الاقتصاد السياسي للانهيار: كيف قاد الفساد وتشظي السياسات إلى معركة سعر الصرف
انهيار الريال يفضح غسيل الأموال وتحالف نقدي تجاري جديد
ليبيا 24
الفساد يستنزف العملة والمركزي يتحرك لضبط الاستيراد الموازي
في خضم الاضطراب المالي المزمن الذي يعصف بالبلاد، حيث بلغ سعر الصرف مستويات قياسية غير مسبوقة، تتعالى التحذيرات من نخبة الخبراء الاقتصاديين بشأن الخلل البنيوي الذي لم يعد مجرد أزمة سيولة عابرة، بل تحول إلى مرآة تعكس تعفناً عميقاً في بنية الاقتصاد السياسي.
ففي تحليل لاذع نشره الخبير الاقتصادي الدكتور علي الشريف، تتجسد الصورة الكاملة لأزمة مركبة يقف في مركزها الفساد المستشري واستنزاف المال العام، وهما بمثابة نزيف داخلي صامت أفضى إلى تآكل القيمة الحقيقية للعملة الوطنية. هذا التآكل لم يكن مجرد مؤشر في جداول الصيارفة، بل سرعان ما تسرب إلى جسد الحياة اليومية عبر ارتفاعات صاروخية في معدلات التضخم، التي فتكت بدورها بالقدرة الشرائية للمواطنين وحولت الدخول الحقيقية إلى ظلال هشة من قيمتها السابقة.
لم يتوقف الضرر عند حدود كبح الاستهلاك، بل امتد ليشوه أسواق الأصول التي شهدت فقاعات سعرية خطيرة.
ويصف الشريف هذه الظاهرة بأنها ارتفاعات وهمية لا تعكس قيمة الأصول الفعلية، بل هي نتيجة منطقية لتدافع رؤوس الأموال الهاربة من وحش التضخم نحو أي ملاذ آمن، في مشهد يذكر باقتصاديات الكازينو حيث الرهان على البقاء لا على النمو. والأخطر من ذلك هو تبلور ظاهرة النشاطات الاقتصادية الواسعة التي تفتقر إلى الجدوى الاقتصادية، وهي الشاشة المثالية التي تتخفى خلفها عمليات غسيل الأموال.
إن هذا القطاع الموازي، الذي تضخم بصورة مريبة خلال السنوات الأخيرة، لا يساهم في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بقدر ما يساهم في إرباك دورة المال وتوفير الوقود لاستمرار السوق السوداء للعملة.
وفي ظل ما أسماه الشريف بـ “حالة الشلل” التي تعاني منها الأدوات المحلية المعنية بكبح هذه الممارسات، تبدو المعركة ضد الفساد أشبه بحرب خاسرة ما لم يتم استحداث آليات سريعة وفعالة تخترق جدار الحصانة الذي يتمتع به الفاعلون الكبار في هذا الميدان.
تشريح سوق القطع المزدوجة وديناميكيات المراجحة القاتلة
في قلب المأزق النقدي تقع معضلة ازدواجية السوق، حيث يتسع الشرخ بين السعر الرسمي الذي يحاول المصرف المركزي الدفاع عنه بكل ثقله، وسعر السوق الموازي الذي يحلق بعيداً في فضاءات غير خاضعة للرقابة. هذه الفجوة السعرية ليست مجرد هامش ربح للمضاربين، بل هي نقطة الارتكاز التي يقوم عليها اقتصاد الريع الفاسد.
يطرح الشريف استراتيجية نقدية واضحة لمواجهة هذا التشوه، تتجاوز منطق “الجرعات” النقدية المتقطعة. فإصراره على “الاستمرار في ضخ الدولار عبر القنوات الرسمية دون ترك فجوات زمنية بين عمليات التزويد” يمثل نقلة نوعية من سياسة إدارة الأزمة إلى سياسة خنق المضاربة. إن أي توقف مؤقت في ضخ العملة الأجنبية، حتى لو كان لأسباب إجرائية، يُقرأ في السوق الموازية كإشارة ضعف، فيعيد المضاربون تسعير العملة على أساس الندرة المتوقعة لا الندرة الفعلية. إن الاستمرارية هنا ليست مجرد آلية تقنية، بل هي أداة نفسية تهدف إلى كسر ظهر توقعات السوق الصاعدة وحرمان المضاربين من لحظات المراجحة السعرية العنيفة التي يحققون فيها أرباحاً طائلة.
منظومة الاستيراد الموازية: ثغرة في جدار السياسة التجارية
بيد أن ضخ الدولار وحده يشبه محاولة ملء دلو مثقوب إذا لم يقترن بضوابط صارمة على جانب الطلب، وتحديداً الطلب القادم من بوابة التجارة الخارجية.
هنا تبرز معضلة تنامي الاستيراد خارج النظام المصرفي، والتي يعتبرها الشريف أحد أبرز أسباب الضغط الكارثي على العملة الأجنبية في السوق الموازية. هؤلاء المستوردون الذين يتجنبون القنوات الرسمية لا يخلقون طلباً إضافياً على الدولار في السوق السوداء فحسب، بل يفتحون الأبواب على مصراعيها لدخول سلع غير مطابقة للمواصفات المعتمدة، مما يوجه ضربة مزدوجة للاقتصاد؛ ضربة نقدية تتمثل في استنزاف العملة الصعبة، وأخرى إنتاجية عبر إغراق السوق بسلع رديئة تقتل الصناعة المحلية.
إن هذا الاستيراد الموازي ليس مجرد خطأ في التطبيق، بل هو بنية موازية قائمة بذاتها تزدهر في غياب التنسيق بين السلطة النقدية والسلطة التجارية. ولأول مرة، يبدو أن هناك تحركاً مؤسسياً جاداً يتجاوز البيانات الإنشائية، حيث تشير المعطيات إلى مراسلات صادرة اليوم عن المصرف المركزي وموجهة إلى وزارة الاقتصاد. هذه المراسلات، في جوهرها، هي محاولة لإعادة تركيب صلاحيات الدولة المتشظية ولم شمل السياسة التجارية مع النقدية في جبهة موحدة ضد الفوضى المستشرية على الحدود وفي الموانئ.
هندسة التنسيق المؤسسي واختبار المصداقية
إن الرهان الحقيقي للأيام القادمة يكمن في اختبار قدرة الحكومة على تحويل هذه المراسلات إلى فعل تنفيذي على الأرض. فالدعوة إلى “تعزيز أوجه التعاون والتنسيق المشترك” بين المصرف المركزي ووزارة الاقتصاد ليست ترفاً بيروقراطياً، بل هي ضرورة ملحة لضمان إحكام الرقابة على عمليات الاستيراد ومنع تسرب العملة الأجنبية.
إن غياب هذا التنسيق هو الذي خلق البيئة الحاضنة لظاهرة غسيل الأموال التي تحدث عنها الشريف، حيث يتم تمرير فوائت الاستيراد الوهمي وتضخيم الفواتير بسهولة في ظل انفصام مؤسسي بين من يملك الدولار ومن يمنح إجازة الاستيراد. التحليل المتعمق يؤكد أننا أمام لحظة فارقة: فإما أن تفضي هذه المراسلات إلى استجابة فاعلة وتعاون حقيقي يعيد تكامل السياسات الاقتصادية ويخدم المصلحة العامة، وإما أن تتحول إلى مجرد حبر على ورق يدفع ثمنه المواطن مزيداً من التضخم وانحداراً إضافياً في قيمة مدخراته المتآكلة. إن استعادة الثقة في إدارة الاقتصاد الكلي لن تكون بإجراءات ترقيعية، بل بقرار جريء يغلق الصنبور الموازي بشكل كامل، ويوجه ضربة قاضية للاقتصاد غير الرسمي الذي ينخر في عظام الدولة ويبتلع مستقبل عملتها.



