أولويات استراتيجية.. ليبيا بين مسؤولية الداخل ودور الجوار
بقلم: إدريس أحميد
لم تعد الأزمة الليبية شأناً داخلياً محضاً، بل تحولت مع مرور السنوات إلى ملف إقليمي تتقاطع فيه المصالح الأمنية والسياسية والاقتصادية، خاصة بالنسبة لدول الجوار التي تدرك أن استقرار ليبيا ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية ترتبط بشكل مباشر بأمنها القومي واستقرارها الداخلي.
ومن هنا، فإن أي تحرك إقليمي تجاه ليبيا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد اهتمام دبلوماسي عابر، بل باعتباره إدراكاً لحقيقة مفادها أن استمرار الفوضى والانقسام داخل ليبيا ينعكس على كامل المنطقة، سواء من خلال التهديدات الأمنية، أو الهجرة غير النظامية، أو الجريمة المنظمة، أو حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والسياسي التي تتجاوز الحدود.
في تقديري، تبقى مصر من أكثر الدول انخراطاً في الملف الليبي، ليس فقط بحكم الجغرافيا، ولكن لأن استقرار ليبيا يمثل جزءاً من معادلة الأمن القومي المصري.
فالقاهرة تدرك أن أي انفلات أمني أو انهيار سياسي في ليبيا ستكون له تداعيات مباشرة على حدودها الغربية وعلى توازنات المنطقة ككل.
كما أن تونس، رغم تحدياتها الداخلية، ظلت تنظر إلى ليبيا بوصفها عمقاً اقتصادياً واجتماعياً وتاريخياً، حيث تربط البلدين علاقات متشابكة ومصالح متبادلة تجعل من استقرار ليبيا مصلحة تونسية مباشرة، إلى جانب حرصها التقليدي على دعم الحلول السياسية والحفاظ على وحدة الدولة الليبية.
أما الجزائر، بحكم موقعها الجغرافي وثقلها الإقليمي، فهي مطالبة بإدراك أن استقرار ليبيا ليس شأناً ليبياً داخلياً فقط، بل هو جزء من معادلة استقرار المنطقة بأكملها.
فالحدود الطويلة والمفتوحة، والتحديات الأمنية المتصاعدة في منطقة الساحل والصحراء، وانتشار الجماعات المسلحة وشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، كلها عوامل تجعل من الأمن الليبي جزءاً لا يتجزأ من الأمن الإقليمي المشترك.
ومن هذا المنطلق، فإن الجزائر مطالبة بقراءة المشهد الليبي من زاوية المصالح الأمنية المشتركة، مع تقدير الجهود التي تبذلها المؤسسات الأمنية والعسكرية الليبية، وفي مقدمتها القيادة العامة للجيش الليبي، التي لعبت خلال السنوات الماضية دوراً في تأمين مساحات واسعة من الحدود الجنوبية والشرقية، في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد، ومخاطر متزايدة تهدد المنطقة، خاصة مع هشاشة الأوضاع الأمنية في بعض دول الجوار ومنطقة الساحل.
إن تأمين الحدود الليبية الشاسعة لا يمثل مصلحة ليبية فقط، بل يصب في مصلحة دول الجوار كافة، بما فيها الجزائر، لأن أي اختراق أمني أو تمدد للجماعات المتطرفة أو شبكات الجريمة العابرة للحدود لن يتوقف عند الحدود الليبية، بل ستكون له انعكاسات مباشرة على كامل الإقليم.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس فقط دعم الحل السياسي، بل أيضاً تعزيز التنسيق الأمني الإقليمي، والنظر إلى استقرار ليبيا باعتباره ركيزة من ركائز الأمن الجماعي في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.
لكن، ورغم أهمية دور دول الجوار، فإن الحقيقة التي يجب الاعتراف بها هي أن الأزمة الليبية لا يمكن أن تُحل من الخارج فقط. فالدعم الإقليمي والدولي قد يساعد، لكنه لا يستطيع أن يصنع الاستقرار ما لم تتوفر إرادة ليبية حقيقية لإنهاء الانقسام، وتغليب المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة.
لقد بات واضحاً أن المسار الأمني يشكل المدخل الأساسي لأي حل سياسي، لأن الحديث عن انتخابات أو تسويات سياسية في ظل وجود السلاح المنفلت، وتعدد التشكيلات المسلحة، واستمرار الانقسام العسكري، سيظل حديثاً نظرياً أكثر منه واقعاً قابلاً للتنفيذ.
وما شهدته طرابلس في الفترات الأخيرة يؤكد أن الملف الأمني لا يزال يمثل التحدي الأكبر أمام أي استحقاق سياسي.
وفي الوقت ذاته، لا يمكن اختزال الأزمة في بعدها الأمني فقط، لأن المسار السياسي والاقتصادي لا يقلان أهمية.
فليبيا اليوم بحاجة إلى مؤسسات موحدة، وإدارة اقتصادية عادلة، وتوزيع متوازن للثروة، ومعالجة الاختلالات التي عمّقت الانقسام وأضعفت الدولة.
ومن المؤسف أن غياب التمثيل الليبي الموحد عن بعض الاجتماعات الإقليمية والدولية يعكس حجم الأزمة الداخلية، ويؤكد أن الانقسام لم يعد ينعكس على الداخل فقط، بل أصبح يؤثر حتى على صورة ليبيا وحضورها الخارجي، وهو ما يضعف الموقف الوطني ويمنح الآخرين مساحة أكبر للتأثير في الملف الليبي.
كما أن الأمم المتحدة، ومعها القوى الإقليمية والدولية، مطالبة اليوم بالانتقال من إدارة الأزمة إلى المساهمة الفعلية في حلها، عبر ممارسة دور أكثر جدية ووضوحاً، وتحديد الجهات التي تعرقل التسوية، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج المبادرات دون نتائج ملموسة.
في النهاية، أعتقد أن المشهد الليبي أصبح واضحاً في كثير من تفاصيله؛ فالأزمة لم تعد أزمة أفكار أو مبادرات، بل أزمة إرادة وتنفيذ.
والليبيون اليوم لا يبحثون عن شعارات جديدة، بل عن أمن واستقرار ومؤسسات دولة حقيقية، تنهي سنوات الانقسام وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها الدولة، لا الفوضى.
إن ليبيا تحتاج اليوم إلى توافق وطني حقيقي، وإلى دعم إقليمي مسؤول، وإلى إرادة دولية صادقة، لكن قبل كل ذلك تحتاج إلى قرار ليبي شجاع يضع الوطن فوق الجميع، لأن مطلب الليبيين الأول اليوم ليس سوى استعادة الأمن والاستقرار وبناء دولة قادرة على حماية حدودها، وصون سيادتها، وتحقيق تطلعات شعبها.



