في ظل انهيار الدولة.. خرائط الموت ترسمها الكوليرا من فوجا إلى كينشاسا
عجز الأدوية يفاقم مأساة السودان وأفريقيا تسجل الأسوأ
ليبيا 24
فوجا… صرخة في عمق السودان المنسي
في الزاوية النائية حيث تتلاشى حدود الدولة وتغيب الخدمات، تتحول مدينة فوجا الإدارية بولاية غرب كردفان إلى شاهد حي على مأساة إنسانية مركبة. لم يعد الموت هنا حدثاً عابراً، بل أصبح إيقاعاً يومياً ثقيلاً يخطف الأرواح بصمت. المشهد في هذه البقعة السودانية لا يحتمل التأويل؛ أكثر من خمسة وسبعين جثة تُلف وتُوارى الثرى، وأكثر من مئة وعشرين جسداً منهكاً يصارع سموماً تجتاح الأمعاء، في انهيار صحي تام يدفع ثمنه الفارون من جحيم الاقتتال إلى جحيم الوباء. العاملون في القطاع الصحي، أولئك الذين اختاروا البقاء في الخطوط الخلفية لجبهة الموت، يصفون بألم كيف تسللت العدوى من مركز فوجا لتتمدد كبقعة زيت داكنة نحو الكبرة والقصّة والرقيق، بل وتخطت الحدود الإدارية لتقرع أبواب منطقة الفردوس التابعة لمحلية لقاوة. إنها ديناميكية انتشار مرعبة تغذيها غياب مقومات الحياة الأساسية، حيث يتحول شح المحاليل الوريدية من أزمة لوجستية إلى حكم إعدام جماعي، وحيث يقف الأطباء مكتوفي الأيدي أمام مرضى يحتاجون إلى لترات من السوائل لإنقاذهم بينما لا يجدون سوى عبوات فارغة وضمائر مثقلة بالعجز.
النزوح كوقود للجائحة
لا يمكن قراءة كارثة فوجا بمعزل عن السياق الأوسع للحرب السودانية. فالمدينة التي كانت يوماً نقطة عبور هادئة، استحالت إلى ملاذ اضطراري لآلاف النازحين الفارين من أتون المعارك في مدينة النهود ومناطق أخرى. هؤلاء الفارون بحياتهم لم يجدوا في “مدينة الأمان” المزعومة سوى موت من نوع آخر. تكدس البشر في المدارس والمساجد ومراكز الإيواء المؤقتة، في غياب تام لأدنى اشتراطات الصرف الصحي، حول هذه الملاجئ إلى بؤر مثالية لتكاثر ضمات الكوليرا. في هذه البيئة الطاردة، حيث تختلط الفضلات البشرية بمصادر المياه المحدودة أصلاً، يجد الوباء ضالته المنشودة. لقد تحولت رحلة البحث عن الأمان من رصاص البنادق إلى مقامرة مع ميكروب فتاك لا يُرى بالعين المجردة. ومع انهيار المنظومة العلاجية، وجد السكان المحاصرون بين فكي الفقر والمرض أنفسهم مرغمين على العودة إلى غريزة البقاء البدائية، ملتجئين إلى الطب الشعبي وغليهات الأعشاب، في مشهد يعيد إنتاج مآسي العصور الوسطى في قلب القرن الحادي والعشرين، ليس خياراً، بل قدراً مفروضاً على من تخلت عنهم الدولة ونسيتهم الإنسانية. إن توسع نطاق الوباء من فوجا إلى أسواق القرى المجاورة ينذر بكارثة أوسع، فحركة التجارة والتنقل البشري اليومي تحول كل زائر للسوق إلى ناقل محتمل، في سلسلة انتقال لا نهائية تهدد بتحويل غرب كردفان بأكمله إلى منطقة موبوءة.
القارة العجوز… وباء يضرب في العمق
بينما تئن فوجا تحت وطأة الإهمال، تكشف بيانات المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض والوقاية منها عن حقيقة أكثر رعباً: القارة السمراء تعيش الآن أعنف موجة كوليرا منذ ربع قرن. إنه ليس تفشياً عادياً، بل زلزال صحي هائل تزيد أرقامه بنسبة الثلث عن إجمالي العام الماضي. قرابة ثلاثمائة ألف إصابة مؤكدة ومشتبه بها، وأكثر من سبعة آلاف روح أزهقت، هذه ليست مجرد إحصاءات جافة، بل هي شهادة إدانة لعقود من فشل سياسات المياه والصرف الصحي، ولسنوات من عدم الاستقرار السياسي الذي حول أنظمة الصحة في دول مثل أنغولا وبوروندي إلى هياكل هشة تنهار مع أول اختبار حقيقي. في هذه الدول، أدى النقص الحاد في المياه النقية، وهو أساس الحياة، إلى جعل مجرى الوباء سلساً كالماء الجاري، مما يؤكد المقولة البيولوجية القاسية بأن الكوليرا تزدهر حيث تموت البنية التحتية. في المقابل، يقدم الكونغو الديمقراطية، الذي بات تحت السيطرة، نموذجاً لضرورة التدخل المكثف، لكن التحذير الأكبر يظل موجهاً نحو المناطق الغارقة في الصراعات، حيث وصف المركز الأفريقي المشهد بدقة مرعبة: “العدوى تتفشى بسرعة البرق داخل المخيمات المكتظة التي تعاني نقصاً فادحاً في مرافق الصرف الصحي”. هذه الصورة المجازية القاسية تختزل العلاقة الطردية بين رصاصة الحرب وجرثومة الوباء، حيث يصبح الإنسان النازح هو الوقود الذي يشعل أفران الجائحة.
كينشاسا… موت الملائكة الصغار
في قلب المأساة الأفريقية، تبرز مأساة جمهورية الكونغو الديمقراطية كجرح غائر في جسد القارة. الأرقام الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) ترسم لوحة مرعبة: أسوأ تفشٍ منذ بداية الألفية، بأكثر من أربعة وستين ألف إصابة، واقتراب عدد الوفيات من ألف وتسعمائة. لكن خلف هذه الأرقام الكبيرة، تكمن مأساة أكثر خصوصية وإيلاماً: الأطفال يموتون بصمت. أربعة عشر ألفاً وثمانمائة طفل مصاب، وثلاثمائة وأربعون طفلاً فقدوا حياتهم. وفي حكاية دار الأيتام في كينشاسا، يتجسد المشهد الأكثر بشاعة؛ ستة عشر طفلاً من أصل اثنين وستين، كانوا قد فقدوا عائلاتهم من قبل، وجدوا أنفسهم وجهاً لوجه مع الموت في غضون أيام من وصول المياه الملوثة إلى الدار. إنها جريمة إنسانية مركبة حيث يضرب الوباء الفئات الأكثر ضعفاً وهشاشة. وتعطيل التعليم، الذي أشارت إليه المنظمة، هو وجه آخر للكارثة، فالمدرسة التي تغلق أبوابها أو تتحول إلى مشفى ميداني تعني جيلاً يُحرم من مستقبله. ومع امتداد المرض ليطال سبع عشرة مقاطعة من أصل ستة وعشرين، بما فيها العاصمة النابضة، يصبح واضحاً أن الهوة بين الحياة والموت في الكونغو لا تقاس بالمسافة الجغرافية، بل بالوصول إلى كوب ماء نظيف، وهو رفاهية لا يملكها سوى ثلاثة وأربعين في المائة من السكان، بينما يغرق خمسة عشر في المائة فقط في نعمة الصرف الصحي الأساسي، في أدنى معدلات القارة على الإطلاق. إنها أرقام تفضح انهيار العقد الاجتماعي في واحد من أغنى بلدان العالم بالموارد الطبيعية.
تشريح الجائحة بين الحرب والإهمال
على المستوى العالمي، تكشف بيانات منظمة الصحة العالمية، التي سجلت أكثر من خمسمائة وخمسة وستين ألف إصابة في اثنتين وثلاثين دولة خلال عشرة أشهر فقط، عن نمط جديد وقديم في آن واحد. الكوليرا، هذا المرض الذي ينتمي إلى قرون خلت في المخيلة الغربية، يعود اليوم كوحش كاسر، ليس فقط بسبب بكتيريته، بل بفعل الفشل البشري الممنهج. في السودان، كما في الكونغو، العامل المشترك هو الحرب التي تدمر أنابيب المياه قبل أن تدمر البيوت. لكن في حالات مثل السودان، يضاف إلى ذلك الغياب شبه الكامل للدولة المركزية، حيث تتحول المناطق الهامشية مثل فوجا إلى بقع عمياء لا تراها الخرطوم ولا المنظمات الدولية إلا بعد فوات الأوان. التوسع العمراني العشوائي، والنزوح الجماعي، وانهيار أنظمة المراقبة الوبائية، كلها عوامل تجعل من احتواء التفشي مهمة أشبه بمحاربة طواحين الهواء. وحين يضطر الأهالي، كما في فوجا، إلى ارتشاف الأعشاب بدل المحاليل الطبية، فإن ذلك لا يعكس فقط انهيار القطاع الصحي، بل يمثل عودة إلى زمن ما قبل الطب الحديث، حيث كان الإنسان أعزل تماماً أمام غضب الطبيعة. إن استمرار تسجيل الإصابات اليومية، والتحذيرات من امتداد الوباء عبر طرق التجارة والأسواق، يدق ناقوس الخطر بأن السودان الممزق يقف على حافة هاوية صحية قد تبتلع ما تبقى من بناه الاجتماعية.
بين النداء الإنساني وواجب الحماية
في خضم هذا المشهد القاتم، تتعالى صرخات الاستغاثة. مناشدة أهالي فوجا لوزارة الصحة الاتحادية والمنظمات الإنسانية والإقليمية والدولية ليست مجرد طلب للمساعدة، بل هي صرخة وجودية من أناس يرون الموت يحصد أبناءهم واحداً تلو الآخر. إنهم يطلبون التدخل العاجل، ليس كصدقة، بل كحق إنساني أساسي في الحياة. “التدخل العاجل” هنا يعني أكثر من مجرد إرسال شحنة أدوية؛ إنه يعني إنشاء مسارات آمنة للإمدادات الطبية عبر خطوط النزاع، ونشر كوادر صحية متخصصة، وإقامة مراكز متقدمة لمعالجة الجفاف قريبة من التجمعات السكانية. في السودان، حيث تحولت الجغرافيا السياسية إلى حقول ألغام، يصبح إيصال المحلول الوريدي لمريض في فوجا عملية لوجستية معقدة تتطلب تنسيقاً سياسياً وعسكرياً عالي المستوى. أما على الصعيد الأفريقي، فإن تحذيرات المركز الأفريقي لمكافحة الأمراض يجب أن تترجم إلى خطة عمل قارية طارئة. فما يحدث ليس مجرد أزمة صحية موسمية، بل هو نتيجة لتفكك بنيوي في أنظمة المياه والصرف الصحي، وهو تفكك تضاعف بفعل تغير المناخ الذي يزيد من الفيضانات وحالات الجفاف، وكلاهما يخلق ظروفاً مثالية لانتشار الكوليرا. النجاح النسبي في السيطرة على الوضع في الكونغو، والتحسن الملحوظ في جنوب السودان والصومال، يثبتان أن التدخل المنظم والفعال يمكن أن يحدث فرقاً، بشرط توفر الإرادة السياسية والموارد المالية. إن ترك مناطق مثل فوجا لمصيرها هو إعلان ضمني بأن حياة الإنسان في أطراف السودان أقل قيمة، وأن الجغرافيا يمكن أن تكون حكماً بالإعدام.
ما بعد الكارثة… نحو استجابة وجودية
إن أزمة الكوليرا المتفجرة من السودان إلى الكونغو ليست مجرد حالة طارئة عابرة، بل هي عرض لواقع مأساوي أعمق يتطلب إعادة تفكير جذرية في مفهوم الأمن الإنساني. ففي عالم تتسارع فيه وتيرة النزاعات والتغيرات المناخية، تصبح الكوليرا “سلاح الفقراء البيولوجي”، سلاحاً لا يحتاج إلى مختبرات متطورة، بل يحتاج فقط إلى صنبور ماء مكسور، وأنبوب صرف صحي متهالك، ودولة غائبة. في فوجا، يدفع النازحون ضريبة الحرب مضاعفة؛ مرة حين يفقدون بيوتهم، وأخرى حين يفقدون حياتهم في “الملاذ الآمن”. المأساة هنا ليست فقط في عدد الوفيات، بل في حقيقة أن كل وفاة من هذا القبيل يمكن منعها تماماً. إن توفر العلاج بسيط ورخيص: المياه النظيفة، وأملاح الإماهة الفموية، والمحاليل الوريدية للحالات المتوسطة والشديدة. لكن هذه البساطة تتحول إلى تعقيد قاتل حين تغيب الإرادة السياسية، وتنهار سلاسل الإمداد، وتصمت ضمائر العالم. الدروس المستفادة من جنوب السودان والصومال، حيث أدى التنسيق المبكر إلى تحسن نسبي، تؤكد أن الموت ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة لخيارات بشرية. إن الاستجابة لهذه الكارثة يجب أن تتجاوز منطق القوافل الطبية الطارئة، لتصل إلى إعادة بناء أنظمة المياه والصرف الصحي في مناطق النزاع، وتحصين المجتمعات النازحة ضد الأوبئة، وتحميل أطراف النزاع مسؤولية حماية المدنيين من الأمراض الفتاكة التي تزدهر في ظل حكم الرصاصة. إلى أن يحدث ذلك، ستظل أرواح سكان فوجا ودار الأيتام في كينشاسا وغيرها من البؤر المنسية، تتساقط كورقات شجر ذابلة، ضحية لماء يحمل الموت بدل الحياة. الكارثة ليست طبيعية، والحل ليس مستحيلاً، لكنه يتطلب إرادة تنظر إلى الإنسان، أي إنسان، على أنه جدير بالحياة.



