طرقات ليبيا مقابر مفتوحة.. وحكومة الدبيبة المنتهية ولايتها تتفرج
فاجعة الشقيقين تكشف فشل حكومة الدبيبة في حماية الأرواح
ليبيا 24:
لم تكن ليلة الرابع والعشرين من مايو كسابقاتها في مدن الساحل الليبي، حيث استفاق الآلاف على خبرين متتاليين كالصاعقة، ليغرق المشهد الرقمي في سيل من الصور المؤثرة والتعازي المكلومة.
ففي غضون ساعات قليلة، لفظ طريق بني وليد وطريق العامرية جثامين أربعة من خيرة شباب البلاد؛ الأخوان محمد ومراد صالح قيوه، والأخوان الدكتور مازن والدكتور زياد نبيل أحمد رجب.
لم يكونوا مجرد أرقام مضافة إلى سجل الموت اليومي، بل كانوا عناوين لطموحات وأسر بأكملها انهارت أركانها في لحظة، تاركة وراءها سؤالاً يتردد كالصدى في أزقة المدن المنكوبة: متى يتوقف نزيف الأسفلت الذي بات أشد فتكاً من الرصاص؟
حصاد الطرقات اليومي.. حين تصبح الإحصاءات لعنة وطن
تكشف المعطيات المتاحة، رغم شح الرسمي منها وضبابية ما يصدر عن الجهات المعنية، أن ليبيا باتت تتربع على قمة المؤشر العالمي لوفيات حوادث المرور، بمعدل يناهز 73.4 وفاة لكل مئة ألف نسمة.
هذا الرقم، الذي يتجاوز بأضعاف معدلات دول تعاني حروباً أهلية ممتدة، لم يعد وليد الصدفة، بل هو نتاج تراكمي لسياسات غائبة وإهمال متعمد جعل من جسد المواطن درعاً رخيصاً في معادلة لا تخلو من حسابات الفساد والارتجال.
أرقام مديرية أمن طرابلس وحدها ترسم لوحة مرعبة؛ ففي العام المنصرم 2025، وثقت المديرية 225 حادثاً مميتاً أودى بحياة 251 شخصاً، مقابل 375 حادث إصابة بليغة تضرر منها 492 مواطناً، كثيرون منهم باتوا بين بتر دائم أو إعاقة مستديمة.
أما الربع الأول من العام الجاري 2026، فلم يكن أقل دموية، بتسجيل 55 وفاة في 50 حادثاً مميتاً، و188 إصابة بليغة خلال ثلاثة أشهر فقط.
هذه الحصيلة المروعة لا تشمل مدناً كبرى أخرى مثل بنغازي ومصراتة والزاوية، مما يعني أن العدد الحقيقي للضحايا أكبر بكثير مما تبوح به التقارير المقتضبة.
ولعل الأكثر إثارة للغضب الشعبي هو تقرير سري للغاية، كشف عنه عضو مجلس الدولة سعيد ونيس، أعدته جهات مختصة ورفع إلى حكومة الدبيبة منتهية الولاية، وتحديداً إلى وزارتي المواصلات والصحة، رصد خلاله باحثون عينة من طريق ترهونة – بني وليد على امتداد لا يتجاوز ثمانين كيلومتراً.
النتيجة كانت صادمة حتى لأكثر المتابعين تشاؤماً: 349 حادثاً، و188 حالة وفاة، و289 إصابة متفاوتة، وخسائر مادية تجاوزت ستة ملايين دينار، في سنتين اثنتين فقط.
والأدهى أن هذه الأرقام لا تشمل التكلفة الإنسانية والاجتماعية التي لا تقدر بثمن: أسر تشردت، وأطفال فقدوا آباءهم، وشباب مبتورو الأطراف تحولوا من منتجين إلى عالة على مجتمع منهك أصلاً.
حكومة منتهية الصلاحية.. حين يغيب الردع وتتعطل الإرادة
في خضم هذا النزيف اليومي، تقف حكومة عبدالحميد الدبيبة، التي انتهت ولايتها القانونية والأخلاقية، متفرجة على مأساة لا تكاد تمر ساعة دون أن تحصد أرواحاً جديدة.
الملف ليس مجهولاً لديها؛ فالدراسة التي أشار إليها ونيس، والتي تؤكد مصادر مطلعة في وزارة المواصلات أنها رفعت إلى رئيس الحكومة شخصياً، ظلت حبيسة الأدراج، وكأنما كان المشهد برمته يدور في بلد آخر لا تربطه بطرابلس أية صلة.
هذا التجاهل ليس مجرد عجز إداري عابر، بل هو انعكاس صريح لأزمة شرعية وجودية تعانيها حكومة ظلت تتشبث بالسلطة رغم انقضاء ولايتها، مستخدمة ملفات الخدمات كورقة مساومة سياسية.
فبينما تخصص مئات الملايين لبنود الإنفاق التسييري ومخصصات السفر والبعثات الدبلوماسية غير المجدية، تظل ميزانيات السلامة المرورية وتطوير الطرق وإضاءتها وتزويدها بإشارات التحذير في ذيل أولويات الموازنات السنوية.
تقرير منظمة الصحة العالمية قبل سنوات منح ليبيا درجتين فقط من عشر درجات في تطبيق قانون الحد من السرعة، ودرجة واحدة في إلزام سائقي الدراجات النارية باستخدام الخوذات، في حين غابت تماماً معايير فحص المركبات، لتغدو الطرقات ساحات للموت العشوائي.
مصادر دبلوماسية غربية، تحدثت شريطة عدم الكشف عن هويتها، أكدت أن المجتمع الدولي يتابع بقلق بالغ تدهور البنية التحتية الليبية، لكنه يصطدم بجدار بيروقراطي حكومي لا يبدي أية مؤشرات جدية على رغبة في الإصلاح.
وأضافت المصادر أن أموالاً طائلة رصدت عبر برامج أممية لتحسين السلامة الطرقية، لكنها تعثرت بفعل اشتراطات حكومية ملغومة وغياب الشفافية في إسناد المشاريع.
شهادات الغضب.. المواطن يدفع الثمن وحده
تحت وطأة هذه الفواجع، انفجرت منصات التواصل بموجة عارمة من السخط، لم تكن مجرد تنفيس عابر، بل كشفت عن إدراك شعبي عميق بأن ما يجري لم يعد قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لسياسات خاطئة وفساد مستحكم.
الإعلامي ناظم الطياري كتب بصريح العبارة: “للأسف الأمر خطير جداً جداً جداً… المسبب الأول للموت في ليبيا هو حوادث السيارات، أكثر من الأورام وأكثر ممن فقدناهم في الحروب.
في طرابلس فقط، من نهاية شهر يناير إلى مارس، توفي ثمانون إنساناً، و260 في حالات خطيرة وعناية فائقة وبتر أطراف”. وأشار بألم إلى واقع السيارات المقطوعة المستوردة، التي تفتقر لأبسط مقومات السلامة، في طرق تفتقر بدورها إلى أي تجهيزات وقائية.
أما عبدالرزاق العرادي، عضو ملتقى الحوار السياسي، فقد ربط بين المأساة اليومية والانهيار النفسي والاجتماعي الذي يعيشه الليبي، قائلاً: “تصور رحلتك اليومية إلى العمل والحالة التي تصل بها إن وصلت سالماً، ثم رحلة الرجوع إلى البيت والحالة التي تدخل بها على أهلك.
المرور في ليبيا صناعة جماعية للتعب والإرهاب والنكد، ولها تداعيات أخطر على حياة الناس نفسياً واجتماعياً واقتصادياً”.
ولم يتوقف عند هذا الحد، بل ذكّر أن ليبيا تسجل سنوياً أكثر من 2400 وفاة، فضلاً عن آلاف الجرحى الذين يتحول بعضهم إلى معاقين دائمين، في ظل غياب منظومة حديثة للتخطيط الحضري والسلامة المرورية.
أحد المواطنين من سكان طريق المطار، الذي فضل عدم ذكر اسمه خشية الاستهداف، قال لموفد ليبيا 24 بصوت تخنقه العبرة: “كل صباح أودع أبنائي وكأنني أودعهم للمعركة، فالطريق الذي نسلكه ليس طريقاً، بل فخ موت.
الحفر تبتلع المركبات، والإضاءة مقطوعة منذ شهور، والسيارات المتهالكة تنطلق بسرعات جنونية. سئمنا الوعود، سئمنا رؤية وجه الدبيبة على الشاشات يحدثنا عن توحيد المؤسسات فيما الدم يسيل على أسفلت عين زارة”.
اقتصاد الموت.. أرقام تتجاوز الخسائر البشرية
لا تقتصر تداعيات هذه الكوارث على البعد الإنساني وحده، بل تمتد إلى جذور الاقتصاد الوطني المنهك. الخسائر المادية المباشرة، وفقاً للدراسة المرفوعة للحكومة على طريق ترهونة – بني وليد فقط، تجاوزت ستة ملايين دينار في سنتين، وهي تكلفة تعادل بناء مدرستين نموذجيتين أو تجهيز مستشفى قروي كامل.
وإذا ما تم إسقاط هذا الرقم على شبكة الطرق الليبية الممتدة لآلاف الكيلومترات، والتي يعاني معظمها من التصدع والانعدام التام للصيانة، فإن الحديث يصبح عن مئات الملايين من الدنانير تتبخر سنوياً بين تعويضات متواضعة وعلاج طارئ وإعاقات دائمة.
محلل اقتصادي في مصرف تجاري كبير، تحدث شريطة عدم الإفصاح عن هويته نظراً لحساسية تصريحاته، أوضح أن “التكلفة غير المباشرة هي الأشد فتكاً بالاقتصاد. كل شاب متعلم يموت أو يصاب بعجز دائم هو خسارة لرأس مال بشري لا يعوض.
ليبيا تخسر سنوياً آلاف الخريجين والمهنيين في سن الإنتاج، ناهيك عن الضغط الهائل على قطاع الصحة المنهار أصلاً، والذي يضطر لاستقبال أعداد هائلة من المصابين بإصابات بالغة، في مشاف تفتقر لأبسط المعدات”.
وأضاف أن سوق التأمين الليبي، برسومه الزهيدة التي لم تعد تتماشى مع ارتفاع الحوادث، يقف عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته، مما يثقل كاهل المواطن الذي يضطر لدفع فاتورة العلاج من جيبه الخاص، أو يقع فريسة للعلاج في الخارج بتكاليف باهظة لا طاقة له بها.
الهجرة غير الشرعية.. الوجه الآخر للفشل ذاته
في تدوينته التي هزت الرأي العام، لم يقف سعيد ونيس عند حد ملف الحوادث، بل ربطه بملف لا يقل خطورة هو الهجرة غير الشرعية، معتبراً أن العجز في إدارة كلا الملفين يعكس “فشلاً كاملاً في مواجهة الأزمات التي تنهش جسد الوطن”.
وبالفعل، فإن البلد الذي يعجز عن تأمين طرق مواطنيه لمسافة ثمانين كيلومتراً، كيف له أن يؤمن حدوده البرية والبحرية الممتدة لآلاف الأميال؟ ليبيا اليوم تدفع ضريبة مزدوجة: ضريبة انهيار الدولة الذي حولها إلى معبر للهجرة السرية ومقبرة لشبابها في عرض البحر، وضريبة إهمال طرقها الداخلية التي باتت تحصد منهم أضعاف ما تحصده قوارب الموت.
دبلوماسي سابق في بعثة الاتحاد الأوروبي، فضل عدم ذكر اسمه، قال لموفد ليبيا 24 إن “المجتمع الدولي ينظر بقلق إلى الترابط بين الأزمتين. فضعف سيطرة الحكومة على الأرض، وعدم قدرتها على توفير أبسط مقومات الحياة الآمنة، يقوضان بشكل مباشر أي جهد أوروبي لضبط تدفقات الهجرة.
حكومة الدبيبة تطلب دعماً لوجستياً ومالياً لمكافحة الهجرة، في وقت يعجز وزراؤها عن تركيب عمود إنارة على طريق يقتل العشرات شهرياً. هناك إدراك متزايد بأن التعامل مع سلطة فقدت كل معاني المسؤولية لم يعد مجدياً”.
طرق إلى الهاوية.. بنية تحتية متهالكة وفساد مستشرٍ
ولعل ما يزيد الطين بلة أن الأسباب الكامنة خلف هذه المآسي ليست قدرية ولا طارئة، بل هي وليدة عقود من الإهمال المدروس وفساد مزمن، تفاقم بشكل كارثي بعد عام 2011.
الطريق الساحلي الممتد من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، والذي يفترض أن يكون شريان البلاد، تحول في مقاطع شاسعة منه إلى شريط من الحفر والمطبات القاتلة، تنعدم فيه الإضاءة والعلامات الإرشادية.
طريق أجدابيا – البريقة، الذي أطلق عليه الأهالي “طريق الموت”، حصد عائلات بأكملها في حادثين مروعين الشهر الماضي وحده، في مشهد يتكرر بفصول متشابهة كلما حل الظلام وأطلت قطعان الإبل من على الجانبين لتفاجئ السائقين.
المركبات نفسها تتحول إلى أدوات موت مؤجلة، فمنذ سنوات، غرقت الأسواق الليبية بسيارات مستوردة منتهية الصلاحية، مقطوعة ومعاد تركيبها، تفتقر إلى وسائد هوائية وأنظمة فرامل حديثة، وسط غياب تام للرقابة الحكومية.
تجار السيارات، وبعضهم مقربون من دوائر النفوذ في حكومة الدبيبة، يحققون أرباحاً طائلة من هذه التجارة المميتة، فيما يدفع المواطن البسيط الثمن من دمه وأطرافه.
تقارير صحفية استقصائية سابقة كشفت عن تورط جهات متنفذة في تسهيل دخول شحنات سيارات غير مطابقة للمواصفات عبر الموانئ الليبية، دون أن تحرك الجهات القضائية ساكناً.
حين يكون الموت هو القاعدة.. من يوقف النزيف؟
في خضم هذا المشهد القاتم، ثمة تحركات شعبية خجولة تحاول التصدي للكارثة.
حملات إصلاح الطرق التي انطلقت في بنغازي وطرابلس وضواحيهما، بتمويل محلي ومبادرات شبابية، نجحت في رتق بعض الجروح، لكنها تبقى مجرد لصقات مؤقتة على شرخ عميق يحتاج إلى تدخل جذري.
أما الجهات الرسمية، فإن ما تقدمه لا يتجاوز بيانات الشجب والوعود الفضفاضة التي تطلقها لجان إعلامية تتبع حكومة منتهية الصلاحية، تسعى لاستثمار كل مأساة لتحسين صورتها المهترئة.
خلال فعاليات اليوم العالمي وأسبوع المرور الموحد مطلع مايو الجاري، الذي رفع شعار “تمهل.. نحن بانتظارك”، سارعت مديرية أمن طرابلس لنشر إحصاءاتها، في محاولة لإظهار اهتمام مفترض، دون أن يرافق ذلك أي إجراء عملي على الأرض.
الشعارات وحدها، التي تطلق من وراء مكاتب مكيفة، لم تعد تخدع أحداً، فالأمهات اللواتي ينتظرن عودة أبنائهن من الجامعات والأعمال كل مساء، وهن يتابعن بقلق نشرات الأخبار العاجلة عن حوادث جديدة، صرن يعرفن جيداً أن لا أحد ينتظر أبناءهن إلا الموت على الأسفلت، وأن لا أحد سيتحمل المسؤولية.
شرعية تتآكل على أرصفة الدم
المواطن الليبي المكلوم، الذي اعتاد أن يدفع فاتورة كل الحروب والصراعات من جسده ومستقبله، يجد نفسه اليوم ضحية لحرب أشد فتكاً وأقل ضجيجاً.
حرب تدور رحاها كل دقيقة على الطرقات، بسلاح هو الإهمال والتقصير والمتاجرة بحياة البشر.
حكومة عبدالحميد الدبيبة، التي طالما تغنت بشعار “حكومة الوحدة”، تقدم نموذجاً معاصراً لدولة تعجز عن حماية مواطنيها في أبسط حقوقهم، حق العبور الآمن، وحق العودة إلى بيوتهم سالمين.
لقد آن الأوان، كما قال عضو مجلس الدولة، أن تراجع هذه السلطة شرعية وجودها، ليس أمام صناديق الاقتراع وحدها، بل أمام أمهات الشهداء الذين سقطوا على أسفلت بني وليد والعامرية وأجدابيا، وأمام شباب بترت أطرافهم فتحولوا من بناة وطن إلى شواهد حية على فشل دولة.
ليبيا، التي تتصدر مشهد الموت المروري عالمياً، ليست بحاجة إلى مزيد من التقارير المهملة والدراسات المنسية، بل إلى إرادة سياسية شجاعة تنتزع حق الحياة من بين فكي الإهمال، قبل أن تبتلع الطرقات ما تبقى من حلم الليبيين بوطن آمن.



