التي كانت قائمة قبل سقوط النظام السابق. فمع تصاعد المواجهات بين القوات المؤيدة للنظام وبين المدن والمجموعات التي خرجت ضده، انتشرت الأسلحة بشكل واسع بين مختلف الأطراف، وبدأت البلاد تدخل تدريجيًا في دوامة من العنف والانقسام وسفك الدم الليبي.
وبعد إعلان التحرير وسقوط النظام في 20 أكتوبر 2011، حاولت السلطات الانتقالية وضع أسس لبناء الدولة الجديدة، وكان من أبرز الخطوات التي اتخذها المكتب التنفيذي إصدار قرار بجمع السلاح وحل التشكيلات المسلحة. وقد استجاب عدد من الثوار لهذا القرار، وعادوا إلى حياتهم الطبيعية، إيمانًا منهم بأن مهمة الثورة انتهت، وأن المرحلة القادمة يجب أن تكون لبناء مؤسسات الدولة.
إلا أن مجموعات أخرى رفضت تسليم سلاحها، تحت شعار “حماية الثورة”، وهو ما فتح الباب أمام استمرار حالة التسلح خارج إطار الدولة. ومع إنشاء ما عُرف بـ”الدروع” التابعة لرئاسة الأركان، توسعت ظاهرة التشكيلات المسلحة، وأصبحت بعض المدن والمناطق تمتلك قوى عسكرية خاصة بها تحمل مسميات مختلفة مرتبطة بالثوار أو بالحماية الأمنية.
ومع مرور الوقت، لم يعد السلاح مجرد وسيلة للحماية، بل تحول إلى أداة نفوذ سياسي وعسكري، وبرزت جماعات متشددة ومتطرفة في عدد من المدن، مستفيدة من حالة الفراغ الأمني والانقسام السياسي. كما بدأت بعض التشكيلات المسلحة تتدخل بشكل مباشر في الحياة السياسية، خاصة خلال أول انتخابات شهدتها البلاد لاختيار المؤتمر الوطني العام عام 2012.
ويرى كثير من المتابعين أن بعض القوى المسلحة لعبت دورًا في التأثير على المشهد السياسي ونتائج الانتخابات، من خلال دعم أطراف سياسية معينة، وممارسة الضغوط على الخصوم، وهو ما ساهم في إضعاف التجربة الديمقراطية الناشئة، وأدى إلى تصاعد حالة الاستقطاب والانقسام داخل مؤسسات الدولة.
كما شهدت بعض المدن الليبية، ومن بينها طرابلس وبني وليد، أحداثًا دامية ومواجهات مسلحة خلّفت آثارًا إنسانية واجتماعية عميقة، وأسهمت في تعميق الانقسام بين الليبيين، في ظل غياب مؤسسات الدولة وانتشار السلاح خارج الأطر الرسمية. وقد أكدت تلك الأحداث أن معالجة الخلافات بالقوة والسلاح تؤدي غالبًا إلى تعقيد الأزمات وإطالة أمد الانقسام بدل الوصول إلى حلول وطنية شاملة.
وفي هذا السياق، فإن استحضار هذه المحطات يجب أن يتم بروح وطنية ومسؤولة، بعيدًا عن التحريض أو إعادة إنتاج الخلافات، خاصة في ظل الجهود المبذولة لتحقيق المصالحة الوطنية وإنهاء الأزمة الليبية.
ثم جاءت المرحلة الأخطر مع اندلاع القتال بين التشكيلات المسلحة داخل العاصمة طرابلس عام 2014، وهو الصراع الذي أدى إلى تدمير واسع للبنية التحتية، أبرزها حرق مطار طرابلس الدولي وتدمير عدد من الطائرات المدنية الحديثة، لتدخل البلاد بعدها مرحلة الانقسام المؤسساتي والسياسي الحاد.
وفي خضم هذه الفوضى، برز خطر الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية التي تمكنت من السيطرة على أجزاء واسعة من شرق البلاد، خاصة في مدينتي بنغازي ودرنة، مستفيدة من غياب مؤسسات الدولة وضعف الأجهزة الأمنية.
وقد شهدت مدينة بنغازي واحدة من أخطر موجات العنف في تاريخها، حيث تعرضت لسلسلة من التفجيرات والاغتيالات التي استهدفت رجال الجيش والشرطة، إضافة إلى القضاة والصحافيين والنشطاء والمثقفين، في محاولة لنشر الخوف وإسكات الأصوات الرافضة للتطرف والإرهاب.
ومع تصاعد الأزمة، ارتفعت أصوات أهالي بنغازي المطالبة بإنقاذ المدينة واستعادة الأمن والاستقرار. وفي هذا السياق، برز المشير خليفة حفتر، الذي أعلن انطلاق عملية عسكرية لمواجهة الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية، في وقت كانت فيه البلاد تعيش واحدة من أصعب مراحلها الأمنية والسياسية.
وقد خاضت القوات التابعة للقيادة العامة معارك طويلة وصعبة بإمكانيات محدودة وفي ظروف معقدة، إلا أن الدعم الشعبي والإصرار على مواجهة الإرهاب لعبا دورًا كبيرًا في استعادة السيطرة على بنغازي، ثم التوسع نحو مناطق أخرى في الشرق الليبي.
وامتدت العمليات العسكرية لاحقًا إلى الجنوب الشرقي والغربي، بهدف تأمين الحدود الجنوبية مع دول الجوار، ومكافحة شبكات التهريب والجماعات المسلحة، إضافة إلى حماية الحقول والموانئ النفطية باعتبارها شريان الاقتصاد الليبي.
كما شهدت مدينة سرت مواجهات ضد التنظيمات الإرهابية التي استغلت الفراغ الأمني للتمدد داخل المدينة، قبل أن تتم استعادة السيطرة عليها.
وبالتوازي مع الجانب الأمني والعسكري، اتجهت القيادة العامة نحو دعم مشاريع الإعمار وتحسين البنية التحتية في عدد من المدن الواقعة شرق البلاد وجنوبها ووسطها، في محاولة لإعادة الحياة الطبيعية وتعزيز الاستقرار في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
كما برز دور القيادة العامة في دعم مسار توحيد المؤسسة العسكرية، من خلال مشاركتها في أعمال اللجنة العسكرية المشتركة اللجنة العسكرية المشتركة 5+5، التي ضمت ممثلين عن المؤسسة العسكرية من مختلف الأطراف الليبية، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار، ومعالجة الملفات الأمنية والعسكرية، وتهيئة الظروف المناسبة للاستقرار.
وقد أصبحت القيادة العامة للقوات المسلحة أحد أبرز الأطراف المؤثرة في المعادلة الليبية، باعتبارها قوة فاعلة على الأرض، خاصة في ملفات مكافحة الإرهاب، وتأمين الحدود، والحد من الهجرة غير النظامية، إضافة إلى دعم المسار السياسي والدعوة إلى إجراء الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية.
كما تؤكد التطورات السياسية والأمنية أن نجاح أي تسوية في ليبيا يبقى مرتبطًا بشكل مباشر بتحقيق الاستقرار الأمني، وتوحيد المؤسسة العسكرية، وإنهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة الخارجة عن مؤسسات الدولة، بالتوازي مع المسار السياسي والدستوري.
ومن هنا، يرى كثير من المتابعين أن التركيز على توحيد المؤسسة العسكرية والمسار السياسي، رغم أهميته، لا يكفي وحده لإنهاء الأزمة الليبية بصورة شاملة، ما لم يترافق مع إطلاق مبادرة وطنية ودولية متكاملة تهدف إلى إنهاء ظاهرة السلاح خارج مؤسسات الدولة، ومعالجة ملف التشكيلات المسلحة بصورة واقعية ومسؤولة.
فالتجارب أثبتت أن الحلول الأمنية وحدها لا تكفي، بل إن نجاح أي مشروع للاستقرار يتطلب وضع برامج عملية لاستيعاب حاملي السلاح داخل المؤسسات العسكرية والأمنية الرسمية، وفق معايير مهنية وقانونية، إلى جانب العمل على إعادة تأهيلهم نفسيًا واجتماعيًا، خاصة بعد سنوات طويلة من الصراع والانقسام.
كما أن توفير الحوافز وفرص العمل والتدريب للشباب المنخرطين في التشكيلات المسلحة يمثل خطوة ضرورية لتحويلهم من أدوات للصراع إلى عناصر مساهمة في بناء الدولة والاستقرار. فالكثير من هؤلاء الشباب وجدوا أنفسهم في بيئة مضطربة غابت فيها مؤسسات الدولة وفرص التنمية، الأمر الذي جعل بعضهم عرضة للانخراط في الفوضى أو الأنشطة غير المشروعة.
ومن هنا، فإن إنهاء ظاهرة التشكيلات المسلحة يجب أن يكون جزءًا من مشروع وطني شامل يجمع بين الأمن والتنمية والمصالحة، ويستند إلى دعم دولي حقيقي يساهم في إعادة بناء المؤسسات، وتحقيق الاستقرار، وفتح المجال أمام مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا لليبيا.
لقد أثبتت التجربة الليبية خلال السنوات الماضية أن انتشار السلاح خارج إطار الدولة يمثل أحد أخطر التحديات التي واجهت البلاد منذ عام 2011. فقيام الدولة لا يمكن أن يتحقق في ظل تعدد مراكز القوة ووجود جماعات مسلحة تمتلك قرار الحرب والسلم بعيدًا عن مؤسسات الدولة الشرعية.
واليوم، وبعد أكثر من عقد على سقوط النظام السابق، تبدو ليبيا بحاجة إلى مشروع وطني جامع يقوم على توحيد المؤسسات، وحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء الانقسام، وتهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، بما يفتح الطريق أمام بناء دولة مستقرة قادرة على تحقيق الأمن والتنمية والاستقرار لكل الليبيين.



