ليبيا

بين لهيب الأزمة ونسيم الاستقرار: خريطة العطلة الصيفية ترسم وجهي ليبيا

تلاميذ ليبيا يلجؤون لدورات تقوية وذكاء اصطناعي في الصيف


ليبيا 24
طرابلس.. تباين خطط الأسر لاستثمار العطلة الصيفية بعد الامتحانات

طرابلس وبنغازي، ليبيا – مع إسدال ستائر العام الدراسي في ليبيا، لا تشير شهادة نهاية الموسم الدراسي إلى فترة راحة موحدة، بل تكشف عن شرخ عميق في نسيج البلاد. ففي الوقت الذي تعلن فيه الجهات التعليمية انتهاء الدراسة لصفوف المرحلة الأساسية، وتستعد فيه الأسر لاستقبال العطلة الصيفية، يتشكل مشهدان متناقضان يعكسان واقع ليبيا المنقسمة: غرب يغرق في تداعيات الاضطراب، وشرق يسير بخطى ثابتة نحو تنمية هادئة.
هذه ليست مجرد عطلة، إنها مرآة تعكس يوميات الليبيين، حيث تتحول الأسابيع المقبلة إلى اختبار حقيقي لجودة الحياة والأمان وفرص المستقبل.

طرابلس: هندسة الوقت في قلب العاصفة

في طرابلس، لا يُنظر إلى العطلة الصيفية كفسحة من الحرية بقدر ما يُنظر إليها كتحدٍّ لوجستي ونفسي. ففي حي زاوية الدهماني، يجلس (م.ع)، وهو موظف وولي أمر لثلاثة أطفال، محدقاً في إشعارات انقطاع التيار الكهربائي على هاتفه بينما يحاول وضع جدول لأبنائه.
يقول الرجل الذي فضّل عدم ذكر اسمه كاملاً لحساسية الوضع: “عطلتهم تبدأ براحة لا تقل عن أسبوعين، هذا أمر لا مفر منه بعد ضغط الامتحانات. لكنني أعرف أن أيام الراحة هذه ستنتهي سريعاً، وسنعود إلى واقع مختلف.”

واقع يصفه بأنه محاولة لترميم ما هدمته الأشهر الدراسية الماضية. يضيف: “لاحظت ضعفاً مقلقاً لدى أطفالي في الرياضيات واللغة الإنكليزية، ليس لعدم فهمهم، بل لعدم الأداء الصحيح للمدرسين.

معظم الحصص تحولت إلى مراجعات عشوائية أو غياب متكرر. أفكر جدياً في إلحاقهم بدروس تقوية خاصة، رغم أن الميزانية مرهقة، لكن ما البديل؟ أن يبقوا جالسين في البيت مع انقطاع الكهرباء لساعات؟” كلماته تختصر مأساة شريحة واسعة من أهالي طرابلس، حيث تدفع الاضطرابات السياسية المتكررة، وتحديداً الاشتباكات المسلحة المفاجئة التي شهدتها أحياء عدة في فترات سابقة، بالقطاع التعليمي العام إلى حافة الانهيار.
إضرابات المعلمين المتواصلة بسبب تأخر المرتبات وتآكل قيمتها في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة، حوّلت المدارس إلى مباني تفتقد الروح، تاركة الأسر تبحث عن حلول فردية في القطاع الخاص لتعويض الفاقد التعليمي.

على الجانب الآخر من المدينة، في حي تاجوراء، الذي يحمل في ذاكرته ندوب اشتباكات دامية، ثمة توجه مختلف لكنه لا يقل قلقاً. الطالبة فاطمة (15 سنة)، والتي انتهت لتوها من امتحانات الصف الثاني الإعدادي، تتحدث بوعي يفوق سنها: “قررت الاستمرار في دورة اللغة الإنكليزية بأحد المراكز الخاصة. ليس لأنني أحب اللغة فقط، بل لأنني رأيت شقيقي الأكبر الذي يدرس في الجامعة يعاني بشدة بسبب ضعف أساسياته.

هو درس في مدارس حكومية مثلي، والنتيجة كانت صادمة. لا أريد أن أكرر نفس المصير.” فاطمة تجسد جيلاً كاملاً يدرك أن النظام التعليمي الذي يفترض أن يحميه لم يعد قادراً على ذلك، فتتحمل الأسر أعباءً مالية إضافية، وتنفق من مدخراتها المرهقة أصلاً بفعل الغلاء وارتفاع سعر صرف الدينار، لشراء تعليم يفترض أن يكون مجانياً.

ولكن بعيداً عن المسار الأكاديمي الصرف، هناك من يختار ملاذاً روحياً ونفسياً. (ع.س)، وهو أب من المنطقة نفسها، قرر أن يعود أبناؤه إلى حلقات تحفيظ القرآن الكريم.
يقول بصوت تملؤه القناعة: “بدأوا العام الماضي، وهذه فرصة لمواصلة ما قطعوه. بالنسبة لي، الحلقة ليست مجرد مكان لحفظ الآيات، إنها بيئة أكثر انضباطاً من الشارع، وأكثر أمناً من ضياع الوقت في اللاشيء. في السابق، كنت أحرص على إرسالهم إلى قريتهم عند جدهم، بعيداً عن ضغط المدينة وعشوائيتها، لكن الظروف الأمنية على الطرقات أصبحت متقلبة، وأحياناً نشعر أن البقاء في البيت مع برنامج محدد هو الخيار الأسلم.”

وسط هذه الصورة القاتمة، يظهر بصيص من توجه جديد يتعلق بالمهارات التقنية. الطالب يونس (14 سنة)، والذي يدرس في الصف الأول الإعدادي، يرفض التفكير بالطريقة التقليدية.
يقول بحماس وهو يتصفح مواقع تعليمية على هاتفه: “أريد الالتحاق بدورة في أساسيات الحاسوب والذكاء الاصطناعي عبر منصة تعليمية محلية. كل أصدقائي يتحدثون عن البرمجة والعملات الرقمية، وأنا لا أريد أن أكون متخلفاً عنهم. المدرسة لا تعلمنا شيئاً عن هذا، لكن العالم يتغير.”

هذا التوجه نحو المهارات الرقمية في طرابلس ليس ظاهرة تكنولوجية بريئة بالكامل، بل هو رد فعل على اقتصاد حرب مشوه، يجد فيه الشباب فرصة للخروج من دائرة البطالة التي تتجاوز نسبتها الثلث، أو كسب عيش بالعمل الحر عبر الإنترنت هرباً من بيروقراطية مؤسسات دولة هشة ومتصارعة.

ومع ذلك، تبقى هذه الحلول الفردية استثناءً في بحر من التحديات الهيكلية. فوفقاً لمصادر تربوية محلية، طلبت عدم الكشف عن هويتها، فإن نصف المدارس في المنطقة الغربية تعاني من أضرار مادية متفاوتة، سواء من الإهمال أو من تحويل بعضها إلى مراكز إيواء مؤقتة أو تضررها من الاشتباكات المتقطعة التي تندلع بين الحين والآخر بين التشكيلات المسلحة المتنفذة.

بنغازي: حين تصبح العطلة استثماراً مؤسسياً

على بعد أكثر من ألف كيلومتر شرقاً، يرتسم مشهد مغاير تماماً. في مدن بنغازي والبيضاء ودرنة والمرج، لا يُنظر إلى العطلة الصيفية كعبء يجب تدبيره بقلق، بل كموسم تنموي وطني، تديره مؤسسات الدولة بخطط واضحة ودعم لوجستي محكم.

في أحد المقاهي المطلة على واجهة بنغازي البحرية المزدانة بمشاريع الإعمار، تجلس (أ.ف)، وهي معلمة في إحدى المدارس الثانوية، تتابع ابنها وهو يلتحق بمعسكر كشفي صباحي تنظمه مديرية الشباب والرياضة.
تقول، وقد بدا عليها الاطمئنان: “في الشرق، الاستقرار الأمني يُترجم إلى حياة طبيعية. لا نخاف على أطفالنا وهم يخرجون صباحاً. الحكومة الليبية هنا أطلقت برنامجاً صيفياً متكاملاً يشمل أنشطة رياضية وورشاً في الحاسوب والرسم، وكلها مجانية أو برسوم رمزية، وتحت إشراف رسمي. هذا هو الاستثمار الحقيقي في الأجيال.”

هذا المشهد تؤكده بيانات صادرة عن ديوان رئاسة الوزراء في الشرق، تشير إلى إطلاق مبادرة “صيف آمن.. جيل واعد” والتي تستهدف أكثر من خمسين ألف طالب في مختلف مناطق الشرق.

البرنامج لا يقتصر على الترفيه، بل يتضمن دورات تقوية حكومية مجانية في الرياضيات والعلوم تُعقد في المدارس التي خضعت لعمليات صيانة شاملة خلال العامين الماضيين.

المواطن (أ.ح)، ولي أمر من حي الليثي، يشيد بالنهج الحكومي: “ابني كان يعاني من ضعف في الفيزياء، لكنه الآن سيدرس في فصل صيفي مجاني بمدرسته التي تم تزويدها بمعامل حديثة. الدولة هنا تتحمل مسؤوليتها، لسنا مضطرين للبحث عن مراكز خاصة تبتز جيوبنا كما يحدث في الغرب.”

في درنة، المدينة التي تنهض من تحت الركام، اتخذت العطلة بعداً رمزياً أعمق. فقد أكملت الحكومة الليبية، بالتعاون مع صندوق إعادة الإعمار، ترميم أغلب المرافق التعليمية التي دمرها الإعصار. سلمى، طالبة في الصف السادس، تقول مبتسمة: “مدرستنا أصبحت أجمل من قبل. العطلة هنا سأقضيها في المركز الثقافي الذي افتتحوه، أتعلم الخياطة والفنون. أشعر أن مدينتنا تعود للحياة ونحن معها.

” تتدخل والدتها لتضيف: “الأمان هنا حقيقي، نستطيع الخروج في أي وقت. البلدية توزع جداول الأنشطة على البيوت، وهناك متابعة حقيقية من المسؤولين. لم نعد خائفين.”

المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم، يقدم قراءة تحليلية للفارق الجوهري بين المنطقتين. يقول: “ما يحدث في الشرق ليس مجرد استقرار عسكري، بل عملية بناء دولة من القاعدة إلى القمة.
الحكومة هنا لا تعلن عن خطط وتتركها، بل تنفذها عبر مؤسسات تعمل بانضباط. حين توفر الدولة الأمان والكهرباء بشكل شبه مستمر، وحين تدفع الرواتب بانتظام، يتحول المواطن من شخص يكافح للبقاء إلى شخص يخطط للمستقبل.
برامج العطلة الصيفية هذه جزء من استراتيجية لاستثمار رأس المال البشري، وهذا ما تفتقر إليه ترتيبات الغرب المؤقتة التي تستنزف الموارد في صراعات البقاء السياسي.”

الاستقرار الكهربائي، وهو ترف غائب في مدن الغرب التي تشهد ساعات ظلام طويلة يومياً، يُحدث فرقاً محورياً في جودة الحياة خلال العطلة.
ففي حين يضطر الطلبة في طرابلس لتنظيم وقتهم تبعاً لمزاج مولدات الكهرباء الخاصة، يمكن للعائلات في بنغازي أن تنعم بأمسيات صيفية في الحدائق العامة المفتوحة والمؤمّنة، أو أن يتابع أبناؤها دوراتهم التدريبية عبر الإنترنت من منازلهم دون انقطاع.
التخطيط العمراني الذي أعاد للواجهة البحرية رونقها وأزال أنقاض الحرب، خلق فضاءات عامة تستوعب طاقات الشباب، مما قلّص من جاذبية الشارع بسلبياته، وهي معضلة مزمنة تعاني منها مدن الغرب المزدحمة والمكتظة بسلاح الميليشيات.

وتؤكد مصادر حكومية في ديوان مجلس الوزراء بالشرق أن وزارة الداخلية بالتنسيق مع الغرف الأمنية المشتركة وضعت خطة أمنية خاصة بشهر رمضان الماضي وامتدت لتشمل موسم الصيف الحالي، تضمن تأمين المتنزهات والمرافق الترفيهية بشكل كامل.

هذا الحضور الأمني المؤسسي الناعم، والبعيد عن مظاهر الاستعراض المسلح، يخلق بيئة طاردة للجريمة ومشجعة على الحياة العامة. في المقابل، لا تزال العديد من أحياء طرابلس الكبرى تعيش تحت وطأة وجود تشكيلات مسلحة تجعل من أي تجمع عائلي هدفاً محتملاً للابتزاز أو الاشتباك، وتفرض واقعاً نفسياً خانقاً يدفع الكثير من الأسر إلى تفضيل “سجن البيت الاختياري” على المغامرة بالخروج.

المشهد الثقافي والاجتماعي: حاضر متعثر ومستقبل مرسوم

على الصعيد الثقافي، تتجسد الفجوة بشكل صارخ. في طرابلس، تتسم أغلب الفعاليات الثقافية الصيفية بأنها جهود فردية أو منبثقة عن مجتمع مدني يكافح من أجل التمويل والتصاريح في بيئة إدارية متعثرة.

مكتبات عامة أغلقت أبوابها، ودور عرض تحولت إلى مقرات أو مخازن. أما في الشرق، فالمشهد أكثر تنظيماً. أطلقت هيئة الثقافة والإعلام بالحكومة الليبية “مهرجان بنغازي الصيفي للكتاب” في نسخته الثالثة، بمشاركة دور نشر محلية وعربية، مع تخصيص أركان تفاعلية للأطفال وورش في الكتابة الإبداعية. هذا الحضور المؤسسي للثقافة ليس ترفاً، بل هو أداة لترسيخ الهوية وبناء السلام الاجتماعي، وهو مفهوم يبدو غائباً في غرب تعصف به الخطابات المتصارعة.

بالعودة إلى الأسر، فإن القرارات الفردية التي تُتخذ هذه الأيام داخل البيوت الليبية، من زاوية الدهماني إلى تاجوراء، ومن الليثي إلى درنة، ليست مجرد تفاصيل عائلية.

إنها ترجمة أمينة لواقع الحكم والسيطرة. فبينما يخطط ولي الأمر في طرابلس لاقتطاع جزء كبير من راتبه المنهك لدفع تكاليف دروس خصوصية، لتعويض ما لم تقدمه له الدولة، يتلقى ولي الأمر في بنغازي إشعاراً على هاتفه من مدرسة ابنه الحكومية بمواعيد الدورة الصيفية المجانية.

بينما تبحث أم في تاجوراء عن مركز إنترنت لا ينقطع التيار عنه ليتمكن ابنها من حضور دورة الذكاء الاصطناعي، يسير طفل في البيضاء نحو مركز تدريب حكومي حديث البنيان، واثقاً أنه سيجد كل ما يحتاجه.

في النهاية، لا يحتاج المراقب إلى بيانات معقدة ليفهم اتجاه الرياح. تكفي شهادة سيدة في عقدها الخامس من سوق الجمعة بطرابلس، وهي تمسك بيد حفيدها وتتأهب لقطع شارع مزدحم: “كل همي إن العداوات بين المجموعات المسلحة ما تتفجرش ونحن خارج البيت.
العطلة بالنسبة لي مش راحة، بل فترة قلق إضافية.” وعلى الجهة الأخرى، يردد عميد متقاعد في بنغازي، بينما يراقب حفيده وهو يلهو في حديقة عامة عند الغروب: “لأول مرة من سنين، أحس إننا في بلد له مستقبل. شوف التخطيط، شوف النظافة، شوف الأمان. هذا اللي كنا نحلم فيه.”

وهكذا، بينما تتجه بوصلة الغرب نحو إدارة الأزمات اليومية وترقيع ثقوب منظومة متآكلة، ترسم بوصلة الشرق مساراً نحو بناء الدولة من خلال الاستثمار في أكثر مواردها حيوية: الإنسان. العطلة الصيفية في ليبيا اليوم ليست مجرد استراحة، إنها فاصل زمني يكشف، بأوضح مما قد تفعله آلاف التقارير، إلى أين تسير كل شبر من هذه الأرض الممزقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى