«جحيم الأضاحي».. كيف تكشف أزمة العيد انهيار دولة الدبيبة والمنفي؟
التهريب يلتهم ثروة ليبيا الحيوانية وسط تخاذل المنفي والدبيبة
ليبيا 24
شلل حكومي يدفع أسعار الأضاحي للجنون والشارع الليبي يئن
على امتداد طريق أجدابيا – طبرق، حيث ينتصب أكبر سوق للمواشي في الشرق الليبي، لا يبدو المشهد قبل أيام من عيد الأضحى احتفالياً بقدر ما هو مرآة قاسية لانهيار الدولة.
حركة بيع وشراء نشطة، نعم، لكنها تخفي وراءها حسرة عارمة، وارتفاعاً جنونياً في الأسعار لم تشهده البلاد من قبل، وأحاديث متقطّعة لتجار ومربّين يائسين يرددون أن «الحكومة لم تقدم لنا شيئاً».
في ليبيا حكومة الدبيبة منتهية الولاية والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، لم يعد العيد مناسبة دينية واجتماعية فحسب، بل تحول إلى مختبر مكثف يكشف فشل المنظومة الحاكمة بأكملها، ويُسقط الأقنعة عن سياسات اقتصادية عشوائية، وفساد مستشرٍ، وتخلٍّ كامل عن مسؤولية حماية المواطن.
هذا التحقيق المبني على شهادات من الشارع الليبي، من مربين وتجار ومواطنين وخبراء، يروي قصة أضحية تحولت إلى سلعة نادرة في بلد يملك ثروة حيوانية هائلة، وكيف تحولت شعيرة دينية إلى عبء يثقل كاهل العائلات التي لم تعد قادرة على تأمين قوتها اليومي، وسط تراكم أزمات التهريب والأوبئة وانهيار الخدمات البيطرية وارتفاع الأعلاف، في وقت تنشغل فيه حكومة الأمر الواقع بتقاسم المغانم وإطالة أمد بقائها في السلطة.
قفزة الأسعار: من 1700 إلى 3600 دينار في أيام
تكشف بيانات «إدارة الثروة الحيوانية بالجبل الأخضر» والأسواق الموازية عن ارتفاع صاروخي لأسعار الأضاحي خلال أسبوع واحد فقط. ففي مستهل التعاملات، استقر سعر «الحوالة» عند نحو 1700 دينار، و«الحوليات» عند 1561 ديناراً، بينما بلغ «الحولي السقاط» 1900 دينار. لكن سرعان ما اشتعلت الأسعار، فقفز «الثني» إلى 2750 ديناراً مطلع الأسبوع، ثم واصل الصعود حتى بلغ 3600 دينار للرأس الواحد الخميس، فيما ترواحت أسعار «الحوالة» بين 2200 و2485 ديناراً.
وبينما انخفض سعر «الحوالة البيض» إلى 1400 دينار بسبب ضعف الإقبال، يبقى السؤال: كيف يمكن لعائلة ليبية متوسطة دخلها لا يتجاوز 1500 دينار شهرياً أن تدفع 3600 دينار ثمناً لأضحية؟
مدير إدارة الثروة الحيوانية صالح بومباركة حذر من أن الأسعار مرشحة لتتجاوز 4000 دينار بل ربما تصل إلى 7000 دينار إذا استمر التهريب بهذه الوتيرة. لكن ذلك التحذير الرسمي، الذي يبدو وكأنه استغاثة وليس بياناً حكومياً مطمئناً، يكشف بجلاء حجم التخبط.
التهريب إلى تونس: نزيف الثروة الحيوانية الليبية
لا يمكن فصل ارتفاع الأسعار عن عملية تهريب منظمة تنخر جسد الاقتصاد الوطني. أوضح بومباركة أن سعر الأضحية في تونس يبلغ نحو 3000 دينار تونسي، أي ما يعادل 9000 دينار ليبي تقريباً، ما يجعل تهريب الخراف الليبية عبر الحدود تجارة مربحة للغاية.
وأكد أن شبكات التهريب تنشط بلا رادع من الأجهزة الرسمية، في ظل غياب تنسيق أمني حقيقي، بل في ظل شكوك واسعة بتواطؤ جهات نافذة داخل أجهزة الدولة التي تديرها حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي معاً.
في مدينة زوارة والمنافذ الغربية، يروي تجار أن قوافل محملة بالأغنام تتسلل ليلاً إلى الأراضي التونسية، بينما يبقى المواطن الليبي يدفع الثمن مضاعفاً.
مصدر في الجمارك، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، قال: «نتلقى تعليمات شفهية بغض الطرف في بعض الأحيان، والأولوية لتأمين مصالح الكبار، بينما يدفع السوق المحلي الفاتورة». هذا التصريح، الذي لم تنفه أي جهة رسمية، يلخص مأساة السيادة المنتهكة والإرادة المنعدمة.
الأوبئة تضرب القطيع: الحمى القلاعية والجلد العقدي
إذا كان التهريب ينزف الثروة من الخارج، فإن الداخل يعاني من ضربات موجعة. تحدث مربون عن إصابات واسعة بالحمى القلاعية ومرض التهاب الجلد العقدي الذي أدى إلى نفوق أعداد كبيرة من الأبقار والأغنام.
يقول محمد الزروق، أحد مربي الأغنام في سهل بنغازي: «من أسبوعين، الكل على حسابه الخاص، والإصابات فجائية، والخسائر كبيرة. الدولة لم تقدم لقاحات ولا تعويضات. الأعلاف والأدوية أسعارها نار، ونحن ندفع الثمن وحدنا».
ويضيف تاجر آخر في سوق أجدابيا: «أسعار الأعلاف زادت عن السابق بشكل مجنون، ولا يوجد أي إقبال من المواطنين على الشراء. المواطن ما عادش قادر يوكل عياله، فكيف يشتري أضحية؟».
وتشهد العيادات البيطرية العامة نقصاً حاداً في الأدوية الأساسية، بينما ترفض حكومة الدبيبة تخصيص ميزانية طارئة لمواجهة الأوبئة، معتبرة أن صلاحياتها التسييرية لا تسمح بذلك، في تنصل معتاد من أي التزام تجاه الشعب.
هذه الأمراض لا تقتصر فقط على هلاك الماشية، بل تنعكس على نقص المعروض من اللحوم محلياً، وتدفع الأسعار إلى آفاق غير مسبوقة. وفي غياب برنامج تحصين وطني، يتحول كل موسم إلى مقامرة على حياة القطيع الوطني.
خطة الاستيراد الوهمية: 20 ألف رأس في بلد يحتاج 5 ملايين
أعلنت حكومة الدبيبة بضجيج إعلامي أنها بصدد استيراد كميات ضخمة من السلالات «الشامية» لتأمين احتياجات السوق والتخفيف عن المواطنين. إلا أن مصادر مطلعة في قطاع التجارة تؤكد أن الكميات المستوردة لم تتجاوز 20 ألف رأس فقط، بينما تؤكد تقديرات اتحاد المربين أن السوق الليبي يحتاج إلى ما لا يقل عن 5 ملايين رأس مستوردة إضافية لكسر الاحتكار وخفض الأسعار إلى النصف على الأقل.
ويشير تجار جملة إلى أن الاعتمادات المستندية التي فتحها المصرف المركزي لصالح شركات مقربة من السلطة ذهبت إلى استيراد شحنات محدودة، بينما استفادت منها أقلية لتعظيم أرباحها دون أن تصل إلى المواطن بأسعار مخفضة.
ويشكو المواطن عادل الفيتوري من سوق الكريمية في طرابلس: «قالوا لنا استيراد، قالوا لنا خروف شامي، لكن ما شفناش شي. اللي في السوق خروف بلدي سعره خيالي، والمستورد ما وصلش لنا».
في غضون ذلك، تتردد أحاديث عن تعثر شحنات في الموانئ بسبب إجراءات فساد ورشاوى، بينما يصر مسؤولون على أن «الحكومة تقدم الدعم المعنوي والتسهيلات».
أزمة الأعلاف والوقود: حلقة النار التي تلتهم المربين
لم تكن الأعلاف بمنأى عن الانهيار. يقول مصطفى بوشناف، صاحب أحد مصانع الأعلاف في منطقة تاورغاء، إن التغذية تمثل 70% من تكلفة إنتاج الدواجن والأغنام، وإن ارتفاع أسعار الحبوب عالمياً، مع صعوبة الاستيراد من أوكرانيا وروسيا بسبب الحرب، واللجوء القسري إلى أسواق أمريكا اللاتينية، أدى إلى ارتفاع تكاليف الشحن بواقع 80 دولاراً للطن.
ويضيف: «في السابق نستورد من تونس والطن نقل بـ60 دينار، اليوم بـ125 دينار، والنقل بين الشرق والغرب كان بـ30 دينار واليوم بـ70. من سيدفع هذا الفارق؟».
كما يعاني المصنعون من نقص وقود النافتا الضروري لتشغيل الغلايات والمولدات، وهو نقص مزمن تعجز حكومة الدبيبة عن حله رغم موارد النفط المهولة.
ويؤكد بوشناف أن هامش الربح في صناعة الأعلاف لا يتجاوز 4% إلى 5%، مستحيلاً أن يغطي تكاليف تشغيل مئات الملايين، وأي حديث عن جشع مصانع الأعلاف غير دقيق، بل إن المصانع هي المتضرر الأكبر. ويختم بقنوط: «المواطن يلومنا، لكن الحكومة هي التي تركتنا نواجه السوق العالمي دون حماية، ولا تفرض أي رقابة على الأسعار ولا تقدم دعماً مباشراً».
على الجانب الآخر، يعاني مربو الماشية من ارتفاع أسعار الأعلاف إلى درجة أن كثيراً منهم قلصوا قطعانهم أو توقفوا عن التربية. ويقول أحد المربين في الجبل الأخضر: «طلب الأعلاف قل بعد زيادة الأسعار، والسيولة ناقصة، والبنوك فاضية، والحكومة مش موجودة».
المواطن تحت الصفر: مرتبات لا تشتري خروفاً
في الشارع الليبي، الإحباط يتحول إلى غضب مكتوم. يتقاضى غالبية الموظفين العموميين ما بين 1500 و2000 دينار شهرياً، وهو مبلغ بالكاد يغطي إيجار مسكن وتكاليف غذاء أساسي، في حين تجاوز ثمن الأضحية الواحدة ثلاثة آلاف دينار.
وتنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات غاضبة تقول: «مرتب 1500 إلى 2000، لا تشتري أضحية هذا العام»، وأخرى: «ليش المصرف يعطيك سلفة لشراء أضحية وتخصم من مرتبك؟ ليبيا دولة غنية، المفروض كل ليبي يملك راتباً في الدولة يصرفوا له منحة 2000 دينار».
هذا الغضب الشعبي يترجم واقعاً مراً: المواطن يرى حكومة لا تعترف بأنها منتهية الولاية تتحكم في مقدراته، وتوزع الاعتمادات على المقربين، بينما تطلب منه الاستدانة ليؤدي شعيرة دينية أساسية.
«وينكم يا نواب؟ وينكم يا حكومات؟ فرحوا الشعب، خلو الواحد يتبحبب»، هكذا يصرخ أحد المواطنين في مقطع صوتي متداول، معبّراً عن إحساس جماعي بأن الدولة تخلت عن واجباتها تماماً.
مصرف الظل وقروض الإذلال: سلفة مقابل الذل
في محاولة لتخفيف الضغط الشعبي، أعلن مصرف ليبيا المركزي عن خطة لتقديم قروض حسنة لشراء الأضاحي عبر المصارف التجارية. لكن هذه الخطوة أثارت سخرية الشارع وغضبه.
يقول الناشط المدني هشام العباني: «عوضاً عن صرف منحة عيد حقيقية كما تفعل دول الخليج، يريدون إغراقنا بالديون. الأضحية تصبح عبئاً إضافياً وليس فرحة. هذا استخفاف بعقولنا».
ويرى مراقبون أن قروض شراء الأضاحي هي دليل آخر على عجز الحكومة عن إدارة الاقتصاد النقدي، إذ أنها بدلاً من أن تضخ سيولة مباشرة ترفع القوة الشرائية، تدفع المواطن إلى الاستدانة، في وقت تخصص فيه المليارات لدعم وقود يستفيد منه المهربون والشبكات غير القانونية. وفي ظل منظومة مصرفية مأزومة أصلاً ونقص حاد في السيولة النقدية، تبدو هذه المبادرة أقرب إلى «دعاية فارغة» منها إلى حل حقيقي.
رفع الجمارك 300%: القشة التي قصمت ظهر المستهلك
في خطوة أثارت عاصفة من الانتقادات، لوحت حكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي بقرار رفع الضريبة الجمركية بنسبة 300% على عدة سلع، بحجة حماية المنتج المحلي. غير أن التحليل الاقتصادي الأولي يظهر أن هذا القرار، إن طُبّق، سيكون بمثابة رصاصة الرحمة على القدرة الشرائية للمواطن.
فعلى الرغم من تحسن سعر صرف الدينار الليبي أمام الدولار بتدخلات مؤقتة من المركزي، إلا أن رفع الجمارك بهذه النسبة يلتهم أي مكسب محتمل. وتبعاً لخبراء، السعر النهائي لأي سلعة مستوردة يتكون من سعر الصرف + الرسوم الجمركية + تكاليف النقل + هوامش الربح. وعندما تقفز الرسوم الجمركية بمقدار 300%، فإن كلفة الأعلاف المستوردة، والأدوية البيطرية، ومعدات النقل، وحتى الأضاحي المستوردة سترتفع حتماً.
النتيجة: بقاء الأسعار مرتفعة أو حتى تصاعدها، في ضربة قاسية لمن ينتظر أن تُترجم قوة الدينار إلى انخفاض ملموس في الأسواق.
ويقول المحلل الاقتصادي محمد : «الإجراء يعكس تخبطاً وعشوائية. عوضاً عن ضبط التهريب وتوفير السلع بأسعار مدعومة، يلجأون إلى تعميق الجراح. هذه ليست سياسة دولة، بل قرارات انتقامية من المواطن».
مطالب الشارع: إسقاط الحكومة واستيراد فوري
أمام هذا المشهد المتردي، تتعالى أصوات من الشرق والغرب والجنوب تطالب بتدخل فوري يتجاوز الحلول الترقيعية. يطالب المربون بتفعيل صندوق تعويض المربين المتضررين من الأوبئة، وتوفير الأمصال بأسعار رمزية، وإحكام السيطرة على الحدود لوقف نزيف التهريب.
في المقابل، يلح المواطنون على ضرورة استيراد ما لا يقل عن 5 ملايين رأس من الأغنام الحية، تطرح في الأسواق بأسعار مدعومة مباشرة من خزينة الدولة، أسوة بما تفعله دول الجوار.
غير أن الثقة معدومة في قدرة الحكومة منتهية الولاية على فعل أي شيء من ذلك. «اللي يحكمونا ما همهومش غير كراسيهم»، تلخص أم محمد، وهي ربة بيت من مصراتة، شعور الشارع. وتضيف: «لا الدبيبة ولا المنفي قدروا يوقفوا التهريب ولا يوفروا علف رخيص. كل شيء غلي، والغلابة يدفعوا التمن».
ويرى مراقبون أن أزمة الأضاحي ليست سوى فصل جديد من فصول فشل الطبقة السياسية التي تقاسمت البلاد منذ اتفاق الصخيرات وما تلاه من حكومات هجينة. ويذكر تقرير سري مسرب من ديوان المحاسبة أن أموالاً طائلة رصدت لدعم الثروة الحيوانية في ميزانيات سابقة لكنها تبخرت في دهاليز الفساد، بينما لا يزال مرتكبو الإهمال في مناصبهم ينعمون بحماية ترتيبات أمنية مشبوهة.
وفيما تشير أصابع الاتهام إلى وزراء ومستشارين مقربين من الدبيبة يستفيدون من تجارة المواشي عبر شركات وهمية، يبقى المواطن العادي هو الضحية الدائمة.
أحد الناشطين كتب على صفحته: «ليبيا لا تختلف عن الفرن، من جهة يضاف الحطب وفي الأخرى يخرج اللهب. المركزي يمنح اعتمادات والمستورد يشتري الخروف بسعر الدولار 10 دنانير، والأضحية تباع بـ3600 دينار. نفس الحلقة، والشعب يحترق».
عيد بلا فرحة… والفشل عنوان المرحلة
مع اقتراب ساعات العيد، تتجه الأنظار إلى بيوت الليبيين التي ستبقى هادئة بلا تكبيرات أضاحٍ على كثير من عتباتها. في شوارع بنغازي وطرابلس وسبها، سيتذكر الناس كيف كانت الأعياد السابقة، قبل أن تتحول دولتهم إلى ساحة مفتوحة للفوضى والفساد. ستظل صورة سوق أجدابيا-طبرق عالقة: باعة يصرخون بأسعار خيالية، ومشترون يغادرون خائبين، وقطعان تنهكها الأمراض وتنتظر مصيرها إما إلى تونس أو إلى الذبح تحت وطأة جشع سلسلة وسطاء لا ترحم.
إن أزمة الأضاحي في ليبيا سنة 2026 ليست مجرد أزمة غلاء موسمي، إنها شاهد إدانة تاريخي على حكومة عبدالحميد الدبيبة ورئيس مجلسها الرئاسي محمد المنفي، اللذين أثبتا بما لا يدع مجالاً للشك أنهما غير قادرين، وغير راغبين، في حماية المواطن.
بين تهريب ينخر الثروة، وأوبئة تفتك بالقطيع، وفساد يلتهم المال العام، وقرارات جمركية عقابية، وقروض مهينة، لم يبق للمواطن إلا الأمل بأن يسقط هذا النظام المتهالك تحت أقدام المصلين وهم يكبرون في صباح العيد: «الله أكبر… الله أكبر… أين الدولة التي تحمينا؟».



