ليبيا

معركة “التريليون” تكشف صدعاً عميقاً في هرم الدولة الليبية

اتهامات بالفساد وتحدٍ علني يهزّ أعلى مؤسسة ليبية

ليبيا 24

معركة “الألف مليار” تفجّر مواجهة غير مسبوقة في ليبيا

لم يعد الصراع في ليبيا يدور فقط بين الفرقاء التقليديين في الشرق والغرب، بل انتقلت نيرانه إلى قلب المؤسسات التي يفترض أن تكون ركيزة للتوافق الوطني. ففي تطور يعكس عمق الأزمة البنيوية التي تعاني منها البلاد، تحول نقاش سياسي انطلق من جلسة تشاورية لمجلس الدولة حول تكريم بروتوكولي وتقرير رقابي، إلى مواجهة علنية مكشوفة بين رئيس حزب التجمع الوطني، أسعد زهيو، وعضو المجلس الأعلى للدولة، سعيد ونيس.

المواجهة التي جرت فصولها عبر بيانات ومقالات متبادلة، لم تكن مجرد سجال عابر بين سياسيين، بل نزعت الغطاء عن جرح غائر في المشهد الليبي: اتهامات متبادلة بالفساد، والعجز عن محاسبة المتسببين في تبخر ثروات هائلة، وشرعيات متآكلة، ومؤسسات تتهم بالعيش في فقاعة منفصلة عن معاناة المواطن.

مركز الزلزال كان تقريراً صادراً عن هيئة الرقابة الإدارية، تضمن رقماً فلكياً، حيث تجاوز إجمالي الإنفاق العام في ليبيا منذ عام 2011 حاجز الألف مليار دينار ليبي. وهو الرقم الذي وصفه زهيو بأنه “قنبلة رقمية كان يُراد لها أن تظل طي الكتمان”، مشعلاً فتيل مواجهة سياسية غير مسبوقة في لهجتها وفحواها.

تفجير قنبلة “الألف مليار”: من تقرير رقابي إلى قضية رأي عام

في صلب هذه العاصفة يقف تقرير هيئة الرقابة الإدارية الذي قدّمه رئيسها، عبدالله قادربوه. فبينما اعتبره رئيس حزب التجمع الوطني “خدمة جليلة للدولة الليبية” و”انحيازاً للمؤسسة التي تجرأت على نبش عش الدبابير”، يرى فيه خصومه مجرد إحصاء للأرقام لا يرتقي إلى مستوى الإنجاز المؤسسي الحقيقي في مكافحة الفساد.

الرقم الذي هزّ الشارع الليبي، وهو “الألف مليار دينار” الذي أُنفق خلال أربعة عشر عاماً، تحول إلى مادة للاتهام المتبادل. يقول زهيو في مقاله الأول: “السؤال الجوهري الذي يتهرب منه ديناصورات السياسة: أين ذهبت الألف مليار دينار؟ وكيف تبخرت هذه الثروات الطائلة دون أن تُحدث أي فارق ملموس في حياة المواطن الليبي، بل على العكس تماماً، زادته قهراً، وعذاباً، وضيقاً في معيشته، وانعداماً في خدماته الأساسية من كهرباء وسيولة وصحة وتعليم؟”.

هذا الطرح قوبل برد تحليلي من عضو مجلس الدولة، سعيد ونيس، الذي سعى إلى تفكيك ما اعتبره “تهويلاً إعلامياً وتزويقاً سياسياً”. وأوضح ونيس أن “توزيع هذه المبالغ على امتداد خمسة عشر عاماً يُظهر بوضوح أنها لا تخرج عن السياق الطبيعي لحجم الإنفاق العام والميزانيات في الدول، ولا يمكن تقديمها باعتبارها مؤشراً مستقلاً على نجاح استثنائي أو إنجاز مؤسسي غير مسبوق”.

ثم يضيف ضربة تحليلية أعمق موجهاً إلى أداء هيئة الرقابة نفسها، مشيراً إلى أن “المؤشرات والتقارير الدولية الصادرة عن الجهات المختصة بقياس مؤشرات الفساد كشفت حجم الاختلالات العميقة التي تعاني منها الدولة الليبية، دون أن ينعكس ذلك في صورة دور فعّال أو ملموس لجهاز الرقابة في الحد من هذه الظاهرة”.

اتهام بـ”تصفية الحسابات” ورد بـ”التعميم غير الموضوعي”

لكن النقاش لم يلبث أن انزلق من تحليل الأرقام إلى تبادل الاتهامات الشخصية والسياسية. زهيو، وفي هجوم مباشر وغير مسبوق، اتهم “بعض العناصر داخل المجلس الأعلى للدولة” بأنهم يتحركون بدوافع “مصالح شخصية ونفعية ضيقة”.

وكتب في مقاله الأول: “لقد التجأ هؤلاء إلى هذا النهج الهجومي لمجرد أنهم لم يتحصلوا من عبدالله قادربوه على ما أرادوا من تعيينات، أو تمرير لوساطات، أو صفقات نفعية شخصية لا علاقة لها بالوطن ولا بمصالح المواطنين، وحين رُفضت مطالبهم واصطدمت بجدار المؤسسة، تحولت الهيئة ورئيسها في نظرهم إلى هدف مشروع للهجوم”.

هذا القصف السياسي المباشر أثار رد فعل عنيفاً من سعيد ونيس، الذي اعتبر أن زهيو وقع في “تعميم سياسي غير موضوعي” يعكس “حالة من الخصومة السياسية تجاه المؤسسة برمّتها”.

وأكد ونيس في رده أن هذا “التعميم مجافٍ للمنهج الموضوعي، لا سيما وأن التعميم يُعد من الأخطاء الجسيمة التي يقع فيها عادة أصحاب الطرح الانفعالي أو محدودو الخبرة والإدراك السياسي والقانوني”.

زهيو رد على هذا الاتهام بدقة قانونية ولغوية، موضحاً أن مقاله “نصّ صراحة على ’أن بعض العناصر داخل المجلس الأعلى للدولة يتحركون بدوافع ومصالح شخصية‘ والارتكاز على كلمة ’البعض‘ ينفي تهمة التعميم قانوناً ولغةً”.

وأردف بهجوم مضاد حول شرعية المجلس ذاته ودوره، رافضاً مقارنة ونيس له بالبرلمانات الديمقراطية. وقال زهيو في رده: “ذهبتم بعيداً بمحاولة إسقاط آليات ’العمل النيابي والبرلماني في النظم الديمقراطية‘ على غياب النصاب… المجلس الأعلى للدولة، وفقاً للاتفاق السياسي، هو ’جسم استشاري‘ وليس برلماناً منتخباً. البرلمانات الحقيقية تعاقب النواب المتغيبين، وتملك آليات رقابية وتشريعية نافذة، في حين أن تحول جلساتكم إلى ’تشاورية‘ بات نمطاً متكرراً للهروب من الاستحقاقات الوطنية”.

هنا، صعّد ونيس من دفاعه المؤسسي، مصححاً ما رآه توصيفاً قاصراً. وأوضح أن “اتفاق الصخيرات منح المجلس الأعلى للدولة صفة الجسم الاستشاري، نعم، لكنه منحه أيضاً صفة الشريك في عددٍ من القوانين الأساسية والمناصب السيادية… كما أن الاتفاق السياسي أصبح جزءاً أساسياً من التعديلات الدستورية النافذة”، ليختتم بأن أحكام المحكمة العليا ذهبت لأبعد من ذلك ووصفته بأنه “الغرفة التشريعية الثانية ضمن السلطة التشريعية”.

تحدٍ علني: انشر دليلاً واحداً

بلغت المواجهة ذروتها عندما أطلق ونيس تحدياً علنياً صريحاً، في محاولة لاختبار مصداقية اتهامات زهيو ودفعها من العموم إلى الخصوص.
كتب ونيس في رده الأول: “باعتبارك لم تستثنِ أحداً من أعضاء مجلس الدولة، وادعيت امتلاك معلومات بشأن ’مطالب‘ كل واحد منهم، فإنني أتحداك علناً أن تذكر مطلباً شخصياً واحداً… أتحداك أن تطرح ذلك على الملأ بصورة واضحة وصريحة، وإلا فإن مقالك لا يعدو كونه تحاملاً سياسياً قائماً على التعميم والاتهام غير المستند إلى وقائع”.

في رده، لم يقدم زهيو الأسماء التي طالب بها ونيس، واصفاً التحدي بأنه “مردود”، ومعتبراً أن هذه الممارسات “ليست أسراراً غائبة عن أروقة السياسة في ليبيا، بل هي الوقود الذي يُحرك الكثير من المواقف الحالية”.

لكن ونيس عاد ليقول في رده الأخير، مضيقاً الخناق ومطالباً ببرهان شخصي: “طالما أنك متمسك بمبدأ التعميم، وتؤكد امتلاكك لمعلومات، فأنا أطلب منك أن تنشر دليلاً واحداً يثبت أنني شخصياً ذهبت إلى هذا الموظف الذي تتحدث عنه، أو إلى غيره في هذه الحكومة، وطلبت منه أي مصلحة شخصية… وهذا، بكل وضوح، لم يحدث إطلاقاً. ومن هنا جاء ردي عليك”.

ديناصورات السياسة وإرث 14 عاماً من الهدر

في مسعى لكشف أبعاد الأزمة، قدم زهيو توصيفاً لاذعاً أثار جدلاً واسعاً، حين وصف خصومه بأنهم “ديناصورات السياسة”.
وأوضح أن “هذه الأقدمية المطلقة تجعلهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، شركاء ومسؤولين عن هذا الهدر الفظيع في موارد الدولة طيلة أربعة عشر عاماً… إنهم يدركون أن فتح ملف الألف مليار يعني فتح كتاب تاريخهم السياسي بأكمله، وهو كتاب مليء بالإخفاقات التي يودون طمسها بإثارة الغبار حول قضايا هامشية”.

ورداً على ذلك، قدم ونيس تمييزاً مهماً بين الأعضاء، منحياً باللائمة على من يتحملون مسؤولية إطالة أمد المراحل الانتقالية.
لكن زهيو وجه له سؤالاً محدداً في رده: “بكل صراحة ووضوح… لماذا تحاول تحميل نفسك وتاريخك القصير في المجلس تركة أخطاء وإخفاقات تراكمت منذ عام 2012؟ أنت حديث عهد بالمجلس الأعلى للدولة… وإن اندفاعك للدفاع المستميت عن إرث 14 عاماً من الهدر السياسي والمالي – وأنت بريء من بداياته – يضعك في موقف المستميت لحماية مؤسسة يتفق الشارع الليبي على أنها باتت جزءاً من أزمة الانسداد السياسي”.

وجاء رد ونيس مؤسسياً صرفاً، مفيداً بأن “من هو في مستواك السياسي كرئيس حزب لا يحتاج إلى تذكير بأهمية العمل المؤسسي، الذي يفرض على الجميع الدفاع عن مؤسسته التي يعمل بها، والمساهمة في الحفاظ على هيبتها واحترامها. وهذه مسؤولية ذاتية لا علاقة لها بقديم أو جديد داخل المؤسسة”.

واقعة وزير النفط: نموذج للإنجاز أم للإرباك؟

في مسعى لتقييم أداء هيئة الرقابة بعيداً عن رقم الألف مليار، استحضر ونيس واقعة محددة لها ما بعدها، تتعلق بقرار إيقاف وزير النفط السابق عن العمل. ورأى ونيس أن هذا القرار، وما ترتب عليه من تعذر عودة الوزير لمنصبه رغم صدور أحكام قضائية لصالحه، “أسهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تضخم حجم الاختلالات والفساد الذي بات يحيط بقطاع النفط، وهو القطاع الأكثر حساسية وتأثيراً في الدولة الليبية”.

وخلص إلى أن “هذه الواقعة لا يمكن تقديمها باعتبارها نموذجاً للنجاح المؤسسي، بقدر ما تعكس حجم الإرباك الذي ساهم في تعميق الأزمة داخل أحد أهم القطاعات السيادية”.

ولم يرد زهيو على هذه النقطة تحديداً، مكتفياً بالقول في رده بأنه كان يأمل أن يكون حراك المجلس منصباً على “مساءلة الحكومات عن مصير ’التريليون دينار‘ المفقود، بدلاً من خوض معركة بالوكالة ضد جهاز رقابي قدّم أرقاماً صدمت الجميع”.

غيوم سياسية في أفق مسدود

ما كشفه هذا النقاش الحاد بين أسعد زهيو وسعيد ونيس يتجاوز بكثير مسألة خلاف على تقرير أو جلسة. إنه يعكس مأزق النخبة السياسية الليبية برمتها. فعلى ضفة، يقف من يرى أن أصل الداء هو فساد مستشرٍ ومؤسسات تحولت إلى غطاء له، وأن السبيل الوحيد هو تفجير الحقائق بالأرقام مهما كان ثمنها السياسي. وعلى الضفة الأخرى، يقف من يرى أن هذه المؤسسات، رغم كل عيوبها، تبقى الإطار الوحيد الممكن للعمل السياسي والتشريعي، وأن هدمها أو تجريدها من الشرعية لن يزيد البلاد إلا انهياراً.

بين هاتين الرؤيتين، يبقى المواطن الليبي الذي تعنيه إجابة سؤال واحد ومباشر، كما صاغه زهيو: “من سرق الترليون دينار، وكيف يُسترد وطن يضيع بين مطرقة العبث المالي وسندان العجز السياسي؟”. سؤال بقي معلقاً في فضاء النقاش، دون إجابة، تاركاً الباب مفتوحاً أمام المزيد من المعارك السياسية التي قد تكون الأكثر حدة وقسوة في مستقبل الأزمة الليبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى