المجالس الاجتماعية في ليبيا: مرآة لعجز النخب السياسية ومأزق الدولة البديلة
هل تنقذ مجالس الحكماء ليبيا من فراغ الدولة؟
ليبيا 24
صعود المجالس الاجتماعية في ليبيا إدانة لفشل الأحزاب
في العاصمة طرابلس حيث المفاصل الحيوية للدولة، لم يعد المشهد مقصوراً على مبانٍ حكومية متآكلة وصراع حزبي هامشي. إذ باتت “المجالس الاجتماعية” ومجالس الحكماء والأعيان تنخرط في نسيج الحياة اليومية، تتولى مهمات كانت حتى الأمس القريب حكراً على وزارات وهيئات منتخبة.
هذا التمدد اللافت، الذي لم يعد محصوراً في الأرياف والمناطق القبلية بل تسلل إلى عمق المدن الكبرى، فتح باباً واسعاً لسؤال جوهري: هل صعود هذه المجالس دليل قاطع على فشل الأحزاب السياسية وأدوات المجتمع الأخرى؟ وهل يمكن لهذه الأجسام التقليدية أن تحمل على عاتقها حل الأزمة الليبية المزمنة؟ تكمن الإجابة في تشريح بنية المجتمع الليبي، وفهم طبيعة الفراغ الذي خلفته النخب السياسية، وإدراك الحدود الدقيقة بين الضامن الاجتماعي وكيان الدولة.
إرث المجتمع الأهلي وغياب التقليد الحزبي الراسخ
لفهم الظاهرة من جذورها، يجب العودة إلى حقيقة تاريخية كثيراً ما تُغفل في أدبيات التحليل السياسي الغربية: لم تعرف ليبيا، بالمعنى الدقيق للكلمة، تقاليد حزبية راسخة قبل منتصف القرن العشرين، وما نشأ بعد الاستقلال أو بعد عام ألفين وإحدى عشر كان في غالبه مستورداً أو نخبوياً لم يتجذر في العمق الاجتماعي.
ظل المكون القبلي والرابط الاجتماعي هو العمود الفقري للهوية والانتماء، وهو ما ظهر جلياً في حركات الجهاد ضد الاستعمار، حيث لم تتشكل تلك الحركات تحت راية حزب سياسي، بل انبثقت من رحم القبائل والمجالس التي كانت المظلة الاجتماعية وحزام الأمان.
لذا، حين نتحدث عن “عودة” المجالس الاجتماعية، فإننا نتحدث عن عودة البنية الأصيلة التي ظلت كامنة تحت سطح الدولة الحديثة. هذه المجالس ليست بدعة طارئة بل هي إعادة إنتاج لآلية ضبط اجتماعي قديمة، وجدت في انهيار مؤسسات ما بعد ألفين وإحدى عشر تربة خصبة للتمدد.
من هنا، فإن انتشارها لا يمكن اختزاله في مجرد رد فعل على فشل الأحزاب فقط، بل هو تعبير عن مرونة بنيوية لمجتمع وجد نفسه فجأة بلا دولة، فاستنجد بخريطته الجينية للحفاظ على الحد الأدنى من السلم الأهلي.
أحزاب ما بعد ألفين وإحدى عشر: اغتراب النخب واختراق الفراغ
بعد 2011، دخلت ليبيا مرحلة مخاض سياسي صاخب، تكاثرت فيها الأحزاب السياسية والكيانات المدنية. غير أن هذه المواليد الجديدة سرعان ما سقطت في فخ الاغتراب عن الواقع المعيش للمواطن.
فبدلاً من التحول إلى أدوات للتغلغل الأفقي في عمق المجتمع، تحولت أغلبها، كما يصف مراقبون ليبيون، إلى “نواد سياسية للتسلق” تدور في فلك مصالح ضيقة.
غياب الحماية الأمنية، وعدم قدرتها على تقديم برامج تنموية حقيقية، حوّلها إلى هياكل نخبوية منعزلة عن الشارع. فشلت هذه الأحزاب في بناء مشروع وطني جامع، وعجزت عن كسب ثقة المواطن الذي كان يبحث عن ملاذ يحميه من عنف الميليشيات وانهيار الخدمات.
وهكذا، خلقت فجوة ثقة عميقة استغلتها المجالس الاجتماعية لتعيد تعريف “الشرعية” بعيداً عن صناديق الاقتراع ودساتير مؤقتة.
وفق هذه القراءة، فإن ظهور المجالس ليس دليلاً على فشل الأحزاب فحسب، بل هو إدانة صريحة لنمط كامل من العمل السياسي الوليد.
إنه اعتراف حقيقي، وإن كان صامتاً، بغياب قيادات سياسية فاعلة ونخب قادرة على التعبير عن حاجات المدن الرئيسية. وهو خلل ثقافي وسياسي فادح ينبئ بأن الطبقة السياسية لم تستطع بعد فك شيفرة المجتمع الليبي، فتقدمت البنى التقليدية لملء كل فراغ تركته المؤسسات الرسمية.
المجالس الاجتماعية: من وساطة أهليّة إلى “سيادة مصغّرة”
في البداية، كانت أدوار هذه المجالس محصورة في الإصلاح الاجتماعي، وحل النزاعات العائلية والقبلية، وتقريب وجهات النظر. وهذا تحديداً ما يشير إليه أصوات ليبية عديدة ترى أن “الدور الطبيعي لهذه المجالس يظل اجتماعياً”. غير أن انهيار الدولة دفعها تدريجياً لتقمص أدوار أوسع.
في غياب القضاء الفاعل والأمن المركزي، تولت مجالس الحكماء مهمات إبرام الهدن وحقن الدماء، والتفاوض مع الجماعات المسلحة، وتوفير الحماية في أحيان كثيرة. لقد فرضت هذه المجالس نفسها كآلية بقاء عملية وحائط صد أخير، مستمدة شرعيتها من عقد اجتماعي تقليدي غير مكتوب، بعيداً عن أي إطار قانوني.
وقد اكتسب هذا التمدد بعداً إضافياً في طرابلس التي شهدت زحف تيارات وشخصيات من خارجها للسيطرة على مفاصلها، مما أثار شعوراً لدى السكان بتآكل “البيت الطرابلسي” أمام تيار قبلي وجهوي مسلح.
فكانت هذه المبادرات الاجتماعية، وفق متابعين، محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر تفعيل الحصن الأخير للهوية المجتمعية الضيقة في مواجهة اختراق خارجي. وهذا يؤكد أن المجالس تحولت، في بعض السياقات، إلى دروع هوياتية قبل أن تكون أدوات للدولة.
لكن هذا التحول نفسه هو مربط الفرس في الأزمة: فسرعان ما تخطى دورها الإصلاحي إلى محاولة التداخل في الشأن الإداري والقانوني. لقد بدأت بعض المجالس تمنح نفسها أدواراً تنفيذية وتشريعية غير منظمة، متجاوزة مهامها الأصلية، في مشهد يخلط بين “العقلاء” و”المسؤولين المنتخبين”.
وهنا يبرز قلق جوهري من أن تتحول هذه الأجسام إلى كيانات موازية تربك مؤسسات الدولة، وتكرس تعدد المرجعيات، وتقفز على مبدأ سيادة القانون.
الازدواجية القاتلة: صمّام أمان للانهيار… وحجر عثرة أمام الدولة
لا يمكن إنكار الوظيفة الحيوية التي أدتها المجالس الاجتماعية في إطفاء الحرائق وصون السلم الأهلي في أحلك اللحظات. في مجتمع مزقه الصراع وعجزت فيه منظمات المجتمع المدني الحديث عن التعامل مع بيئة أمنية مهتزة، مثلت هذه المجالس أداة وجودية للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.
بيد أن هذا الدور نفسه يحمل بذور مأزق استراتيجي. فالمجالس، بطبيعتها البنيوية، تبرع في هندسة التسويات العكسية وإبرام هدن قصيرة الأجل، لكنها لا تملك أي برامج اقتصادية أو رؤى حوكمة للمستقبل. وكما يقول مطلعون على الشأن الليبي “لا يمكن المراهنة عليها كقوى فاعلة في المستويات السياسية العليا”. فهي أصلح للوساطة منها لتولي حل الأزمة برمتها.
الأخطر من ذلك، أن الاعتماد المفرط على هذه المجالس يُنتج إشكاليات مزمنة. فهو أولاً يكرس نظام المحاصصة الجهوية والقبلية، ويحوّل الدولة من نظام مواطنة إلى ساحة لتفاوض المناطق والعائلات.
وثانياً، يجعل هذه المجالس عرضة للاختراق والتوظيف السياسي من أطراف الصراع، إذ تستطيع الجهات المتنفذة شراء الولاءات أو خلق مجالس صورية تدعم أجندتها.
وثالثاً، يضعف أي مسعى لبناء الدولة الحديثة، لأنه يرسخ فكرة أن العدالة والأمن يتحققان خارج أطر القانون الرسمي.
يرى فريق آخر أن المشكلة لا تكمن في المجالس أو الأحزاب بحد ذاتها، بل في الأشخاص الذين يمثلونها.
السؤال الذي يجب طرحه هو “هل من يمتلك زمام الأمور في هذه المجالس على قدر من المسؤولية والكفاءة والوطنية؟”. وبالفعل، تحمل هذه النقطة جزءاً مهماً من الحقيقة، إذ إن غياب معايير واضحة ودورات زمنية محددة لتمثيل المجالس يجعل من السهل تحويلها إلى منصات لمصالح ضيقة، مما يؤدي إلى فشلها هي الأخرى تماماً كما فشلت الأحزاب.
لقد “تورطت المجالس في السياسة” كما يقول مراقبون، وهو تورط أفرغها من دورها الاجتماعي وأضعف مصداقيتها.
هل تصلح المجالس الاجتماعية بديلاً لحل الأزمة؟ حدود الدور ومخاطر التمدد
الإجابة التي تجمع عليها التحليلات المتوازنة هي: لا، لا يمكن أن تُحل الأزمة الليبية عبر المجالس الاجتماعية وحدها. الطريق إلى حل مستدام يمر بالضرورة عبر بناء دولة مؤسسات حقيقية، واحتكار القانون للقوة، ووجود أحزاب وبرامج سياسية قادرة على إدارة الاختلاف وصناعة الاستقرار.
المجالس الاجتماعية، مهما بلغت فاعليتها، تبقى أجساماً لا تحمل صبغة رسمية، وتفتقر للمرجعية القانونية أو الإطار المنظم لعملها من حيث المهام والمسؤوليات والواجبات والحقوق. وما يصدر عنها يفتقد لقوة الإلزام، خصوصاً في المدن مختلطة الأصول والتركيبات. التعويل عليها كبديل سياسي لإنتاج دولة حديثة هو، بكل المقاييس، مأزق استراتيجي يعيد إنتاج الأزمة بدلاً من حلها.
غير أن الحقيقة المرة تقول أيضاً إن أي حل للأزمة لا يمكن أن يُصاغ بمعزل عنها. ففي بلد ما زالت فيه القبيلة والعائلة تشكلان البنية الأساسية للضامن الاجتماعي، ومع انعدام ثقة عميقة في العملية السياسية الرسمية، تشكل هذه المجالس لاعباً لا يمكن تجاوزه.
هي ليست بديلاً، لكنها ضرورية بصفتها ضامناً اجتماعياً وراعياً للمصالحة الوطنية. الفصل المنشود هنا هو ذلك القائم على معادلة دقيقة: أن تُترَك للمجالس الاجتماعية وظيفة المظلة الحمائية والإصلاح الاجتماعي وإبرام الهدن الضرورية، بينما تمنح إدارة الدولة ومؤسساتها السيادية إلى كتلة تكنوقراطية مهنية قادرة على التخطيط وبناء الاقتصاد وتطبيق القانون، بعيداً عن توازنات النفوذ القبلي والمناطقي الضيق.
نحو معادلة وطنية: الاستفادة من الشرعية الأهلية دون إجهاض المؤسسات
إن الحديث عن دور مستقبلي للمجالس في ليبيا يجب أن ينتقل من جدل “مع أو ضد” إلى ورشة هندسة دستورية واجتماعية تحدد فيها الاختصاصات بدقة. من الضروري ألا تتدخل المجالس في شؤون الدولة الرسمية الإدارية والقانونية، وألا تعبث باستقلالية القضاء.
أي دور يتجاوز هذا الحد سيكون حجر عثرة في طريق دولة القانون. وبدلاً من تشجيع تمددها العشوائي، ينبغي تقنين وجودها كجزء من المسار التصالحي، وإخضاعها لمدونات سلوك تحدد علاقتها بالإدارة المحلية.
يحذر خبراء من أن النمط الحالي، حيث تتصارع المال العام والنفوذ السياسي على الاستحواذ على هذه الأجسام “الهلامية”، يجعلها أداة لالتهام موارد الدولة عبر خلق ولاءات جديدة.
في هذا السياق، يكون انتشارها ليس استجابة لحاجة اجتماعية نبيلة فحسب، بل “طريقة إنفاق عام وتصرف بالمال” مغرية جداً لمن يسعون إلى تقويض المركزية لمصلحتهم. وعليه، أي مقاربة للحل يجب أن تقطع الطريق على هذا التوظيف من خلال الشفافية والفصل الحقيقي بين المال والنفوذ الاجتماعي غير الرسمي.
تظل التجربة الحزبية العربية، ومنها الليبية، فاشلة في اختبار بناء الدولة لأنها غالباً ما نقلت نماذج أجنبية دون تكييفها مع خصوصيات المجتمع.
لكن الحل لا يكمن في القفز إلى ما قبل الدولة، بل في الإصرار على بناء أحزاب حقيقية تستلهم روح التضامن الاجتماعي وتُدمجها في برامج عمل حديثة، وتقبل بآليات تداول السلطة بعيداً عن الإقصاء والتهميش.
المشهد الليبي لن يخرج من دوامته عبر انتظار طفرة سياسية، بل عبر عملية بطيئة تتصالح فيها النخبة مع المجتمع، وتعترف فيها المجالس بأن مستقبل أبنائها هو في المواطنة، لا في حماية القبيلة.
ما بين رماد المؤسسات وبقاء العقد الاجتماعي
ظاهرة انتشار المجالس الاجتماعية في المدن الليبية الرئيسية ليست مجرد مؤشر على أزمة، بل هي شهادة وفاة مؤقتة للطبقة السياسية كما عُرفت بعد ألفين وإحدى عشر. إنها دليل على فشل الأحزاب وأدوات المجتمع المدني في بناء الحضور والحماية، لكنها في الوقت نفسه مرآة لصلابة نسيج مجتمع رفض أن يموت في غياب الدولة.
هذه المجالس هي، كما يصفها متابعون، “إعادة تجميع للفرص الضائعة”، لكنها ليست الطريق إلى الاستقرار الدائم. رهان الحل يبقى على معادلة دقيقة: ضبط إيقاع هذه الأجسام التقليدية لتكون سنداً وليس بديلاً، بينما تمضي البلاد في طريق وعورة نحو بناء مؤسسات تحتكر القانون وتمنح المواطن هوية تتجاوز الدم والجغرافيا. إلى أن يتحقق ذلك، ستظل المجالس الاجتماعية بطلاً مأساوياً لمشهد لم يجد فيه الليبيون من يحميهم سوى أنفسهم.



