ليبيا

توصيات المصالحة تستند لحقوق الإنسان وتشرك كافة المكونات الليبية

اختتام الجلسة الرابعة يحيل مخرجات العدالة الانتقالية للأمم المتحدة

ليبيا 24

إعادة تعريف المصالحة في ليبيا: من شعارات النخب إلى صناديق التوصيات الأممية

في قاعة اجتماعات بطرابلس، حيث تختلط رائحة البحر بإرهاق سنوات من الانقسام، أنهت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا فصلاً جديداً من فصول الهندسة الاجتماعية الدقيقة.

اختتمت الخميس أعمال الجلسة الحضورية الرابعة لمسار المصالحة الوطنية وحقوق الإنسان، وهي ليست مجرد جولة حوار أخرى، بل محطة متقدمة في سباق محفوف بالمخاطر لإنتاج تسوية لا تكتفي بإسكات المدافع، بل تعيد تركيب النسيج الاجتماعي المنهك. التحركات التي جرت بين 18 و21 مايو الجاري، والتي أعلن عنها عضو المسار موسى ونتيتي، تكشف عن ورشة عمل منهكة سعت لتحويل المبادئ الأممية المجردة إلى خارطة طريق قابلة للتنفيذ على أرض الواقع الليبي المعقد.

تشريح الجلسة الرابعة: توصيات تخضع للمشرط الجراحي

لم تكن هذه الجلسة مناسبة خطابية، بل ورشة فنية بامتياز. وفقاً لتصريحات ونتيتي، تركزت النقاشات المكثفة على مراجعة وتنقيح التوصيات المتعلقة بالمصالحة الوطنية والمحلية والعدالة الانتقالية. هذه العملية، التي تشبه تدقيق الحسابات الختامية لشركة كبرى، هدفت إلى تقييم مبادرات المصالحة السابقة والحالية، وتفكيك أبرز التحديات التي حالت دون تنفيذها، قبل استكمال صياغة المخرجات النهائية.

التحول الجوهري في هذه الجولة هو الانتقال من مربع “ما يجب فعله” إلى “كيف يمكن إنجازه”. فالمشاركون لم يكتفوا برصد الإخفاقات التاريخية لاتفاقات الصلح التي انتهكت أو أهملت، بل سعوا إلى استخلاص الدروس المستفادة من مبادرات محلية ناجحة، محاولين عزلها عن السموم السياسية للأطراف المتصارعة على السلطة المركزية.

الوثيقة التي سترفع إلى البعثة الأممية لا تحمل وعوداً غامضة، بل تسعى إلى ترجمة مبادئ حقوق الإنسان إلى إجراءات ملموسة تراعي الخصوصية الليبية، وهو خط فاصل دقيق بين المعايير الدولية وهشاشة السياقات المحلية.

اقتصاد سياسي للمصالحة: إشراك من تم تغييبهم عمداً

في قلب المخرجات، ثمة إدراك متأخر بأن المصالحة التي تقودها النخب السياسية محكوم عليها بالفشل ما لم تُفك اشتباكاتها مع القاعدة المجتمعية. أكد ونتيتي أن النقاشات شددت على ضرورة إشراك المكونات الثقافية، والشباب، والنساء، والضحايا، والأشخاص ذوي الإعاقة.

هذا التعداد ليس من باب الرفاهية الحقوقية، بل هو اعتراف باقتصاد سياسي عنيف قائم على الإقصاء. فبدون إدماج الضحايا، تتحول العدالة الانتقالية إلى مجرد بند في مفاوضات تقاسم الموارد بين الميليشيات، وبدون إشراك الشباب، تظل التركيبة السكانية الغاضبة قنبلة موقوتة تهدد أي استقرار مستقبلي.

هذه الخطوة، إن نجحت، ستنقل ملف المصالحة من أروقة الفنادق المغلقة إلى الشارع، حيث تكمن الشرعية الحقيقية لأي عقد اجتماعي جديد.

العدالة الانتقالية: الحلقة الأضعف أمام التجاذبات الإقليمية

رغم التفاؤل الحذر الذي يغلف تصريحات المشاركين، إلا أن الطريق نحو ترسيخ أسس العدالة الانتقالية لا يزال مليئاً بالألغام. فليبيا ليست جزيرة منعزلة، وأي تقدم على هذا المسار يصطدم بجدار المصالح الإقليمية والدولية المتضاربة.

القوى الخارجية التي تستثمر في حالة اللادولة والانقسام تنظر بعين الريبة إلى أي مشروع يهدف إلى بناء مؤسسات موحدة وقضاء قادر على المساءلة. توصيات الجلسة الرابعة، التي ستحال إلى البعثة الأممية، ستواجه اختباراً حقيقياً في قدرتها على الصمود أمام ضغوط المفسدين الداخليين والرعاة الخارجيين الذين يفضلون الإفلات من العقاب على استقرار دائم. التحدي الأكبر لا يكمن في صياغة التوصيات، بل في انتزاع الإرادة السياسية لتنفيذها، في بلد تحولت فيه الدولة إلى غنيمة تتنازعها مراكز القوى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى