ليبيا

تحذير من وصول فاتورة المرتبات إلى 80 مليار دينار

استقرار سعر الصرف الليبي مرهون بتنسيق السياسات المالية والنقدية


ليبيا 24

في خضم مشهد اقتصادي ليبي مثقل بالتجاذبات المالية وانقسام أدوات إدارة الدولة، أطلق أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي الدكتور علي الشريف سلسلة من التصريحات التحذيرية حملت في طياتها مزيجاً من القراءة الفنية الباردة والتنبؤ الواقعي بمخاطر تنتظر الاقتصاد الوطني خلال الأشهر المقبلة. وجاءت التصريحات على خلفية تطورات متسارعة تتعلق بتوحيد الموازنة العامة وإجراءات المصرف المركزي الرامية إلى احتواء فجوة سعر الصرف، وسط أسئلة جوهرية حول قدرة المالية العامة على الصمود أمام صدمات أسواق الطاقة.

فاتورة المرتبات تلامس السقف الأعلى تاريخياً

بحسب تقديرات الشريف، من المتوقع أن يصل بند المرتبات وحده إلى 80 مليار دينار ليبي خلال الأشهر المقبلة، وهو مستوى غير مسبوق يحول هذا البند من مجرد التزام حكومي إلى خطر وجودي على التوازن المالي للدولة. ويرى أن هذا الرقم لم يعد بنداً قابلاً للاستيعاب بسهولة في موازنة تعتمد على إيرادات النفط بنسبة تكاد تكون مطلقة، مما يضع الحكومة أمام اختبار صعب يتمثل في مدى إمكانية تغطية هذه الالتزامات حتى قبل الحديث عن أي أبواب إنفاقية أخرى.
وتكمن خطورة هذا المسار، كما يشرح الشريف، في أن أية اهتزازة في أسعار النفط الخام دون مستوى 60 دولاراً للبرميل الواحد قد تدفع بالموازنة العامة إلى منطقة العجز الحاد الذي يصعب معه الوفاء بالمرتبات من دون اللجوء إلى اقتراض طارئ أو تآكل احتياطيات المصرف المركزي من النقد الأجنبي. وهذا السيناريو لم يعد احتمالاً نظرياً بعيداً في ظل التقلبات التي تشهدها أسواق الخام العالمية واتجاه الطلب العالمي نحو التباطؤ.

السيناريو الانكماشي ودعوة الاستباق المالي

لم يكتف أستاذ الاقتصاد برصد الخطر، بل دعا إلى إعادة هندسة أولويات الموازنة العامة وفق مبدأ الحيطة القصوى. ودعا الجهات المالية إلى اعتماد سياسة انكماشية واضحة في الأبواب غير المرتبة على التزامات ثابتة، أي خفض الإنفاق التشغيلي والاستثماري الثانوي بشكل استباقي لتكوين وسادة مالية تمتص الصدمات المتوقعة. هذه السياسة الانكماشية، كما يرى، ليست ترفاً أكاديمياً بل ضرورة ملحة لتفادي الوقوع في المحظور الذي يتمثل في عجز مزدوج: عجز في السيولة المحلية وعجز في القدرة على تأمين النقد الأجنبي للواردات الأساسية.
ويؤكد أن كل السيناريوهات يجب أن توضع على طاولة صنع القرار من الآن، وألا تنتظر السلطات المالية حتى تهبط الأسعار بالفعل لتبدأ في البحث عن حلول ترقيعية تزيد من حدة التقلبات وتعمق أزمة الثقة في العملة المحلية.

المصرف المركزي.. خطوة صغار التجار وتحديات الفجوة

في الجانب النقدي، يتحرك المصرف المركزي الليبي في مسار موازٍ عبر استراتيجية تهدف إلى تضييق الفجوة بين السعر الرسمي للدينار وسعره في السوق الموازية. وتتمثل إحدى أبرز هذه الخطوات في فتح منظومة صغار التجار التي كانت تمثل، بحسب توصيف الشريف، شريحة طلب كبيرة كانت تعمل خارج الإطار المصرفي الرسمي وتغذي السوق الموازية بضغط طلب متواصل على العملة الأجنبية.
ويرى المحلل أن لهذه الخطوة أثراً إيجابياً مرتقباً، شريطة أن يسير في مسار متوازٍ معها ضبط صارم للإنفاق العام والالتزام بتمويله وفق الآلية المتفق عليها سابقاً، والتي جرى التأكيد عليها خلال اجتماع الجمعة الماضية. وتقوم تلك الآلية على تمويل النفقات الحكومية من خلال مسار مصرفي واضح يمنع تسرب الطلب إلى السوق غير الرسمية ويدعم فعالية أدوات المركزي في إدارة سعر الصرف.

معادلة الاستقرار: لا حل نقدياً من دون انضباط مالي

غير أن التحذير الأبرز الذي أطلقه الشريف هو أن استقرار سعر الصرف لا يمكن أن يتحقق عبر أدوات المصرف المركزي وحدها، مهما بلغت قوتها التقنية وحجم تدخلاته في السوق. ففي غياب انضباط مالي حقيقي يلتزم باتفاق الموازنة الموحدة، تظل الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية قائمة، مما يرهق المركزي ويستنزف احتياطياته في سباق مستمر مع طلب متزايد على العملة الأجنبية يصعب كسبه.
ويشير إلى أن السياسة النقدية، بطبيعتها، لا تستطيع أن تعالج بمفردها اختلالات هيكلية ناتجة عن توسع مالي غير منضبط. وعندما يغيب التنسيق الفعلي بين وزارة المالية والمصرف المركزي، تصبح أي إجراءات نقدية محدودة الأثر، لأن ضخ النقد الأجنبي من دون قاعدة مالية متينة أشبه بصب الماء في إناء مثقوب.
ويضيف أن المسار الاقتصادي سيتجه حتماً نحو مؤشرات سلبية إذا لم يتم الالتزام باتفاق الموازنة الموحدة، لأن غياب الانضباط المالي يبدد أي جهود لتحقيق الاستقرار، ويُبقي الاقتصاد رهينة لتقلبات السوق الموازية ويقوض ثقة المواطن والمستثمر في العملة الوطنية.

الرقابة الإدارية بين التقارير والردع الغائب

على صعيد موازٍ، تطرق أستاذ الاقتصاد إلى الدور الذي تقوم به هيئة الرقابة الإدارية، مشيراً إلى أن عملها أصبح واضحاً من خلال التقارير المتلاحقة التي تصدرها منذ فترة. غير أنه فتح الباب أمام سؤال جوهري يتجاوز قيمة الإفصاح عن المخالفات إلى جوهر النتائج: هل انخفض حجم الفساد فعلياً بعد إصدار هذه التقارير؟ أم أن غياب الرادع القانوني الفاعل جعل من الفساد ظاهرة مستمرة تتفشى وينهب معها المال العام من دون عقاب رادع؟
هذه الإشكالية، بحسب المتابعين، تمثل أحد المعوقات الهيكلية للاقتصاد الليبي، إذ إن كشف الفساد من دون ملاحقة قضائية ومحاسبة حقيقية يحول التقارير إلى وثائق أرشيفية تفقد تأثيرها في ردع المخالفين، ويسهم في استمرار نهج الإفلات من العقاب الذي يزيد من كلفة الإصلاح الاقتصادي ويقوض ثقة الداخل والخارج في بيئة الأعمال.

الحكم على أرض الواقع وليس في البيانات

أنهى الشريف تصريحاته بالتأكيد على أن انعقاد الاجتماعات للتأكيد على الالتزام بالاتفاقات المالية يُعد خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنه حذر من أن الحكم الحقيقي لن يكون في لغة البيانات والتصريحات، بل في التطبيق على أرض الواقع خلال الأيام القادمة. فالنتائج هي المعيار الوحيد الذي سيُظهر مدى جدية التنفيذ، وأي تراخٍ في ضبط الإنفاق أو تنسيق السياسات ستكون له انعكاسات مباشرة على مستويات الأسعار وقيمة الدينار وثقة السوق.
في المحصلة، يرسم الدكتور علي الشريف صورة اقتصادية دقيقة الأبعاد، مفادها أن ليبيا تقف عند مفترق طرق بين الانضباط المالي والنقدي من جهة، والانزلاق نحو دوامة من الاختلالات التي يصعب احتواؤها من جهة أخرى. والفرصة لا تزال قائمة لإعادة ضبط الإيقاع المالي قبل أن يصل بند المرتبات إلى مستويات تتجاوز قدرة الدولة على الوفاء، وقبل أن تتحول فجوة سعر الصرف إلى شرخ يصعب ردمه بأدوات السياسة النقدية وحدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى