ليبيا

قطع الأشجار في مصراتة… غضب شعبي يتصاعد واتهامات للدبيبة بالعجز عن حماية البيئة

غضب بعد تحويل أشجار مصراتة المعمرة إلى فحم… جرافات تقتلع التاريخ الأخضر وسط صمت الدبيبة


ليبيا 24

مشهد الفاجعة الخضراء: مصراتة تفقد رئتيها

في مشهد يختزل مأساة البيئة، وثقت عدسات الهواتف المحمولة فصلاً جديداً من فصول العبث بالثروة الطبيعية، حيث ظهرت جرافات ثقيلة وهي تقتلع أشجاراً معمّرة من جذورها على الطريق الشرقي لمدينة مصراتة، في عملية وصفت بأنها إعدام جماعي لإرث بيئي ظل شاهداً على تحولات المكان لعقود طويلة.

المشاهد التي تسربت كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي، كشفت عن عشرات الجذوع المكدسة على قارعة الطريق، في انتظار تحويلها إلى فحم يستخدم في شواء أضاحي العيد، في صورة عبثية تختزل تناقضاً مريراً بين طقس احتفالي وتدمير متعمد للغطاء النباتي.

لم تكن الأشجار التي طالتها الفؤوس والمناشير مجرد نباتات عابرة على جانب طريق، بل كانت، بحسب شهادات سكان محليين، تشكل جزءاً من الذاكرة البصرية والوجدانية للمدينة، حيث أكد أحد المواطنين في مقطع فيديو أن عمر بعض هذه الأشجار يتجاوز المئة عام، مما يعني أنها زرعت في حقبة تاريخية سابقة على تأسيس الدولة الليبية الحديثة، لتبقى صامدة في وجه التغيرات المناخية القاسية، قبل أن تسقط في غضون ساعات تحت وطأة الجشع الآني.

غضب شعبي يتصاعد: منصات التواصل تشتعل

لم يمر هذا المشهد مرور الكرام، بل تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ما يشبه ساحة احتجاج افتراضية، حيث انهالت التعليقات المنددة بهذه الممارسات، معتبرين أن ما حدث ليس مجرد قطع أشجار، بل هو اعتداء صريح على الثروة البيئية للبلاد، وتخريب متعمد للطبيعة التي تعاني أصلاً من وطأة التصحر والجفاف.

المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم كان من بين أبرز الأصوات التي علت في وجه هذه الكارثة، حيث كتب في تدوينة لاقت تفاعلاً واسعاً: “الأشجار التي جرى قطعها تعد من أبرز معالم المدخل الشرقي لمدينة مصراتة، كانت تضفي جمالية خاصة على الطريق، ويستمتع المسافرون بالمرور بمحاذاتها منذ عشرات السنين”. وأضاف متسائلاً بنبرة غاضبة: “كيف سيتم تعويضها الآن؟ ومتى يتم التحرك لمحاسبة المخالفين؟”.

أما المدون عبد الكريم السبيعي فقد وصف المشهد بأنه “مؤلم” بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وكتب يقول: “الأشجار التي كانت تظلل الطريق وترافق المسافرين منذ عقود، تحولت اليوم إلى أكوام خشب بانتظار التفحيم”، مضيفاً أن ما يحدث “ليس مجرد قطع أشجار، بل خسارة جزء من ذاكرة المكان وجماله، وكارثة بيئية تحدث أمام أعين الجميع”.

الاقتصاد الأسود للفحم: تجارة الموت البطيء

تقف وراء هذه العمليات شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية غير المشروعة، حيث تحولت تجارة الفحم النباتي في ليبيا إلى ما يشبه الاقتصاد الأسود الذي ينمو في ظل غياب الدولة وهشاشة مؤسساتها الرقابية. فمع اقتراب مواسم الأعياد والمناسبات، يزداد الطلب على الفحم النباتي المستخدم في شواء الأضاحي والولائم، مما يخلق سوقاً سوداء تدر أرباحاً طائلة على حساب الثروة البيئية المتآكلة أصلاً.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن كيلوغراماً واحداً من الفحم النباتي عالي الجودة يمكن أن يباع بأسعار مرتفعة نسبياً في الأسواق الليبية، مما يجعل من عمليات قطع الأشجار وتحويلها إلى فحم نشاطاً مربحاً لمن يمارسونه، خاصة في ظل غياب أي عقوبات رادعة أو آليات رقابية فاعلة. وتتحول الأشجار المعمرة، التي تحتاج إلى عقود طويلة لتنمو وتكبر، إلى مجرد سلعة رخيصة تباع وتشترى في الأسواق، في معادلة اقتصادية مشوهة تختصر قيمة الطبيعة في بضع دنانير.

إن ما يزيد من خطورة هذا النشاط هو طابعه المنظم والعابر للمناطق، حيث لم تعد ظاهرة قطع الأشجار مقتصرة على منطقة بعينها، بل تحولت إلى ممارسة شائعة في العديد من المناطق الليبية، من الساحل إلى الجبل إلى الصحراء، مما ينذر بكارثة بيئية حقيقية إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه دون تدخل حاسم من الجهات المعنية.

انهيار المنظومة البيئية: غياب الدولة وصمت المؤسسات

لا يمكن فهم هذه الكارثة البيئية بمعزل عن السياق السياسي والإداري الذي تعيشه ليبيا منذ سنوات، حيث أدى الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار وتراجع هيبة الدولة إلى خلق فراغ رقابي وتنفيذي هائل، وجد فيه المخالفون والمتجاوزون ضالتهم لممارسة أنشطتهم التدميرية دون وازع من قانون أو رادع من سلطة.

لقد حذرت منظمات بيئية محلية في أكثر من مناسبة من تنامي ظاهرة قطع الأشجار وتحويلها إلى فحم، وطالبت بتفعيل دور الشرطة الزراعية وتشديد العقوبات على المخالفين، خاصة بعد تراجع نسبة المساحات الخضراء في ليبيا إلى مستويات مقلقة للغاية.
غير أن هذه التحذيرات ظلت حبيسة الأدراج، ولم تجد طريقها إلى التنفيذ في ظل حكومة عبدالحميد الدبيبة منتهية الولاية، التي تبدو عاجزة أو غير راغبة في التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة.

إن غياب الشرطة الزراعية عن المشهد في واقعة مصراتة يثير تساؤلات عميقة حول دور هذه المؤسسة ومدى فاعليتها في حماية ما تبقى من ثروة بيئية في البلاد.

فأين كانت هذه الأجهزة بينما كانت الجرافات تقتلع أشجاراً عمرها مئة عام؟ وأين اختفت الدوريات الرقابية بينما كانت شاحنات محملة بجذوع الأشجار تجوب الطرقات في وضح النهار؟ هذه الأسئلة المشروعة لا تجد حتى الآن إجابات شافية من الجهات المعنية، مما يعزز الانطباع السائد بوجود تواطؤ ضمني أو تقاعس متعمد يسمح باستمرار هذه الممارسات.

حكومة منتهية الولاية: فشل في حماية البيئة والثروة الوطنية

تبرز هذه الحادثة فشلاً مدوياً لحكومة عبدالحميد الدبيبة، التي لا تزال تتمسك بالسلطة رغم انتهاء ولايتها، في حماية الثروة البيئية للبلاد. فمنذ تولي هذه الحكومة مقاليد الأمور، تفاقمت الأزمات البيئية في ليبيا بشكل ملحوظ، وتراجعت قدرة الدولة على فرض القانون وحماية الموارد الطبيعية، لتتحول البيئة الليبية إلى ضحية جديدة من ضحايا الصراع على السلطة وتراجع دور المؤسسات.

إن المؤشرات البيئية في ليبيا ترسم صورة قاتمة للغاية، فالتصحر يلتهم مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية، والغطاء النباتي يتقلص عاماً بعد عام، والموارد المائية تتعرض لاستنزاف غير مسبوق، وفي خضم هذه الكوارث المتلاحقة، تأتي حادثة مصراتة لتؤكد أن الأمور تزداد سوءاً في ظل غياب الإرادة السياسية الحقيقية لوقف هذا النزيف البيئي.

لقد آن الأوان لتوجيه أسئلة حاسمة إلى حكومة الدبيبة حول استراتيجيتها البيئية، إذا كانت تمتلك واحدة أصلاً، فما هي الخطوات التي اتخذتها هذه الحكومة لوقف عمليات القطع الجائر للأشجار؟ وما هي الإجراءات التي نفذتها لحماية المحميات الطبيعية والمناطق الخضراء؟ وكيف تبرر صمت مؤسساتها إزاء ما حدث في مصراتة؟ إن غياب الإجابات الواضحة عن هذه الأسئلة ليس مجرد فشل إداري عابر، بل هو دليل دامغ على تخلي هذه الحكومة عن مسؤولياتها الأساسية في حماية ثروات البلاد الطبيعية.

شجرة الحياة في مواجهة الفأس: تاريخ من العبث البيئي

إن ما حدث في مصراتة ليس حادثة منعزلة، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الاعتداءات على البيئة الليبية، التي تحولت إلى مسرح للعبث والفوضى في ظل غياب الردع والمحاسبة. فمن قطع أشجار الزيتون المعمرة في الجبل الأخضر، إلى تجريف الغابات في مناطق الساحل، إلى تدمير المحميات الطبيعية في الصحراء، تتوالى فصول هذه المأساة البيئية دون أن يحرك المسؤولون ساكناً.

ويكشف تتبع تاريخ الاعتداءات على البيئة في ليبيا عن نمط متكرر من الإفلات من العقاب، حيث نادراً ما يخضع المتورطون في هذه الجرائم البيئية للمحاكمة، بل إن بعضهم يمارس نشاطه التدميري بشكل علني ودون أي خشية من الملاحقة القانونية. هذا الإفلات من العقاب خلق بيئة خصبة لاستمرار الانتهاكات وتوسعها، وجعل من حماية البيئة مهمة شبه مستحيلة في ظل المنظومة الحالية.

إن ما يزيد من خطورة الوضع هو الطابع غير القابل للتعويض عن هذه الخسائر، فالأشجار المعمرة التي قطعت في مصراتة كانت نتاج قرن كامل من النمو والصمود في وجه العوامل الطبيعية القاسية، واستبدالها بأشجار جديدة، حتى لو حدث، سيحتاج إلى عقود طويلة لاستعادة ما فقد من غطاء نباتي وجمال طبيعي. فما يدمر في يوم واحد يحتاج إلى عمر كامل لإعادة بنائه، وهذا ما يجعل هذه الجريمة مضاعفة في أثرها وتأثيرها.

الشرطة الزراعية: مؤسسة بلا أنياب

في قلب هذه الأزمة تقف مؤسسة الشرطة الزراعية، التي يفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن الثروة النباتية والحيوانية في ليبيا. غير أن واقع هذه المؤسسة يكشف عن حالة من العجز الشديد والترهل الإداري، جعلتها عاجزة عن أداء مهامها الأساسية في حماية البيئة.

تشير تقارير متطابقة إلى أن الشرطة الزراعية تعاني من نقص حاد في التجهيزات والموارد البشرية، فضلاً عن غياب التنسيق مع باقي الأجهزة الأمنية، مما يحول دون قيامها بدورها الرقابي والتفتيشي على الوجه المطلوب. كما أن تداخل الاختصاصات بين مختلف المؤسسات الحكومية يزيد من تعقيد المشهد، حيث تضيع المسؤوليات في متاهة البيروقراطية والصراعات الإدارية.

لقد حذرت منظمات المجتمع المدني مراراً من تداعيات هذا الوضع المتردي، وطالبت بإعادة هيكلة الشرطة الزراعية وتزويدها بالإمكانيات اللازمة لأداء مهامها، غير أن هذه المطالبات ظلت دون استجابة حقيقية من قبل حكومة الدبيبة، التي اكتفت بتقديم وعود لم تنفذ، وخطط لم تر النور. إن حادثة مصراتة تقدم دليلاً دامغاً على فشل هذه المؤسسة في حماية البيئة، وتطرح تساؤلات مشروعة حول جدوى استمرارها في ظل هذا الواقع المرير.

الأبعاد القانونية: جرائم بيئية بلا عقاب

ينص القانون الليبي على تجريم قطع الأشجار دون ترخيص، ويفرض عقوبات على المخالفين تشمل الغرامات المالية والسجن في بعض الحالات. غير أن الفجوة بين النصوص القانونية والواقع التطبيقي تظل واسعة للغاية، ففي الوقت الذي تملأ فيه القوانين والتشريعات الدفاتر والأدراج، تستمر الجرافات في عملها التدميري دون رادع.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه تطبيق القوانين البيئية في ليبيا لا يكمن في نقص التشريعات، بل في غياب الإرادة السياسية لتفعيل هذه القوانين وإنزال العقوبات بالمخالفين. فالقوانين موجودة على الورق، لكنها غائبة تماماً على أرض الواقع، مما يجعل منها مجرد حبر على ورق في مواجهة المصالح الاقتصادية الضيقة.

ويضاعف من هذا التحدي تعقيد الإجراءات القضائية وبطء عمليات التقاضي، حيث يمكن أن تستمر القضايا البيئية لسنوات دون الوصول إلى أحكام نهائية، مما يشجع المخالفين على التمادي في انتهاكاتهم. كما أن ضعف آليات الرقابة والتفتيش يجعل من الصعب ضبط المخالفين وتوثيق جرائمهم بالشكل القانوني المطلوب، مما يسهل عليهم الإفلات من العقاب.

التصحر الزاحف: ليبيا على حافة الهاوية البيئية

وفقاً لتقارير دولية، تصنف ليبيا ضمن الدول الأكثر عرضة لخطر التصحر، حيث تغطي الصحراء أكثر من 90 في المئة من مساحتها، ولا تتجاوز نسبة الأراضي الصالحة للزراعة 2 في المئة. وفي هذا السياق المقلق، تأتي عمليات قطع الأشجار لتضيف بعداً جديداً من أبعاد الكارثة البيئية التي تتهدد البلاد.

إن الأشجار في البيئة الليبية تؤدي وظائف حيوية تتجاوز قيمتها الجمالية والظلية، فهي تعمل كمصدات للرياح والعواصف الرملية، وتساهم في تثبيت التربة ومنع انجرافها، وتلعب دوراً مهماً في تنظيم دورة المياه والمناخ المحلي. وبالتالي، فإن فقدان هذه الأشجار لا يعني فقط خسارة جمالية، بل يمثل تهديداً جدياً للتوازن البيئي الهش أصلاً.

لقد حذر خبراء بيئيون من أن استمرار عمليات القطع الجائر للأشجار قد يؤدي إلى تفاقم ظاهرة التصحر وزيادة وتيرة العواصف الرملية والترابية، التي باتت تضرب المدن الليبية بشكل متكرر، مسببة أضراراً صحية واقتصادية جسيمة. كما أن فقدان الغطاء النباتي يقلل من قدرة التربة على امتصاص مياه الأمطار، مما يزيد من مخاطر الفيضانات والسيول التي شهدتها العديد من المناطق الليبية في السنوات الأخيرة.

صوت الشعب: غضب يتجاوز المنصات الافتراضية

لم يعد الغضب الشعبي إزاء تدمير البيئة مقتصراً على التدوينات والتغريدات في الفضاء الافتراضي، بل بدأ يتحول إلى حراك ملموس يطالب بالتغيير الحقيقي. فعلى إثر حادثة مصراتة، دعا نشطاء بيئيون إلى وقفات احتجاجية للمطالبة بحماية ما تبقى من الثروة النباتية، كما أطلقوا عرائض إلكترونية تطالب بفتح تحقيق عاجل في الواقعة ومحاسبة المتورطين.

وتكشف ردود الفعل الشعبية عن تحول لافت في الوعي البيئي لدى الليبيين، الذين بدأوا ينظرون إلى قضايا البيئة باعتبارها قضايا وجودية تمس حياتهم اليومية ومستقبل أبنائهم، وليس مجرد ترف فكري أو رفاهية يمكن تأجيلها إلى حين استقرار الأوضاع السياسية. وهذا التحول في الوعي يمثل بارقة أمل حقيقية في مجتمع طالما غابت عنه الأولويات البيئية.

إن القيمة الحقيقية للأشجار لا تقاس بالأمتار المكعبة من الخشب أو الأطنان من الفحم، بل تقاس بما تقدمه من خدمات بيئية وجمالية ووجدانية للأجيال المتعاقبة. وهذا ما عبر عنه المواطنون في تعليقاتهم على مقاطع الفيديو، حيث غلب على ردود أفعالهم الطابع الوجداني والحنين إلى ذكريات الطفولة والشباب التي ارتبطت بتلك الأشجار.

مسؤولية المجتمع الدولي: صمت مريب

على الرغم من فداحة الكارثة البيئية التي تتعرض لها ليبيا، إلا أن المجتمع الدولي يبدو غائباً تماماً عن المشهد، منشغلاً بقضايا سياسية وأمنية يتجاهل معها الأزمة البيئية المتفاقمة التي تهدد مستقبل البلاد والمنطقة بأسرها. فالمنظمات الدولية المعنية بالبيئة لم تصدر بيانات إدانة واضحة، والبعثة الأممية في ليبيا لم تدرج القضايا البيئية ضمن أولويات عملها، مما يعكس قصوراً في النظرة الدولية للأزمة الليبية.

إن غياب الضغط الدولي الفاعل على حكومة الدبيبة لتحسين أدائها البيئي يعد تقصيراً لا يمكن تبريره، خاصة في ظل تفاقم الأزمات البيئية في البلاد ووصولها إلى مستويات تنذر بكارثة وشيكة. فالمسؤولية الدولية عن حماية البيئة لا تتوقف عند حدود معينة، بل تمتد لتشمل كافة المناطق المهددة في العالم، وليبيا ليست استثناءً من هذه القاعدة.

لقد آن الأوان لتحرك جاد من جانب المنظمات الدولية والجهات المانحة لدعم جهود حماية البيئة في ليبيا، وتقديم المساعدة الفنية والمالية لتعزيز قدرات المؤسسات المعنية، والضغط على السلطات القائمة لتحمل مسؤولياتها في هذا الشأن. فبدون هذا التحرك، ستستمر الكارثة البيئية في التفاقم، وستضيع فرص الإنقاذ واحدة تلو الأخرى.

خارطة طريق للإنقاذ: ما يجب فعله الآن

في مواجهة هذه الكارثة البيئية المتفاقمة، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بالإدانة والاستنكار، بل بات من الضروري اتخاذ خطوات عملية وعاجلة لوقف النزيف البيئي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وتتمثل أولى هذه الخطوات في فرض رقابة صارمة على عمليات قطع الأشجار، وتفعيل دور الشرطة الزراعية والأجهزة الرقابية، وتشديد العقوبات على المخالفين لتكون رادعة بحق.

كما أن إطلاق حملات توعية شاملة بأهمية الحفاظ على البيئة ومخاطر قطع الأشجار، وإشراك منظمات المجتمع المدني والنشطاء البيئيين في جهود الحماية والرقابة، يمثل خطوة أساسية في الاتجاه الصحيح. فبدون وعي مجتمعي حقيقي بقيمة البيئة وأهمية الحفاظ عليها، ستظل كل الجهود الرسمية قاصرة ومحدودة الأثر.

وفي المدى الأبعد، لا بد من وضع استراتيجية وطنية شاملة للتنمية المستدامة تراعي التوازن بين المتطلبات الاقتصادية والضرورات البيئية، والعمل على استعادة الغطاء النباتي من خلال برامج تشجير واسعة النطاق تستخدم أنواعاً محلية مقاومة للجفاف. إن إنقاذ البيئة الليبية لم يعد ترفاً أو خياراً، بل أصبح ضرورة وجودية وواجباً وطنياً وأخلاقياً تجاه الأجيال الحالية والقادمة.

المحاسبة أولا: اختبار مصداقية السلطة

لا يمكن الحديث عن حلول مستقبلية دون البدء بخطوة أساسية ومحورية هي محاسبة المتورطين في جريمة مصراتة، فهذه المحاسبة تمثل اختباراً حقيقياً لمصداقية حكومة الدبيبة وجديتها في التعامل مع القضايا البيئية. فإذا كانت هذه الحكومة غير قادرة على حماية أشجار على قارعة طريق يمر بها المسؤولون يومياً، فكيف يمكن الوثوق بقدرتها على حماية ثروات ليبيا ومقدراتها؟

إن المواطن الليبي ينتظر أن يرى نتائج ملموسة على الأرض، تتمثل في تقديم المتورطين في هذه الجريمة البيئية إلى العدالة، وإعادة تأهيل المنطقة المتضررة، واتخاذ إجراءات وقائية تضمن عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات في المستقبل. فبدون هذه الخطوات الملموسة، ستظل كل الوعود الحكومية مجرد كلمات جوفاء تذروها الرياح.

إن ما حدث في مصراتة ليس مجرد حادثة قطع أشجار عابرة، بل هو جرس إنذار يدق بقوة محذراً من الكارثة البيئية التي تتهدد ليبيا بأسرها. والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل ستستجيب السلطات لهذا الإنذار وتتحرك لوقف النزيف البيئي، أم أن صمت المؤسسات وتقاعسها سيتواصلان، لتستمر المأساة ويتسع الخراب، وتضيع ثروات ليبيا الطبيعية وسط صراع المصالح الضيقة وغياب المسؤولية الوطنية؟

في نهاية المطاف، ستحكم الأجيال القادمة على هذه المرحلة من تاريخ ليبيا ليس بما وعد به المسؤولون، بل بما تركوه خلفهم من أراض خضراء أو صحارى جرداء، من أشجار باسقة أو جذوع محترقة، من بيئة مزدهرة أو خراب شامل. فالتاريخ البيئي لا يرحم، والأشجار التي تسقط اليوم ستظل شاهدة على فشلنا في حماية أغلى ما نملك: الحياة نفسها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى