سماسرة التقنية يتحكمون بالدولار والأضاحي.. وحكومة الدبيبة غائبة عن المشهد
اعتمادات بلا غطاء ورقابة نائمة... هكذا تبدد ثروة الليبيين بالتواطؤ والصمت
ليبيا 24:
حين يصبح المواطن الليبي لقمة سائغة بين سمسار الدولار وسمسار الأضحية
اقتصاد الرهائن وأسواق الوهم
في بلد يطفو على بحر من النفط، لم يعد المواطن الليبي يكتوي بنار أزمة سياسية مزمنة فحسب، بل بات رهينة لحرب اقتصادية شعواء تديرها أياد خفية وأخرى ظاهرة، يرعاها غياب مريب للدولة ومؤسساتها التي يفترض أن تكون حارسة للنقد وحامية للقمة العيش.
لم يعد الأمر مجرد انهيار في قيمة العملة أو ارتفاع جنوني في الأسعار، بل تحول إلى نظام متكامل من الريع والسمسرة تحكمه تطبيقات الهاتف وقنوات التواصل الاجتماعي، حيث يلهث المواطن البسيط خلف سراب سعر صرف عادل أو أضحية عيد في متناول اليد، ليجد نفسه في النهاية ضحية لمقصلة سماسرة جدد لا يختلفون في جوهرهم عن مهربي الأزمات.
هذا التقرير يسلط الضوء على التشوهات القاتلة التي تضرب جسد الاقتصاد الليبي، مستندا إلى شهادات خبراء وتقارير ميدانية، ويكشف كيف تحولت أدوات السياسة النقدية إلى حبر على ورق، بينما تتسع الهوة بين وعود الحكومات وواقع المواطن الذي لم يعد يجد ملاذا.
السمسار الرقمي: سوق الصرف خارج القانون
في أي اقتصاد طبيعي، يعكس سعر الصرف الهامشي أو الموازي قوى العرض والطلب الحقيقية، ويكون مؤشرا على درجة الثقة في العملة المحلية والسياسات النقدية.
أما في ليبيا، فقد تحول هذا السوق إلى كيان شاذ تحكمه أقلية منظمة من المضاربين والسماسرة الذين يتخذون من الشاشات منصات للحرب النفسية والتلاعب بالأسعار.
هؤلاء لا يكتفون بالوساطة التقليدية، بل صاروا صانعي السوق الفعليين، يحددون سعر الورقة الخضراء صباح كل يوم عبر إشارات متفق عليها تبث عبر قنوات خاصة ومجموعات مغلقة.
التقنية التي كان يفترض أن تكون أداة للشفافية، تحولت إلى نقمة، حيث تستخدم لتوجيه السوق وضخ أسعار وهمية يتبناها بعد ذلك السوق الأوسع، في مشهد يعكس انعدام الوزن الكامل للدولة.
وما ينطبق على سوق العملة ينطبق بحذافيره على أسواق السلع الاستراتيجية، وفي مقدمتها سوق الأغنام والأضاحي، حيث تحول السمسار من مجرد وسيط إلى محتكر رقمي يفرض الأسعار عبر آلية “التلقيف”، إذ يطلق السماسرة سعرا مرتفعا عبر قنواتهم ليتلقفه المستفيدون، وأيضا المغفلون، معيدين نشره حتى يصبح هو السعر السائد، في مشهد أقرب إلى جرائم الاحتكار المنظم في أسواق المال العالمية، ولكن دون رقيب أو حسيب.
انفصام السياسة النقدية: المركزي يبتكر والتجارية تنقض
وسط هذا العبث، يحاول مصرف ليبيا المركزي تقديم صورة المؤسسة التي تجاهد لاحتواء التضخم وامتصاص السيولة النقدية الفائضة.
ويعلن بين الحين والآخر عن أدوات للسياسة النقدية مثل شهادات المضاربة المطلقة والودائع المقيدة، في محاولة لشحذ الهمم وكأن الأزمة مجرد معادلة حسابية يمكن حلها بتقنيات السوق المفتوح.
لكن المفارقة الكبرى أن المصرف المركزي، الذي يفترض أن يكون قمة الهرم الرقابي، يبدو في كثير من الأحيان وكأنه يتحدث عن واقع والمصارف التجارية التي تخضع لإشرافه تعيش في واقع آخر تماما.
الفصام بين السياسة المعلنة والأداء الفعلي للمنظومة المصرفية يبلغ ذروته في ملف الاعتمادات المستندية، وهو الشريان الرئيسي الذي يغذي السوق بالسلع المستوردة.
فبينما يقيد المركزي عرض النقد ويحذر من التضخم، تمنح المصارف التجارية ائتمانا غير نقدي هائلا لتجار بعينهم، عبر فتح اعتمادات مستندية دون دفع قيمتها كاملة.
هذا الإجراء، المعروف بالتغطية الجزئية للاعتمادات، يسمح لمستوردين بأن يجلبوا بضائع ويطرحوها في السوق دون أن يدفعوا ثمن الاعتماد مقدما، أو بدفع جزء يسير منه، على أن يستكملوا الدفع بعد شهور من توريد البضاعة وبيعها.
هذا الائتمان المستتر هو بمثابة قروض وسلف بلا فوائد تمنحها المصارف لنخبة من تجار الاعتمادات، ولها ذات الأثر التضخمي المدمر لمنح القروض المباشرة، بل وأشد، لأنها تخلق طلبا فعالا على النقد الأجنبي وترفع أسعار السلع في آن واحد.
والسؤال القاتل هنا: كيف لمصرف يمنع المرابحة الإسلامية عن عامة الناس بدعوى مكافحة التضخم، أن يسمح أو يغض الطرف عن منح ائتمان غير نقدي بالمليارات لقلة حظيت برضا مدراء مصارف لا يمكن وصفهم بالمغفلين؟ الإجابة تكمن في الصمت المريب والتواطؤ الضمني الذي يشكل العمود الفقري لاقتصاد المحسوبية الليبي، حيث لا يجرؤ أحد على لوم الحكومة أو رئيسها على هذا الانفلات، وكأن الأمر لا يعنيهم.
اعتمادات بلا غطاء: خزينة الفساد الصامت
يمثل كل اعتماد مستندي يفتح بدون رصيد يغطي قيمته بالكامل، ملف فساد متكامل الأركان. فلا يمكن لعاقل أن يتصور أن مدير مصرف، أيا كانت درجة سذاجته، سيغامر بفتح اعتماد لتاجر دون غطاء مالي كامل “لوجه الله”.
هناك بالضرورة شبكة مصالح متشابكة تجمع بين المستوردين المتنفذين وقيادات مصرفية عليا ووسطاء سياسيين، يتحمل المواطن وحده فاتورة أنشطتهم.
عملية الاحتيال هذه لا تتوقف عند حدود تبديد العملة الصعبة، بل تمتد إلى خلق تضخم مصطنع يفتت القوة الشرائية للمواطن، ويرفع أسعار السلع الأساسية بصورة جنونية.
والأخطر من ذلك، أن هذه الآلية تحول النظام المصرفي من وسيط مالي لخدمة الاقتصاد الحقيقي إلى أداة لخلق الثروات الوهمية لفئة طفيلية، على حساب مدخرات الليبيين وأرزاقهم.
لقد أصبح الحصول على اعتماد بدون غطاء بمثابة امتياز سيادي يوزع في الغرف المغلقة، بعيدا عن ضوء الرقابة أو المساءلة، مما يعمق الإحساس بأن ليبيا ليست دولة مؤسسات، بل سوق كبير للمزايدات والسمسرات.
رقابة من سبات: إفاقة متأخرة على خراب شامل
في تطور يكشف عمق المأساة، استيقظت إدارة الرقابة على المصارف والنقد التابعة للمركزي مؤخرا من سباتها الطويل لتصدر منشورا تطلب فيه من المصارف التجارية مراجعة محافظها للاعتمادات والتأكد من أنها مغطاة بنسبة مئة في المئة.
هذا المنشور ليس إجراء رقابيا اعتياديا، بل هو شهادة إفلاس مدوية. إنه اعتراف ضمني بأن الجهاز الرقابي للدولة الليبية ظل طوال سنوات لا يعلم شيئا عما يحدث في دهاليز المصارف التي من المفترض أنه يراقبها يوميا.
كيف يمكن لجهاز رقابي أن يجهل أن مليارات الدنانير من الاعتمادات تفتح دون تغطية، وأن السحب على المكشوف يستخدم لشراء العملة الصعبة بصكوك لا تقابلها أرصدة حقيقية، إلا إذا كان هذا الجهاز متواطئا أو معطلا عن عمد؟ إن مطالبة المصارف بمراجعة نفسها بنفسها هو بمثابة تكليف القط بحراسة الحليب، ويكشف أن المؤسسة فقدت بوصلتها تماما.
هذه اليقظة المفاجئة، بعد سنوات من الصمت المطبق، تطرح أسئلة محرجة حول دور الحكومة وإشرافها على المؤسسة النقدية، وحول طبيعة العلاقة بين الدبيبة وحاشيته والمستفيدين من هذا العبث.
فطالما أن رئيس الحكومة يمسك بملف الاقتصاد مباشرة، فإن أي فشل رقابي هو فشل سياسي من الدرجة الأولى، يكشف أن الأولوية ليست لضبط الأسواق، بل لضمان ولاءات شبكات المصالح.
اقتصاد بلا أرقام: تضخم يقاس بجولة في العشية
في أرجاء العالم، تتولى مراكز أبحاث متخصصة وكوادر إحصائية مدربة مهمة رصد التضخم عبر مسوحات ميدانية ونماذج رياضية معقدة، لتصدر تقارير دورية تشكل أساس السياسات الاقتصادية.
أما في ليبيا، فإن حساب التضخم لا يحتاج، كما يقول الخبير الاقتصادي مختار الجديد، إلى أكثر من دورة سريعة في الأسواق قبيل المغرب ليعرف الوزير الخبير إن كانت الأسعار قد ارتفعت أم انخفضت وكم بلغت نسبة التغير.
هذه المفارقة المرة تختزل المأساة الليبية برمتها: بلد غني بموارده، فقير ببياناته، تحكمه نخبة تفضل العمل في الظلام، لأن غياب الأرقام هو الضمانة الأكيدة لاستمرار الفساد دون رصد أو مساءلة.
كيف لمواطن أن يخطط ليومه، أو لتاجر أن يبني مشروعه، في غياب أي مؤشر اقتصادي موثوق؟ الحكومة لا تصدر أرقاما ذات معنى عن التضخم، والمصرف المركزي لا يملك سلاسل زمنية دقيقة، لأن الأزمة ليست تقنية بل سياسية بالدرجة الأولى.
فكلما زاد الضباب، سهلت عملية السطو على مقدرات البلاد، وسهل إلقاء اللوم على عوامل خارجية أو على جشع التجار الصغار، بينما الفيل الحقيقي في الغرفة هو المنظومة المصرفية المنقسمة والسماسرة المحميون.
المواطن بين مطرقة التضخم وسندان التواطؤ
في نهاية المطاف، يبقى المواطن الليبي هو الحلقة الأضعف في هذه المنظومة الجهنمية. إنه يتقاذف يوميا بين سمسار الدولار الذي يحدد قيمة ما في جيبه، وسمسار الأغنام الذي يحدد ثمن قوته وقوت أبنائه.
وبين هذا وذاك، تقف حكومة الدبيبة ومؤسساتها موقف المتفرج، إن لم تكن موقف الشريك. ما لم تقم دولة حقيقية، كما يقول المختصون، ستظل هذه الدوامة تطحن كل شيء: قيمة الدينار، مدخرات الأسر، وثقة الناس في أي سلطة.
المطلوب ليس مجرد إجراءات تقنية من مصرف فقد بوصلته، بل مراجعة شاملة لعقود الفساد المغلقة، ومحاسبة من فتحوا اعتمادات بدون غطاء، وتفكيك شبكات السماسرة التي تحولت إلى حكومة ظل اقتصادية.
المطلوب هو إرادة سياسية تنتشل ليبيا من هذا النفق، وتعيد للكلمة معناها، وللرقابة هيبتها، وللمواطن حقه في حياة كريمة لا تتحكم فيها تطبيقات المضاربين وقنوات المحتكرين.
فإلى أن يحدث ذلك، سيستمر المواطن في دفع ثمن هذه الفوضى من لحمه ودمه، بينما يثرثر المسؤولون عن إصلاحات وهمية لا تتجاوز شاشات هواتفهم.



