ليبيا

سبعة ملايين وبيانات مفقودة.. لغز ليبيا السكاني يتحدى الدولة

غياب الإحصاء يفجر أزمة توزيع الأضاحي وجدل الهوية الليبية

ليبيا 24

في مشهد يحمل من الرمزية أكثر مما تحمله الأضحية نفسها من لحم، تحولت منصات التواصل الاجتماعي في ليبيا إلى ساحة عراك سياسي واجتماعي بعد أن فجر عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق، امراجع غيث، قضية توزيع الأضاحي لتكون الشرارة التي تكشف عن أزمة وجودية أعمق: غياب الإحصاء السكاني.

لم يعد الأمر متعلقاً بخروف العيد، بل بات مرآة تعكس فراغاً دستورياً وتنموياً، حيث تقف دولة يبلغ تعداد سكانها 7.53 مليون نسمة، 90% منهم متكدسون في شريط ساحلي لا يتجاوز 10% من المساحة، عاجزة عن معرفة من يحق له الدعم ومن لا يستحقه.

هذه ليست أزمة لحم ودم، بل أزمة بيانات في دولة تغرق في محيط من الأرقام المتناقضة، حيث تتراوح التقديرات السكانية بين 6.8 مليون وفقاً للمعهد الوطني الفرنسي للدراسات الديموغرافية و7.53 مليون في إسقاطات 2026، مما يخلق هامش خطأ يقدر بنحو 700 ألف نسمة، وهو رقم يكفي لابتلاع ميزانية دعم كاملة لدولة صغيرة.

جغرافيا الفراغ الإحصائي: أمة تسكن الشريط المائي

لفهم عمق المأساة الليبية، يجب النظر إلى الخريطة السكانية من منظور جغرافي صارم، وهو الأسلوب الذي طالما ميز تقارير ناشيونال جيوغرافيك في تفكيك الظواهر البشرية.
ليبيا ليست دولة بالمعنى الجغرافي المتجانس، بل هي أرخبيل من الواحات البشرية المتناثرة على بحر من الرمال. بكثافة سكانية لا تتجاوز 3.6 نسمة لكل كيلومتر مربع، تصبح تكلفة تقديم الخدمات في الداخل الليبي أعلى بخمسة عشر ضعفاً من تكلفتها في طرابلس أو بنغازي. هذه الفجوة المكانية تخلق “لامساواة بنيوية” لا يمكن حلها بدون قاعدة بيانات مكانية-سكانية دقيقة.

إن حقيقة أن 90% من الليبيين يعيشون في 10% فقط من المساحة هي ليست مجرد معلومة، بل هي إدانة كاملة لعقود من التخطيط العشوائي. هذه النسبة تخلق ضغطاً هيدروليكياً بشرياً على الشريط الساحلي، حيث تتحول مدن كطرابلس ومصراتة إلى بؤر استيطانية عملاقة تلتهم المياه الجوفية والطاقة.

وفي المقابل، يظل الجنوب، الذي يشكل قلعة الموارد والمخزون الاستراتيجي للمياه الأحفورية، فارغاً من التعداد الدقيق ومن مشاريع التنمية المستدامة. إن تصريح غيث حول الأضاحي يصبح، في هذا السياق، صرخة من قلب هذه الفجوة؛ فبدون إحصاء، كيف يمكن لدولة أن تقرر ما إذا كانت ستبني مستشفى في الكفرة يتسع لعشرة آلاف نسمة أم لخمسين ألفاً؟ كيف تُوزع الأضاحي أو دعم الوقود أو منح الزواج؟ إن غياب العدّ هو غياب للعقد الاجتماعي بين المواطن والدولة.

اقتصاديات التوزيع المعطل: من دعم السلع إلى دعم الأوهام

من منظور تحليلي، يمكن القول إن الاقتصاد الليبي غير النفطي هو اقتصاد “مشوه إحصائياً”. يبلغ الناتج المحلي الإجمالي للبلاد مستويات متذبذبة ترتبط بصدمات أسعار النفط، لكن آلية توزيع هذه الثروة تظل غارقة في ظلام دامس.

نظام الدعم في ليبيا، الذي يلتهم ما يزيد عن 62% من الميزانية العامة للدولة، هو أكبر عملية غسيل أموال قانونية في التاريخ الحديث، ليس بسبب الفساد المتعمد فقط، بل بسبب الغياب المطلق للبيانات. عندما تتحدث التقارير عن أن عدد سكان ليبيا سيبلغ 7.53 مليون في 2026 بمعدل نمو 1.09%، فإن صناديق الدعم تعمل بناءً على أرقام تخمينية لا علاقة لها بالواقع.

لنحلل معادلة الأضاحي اقتصادياً. في غياب سجل وطني موحد، يتم توزيع الدعم العيني والنقدي عبر شبكات الزبائنية الاجتماعية أو السجلات القبلية. هذا يعني أن المواطن الوهمي، أو المتوفى الذي لم يُسجل موته، أو المزدوج تسجيله، يحصل على حصة من اللحم أو المال.

إذا افترضنا أن هامش الخطأ بين التقديرات السكانية يبلغ 10% نتيجة لعدم وجود تعداد دقيق منذ أكثر من 15 عاماً، فإن 10% من ميزانية الدعم تذهب لغير مستحقيها، وهو ما يمثل مليارات الدولارات التي يمكن أن تمول مشروعاً لإنتاج الطاقة الشمسية يغطي احتياجات شمال أفريقيا.

إن غياب الإحصاء السكاني يحول الاقتصاد من اقتصاد “ريعي” إلى اقتصاد “وهمي”، حيث تنفق الدولة على أشباح إحصائية بينما يختنق المواطن الحقيقي في طوابير نقص السيولة والوقود.

والأخطر من ذلك هو الفجوة في سوق العمل. في مجتمع فتي، تتصدر فيه الفئة العمرية من 0-14 سنة أعلى النسب تليها فئة 15-44، فإن عدم معرفة العدد الحقيقي لهذه الفئات يعني عجزاً عن التخطيط للتعليم والصحة والتوظيف. معدل البطالة بين الشباب، الذي يقدره البعض بأكثر من 50%، ليس رقماً دقيقاً بل هو تقدير سياسي.

كيف لوزارة العمل أن تضع سياسات تشغيل وطنية إذا كانت لا تعرف كم شاباً يدخل سوق العمل سنوياً في كل بلدية؟ إن انفجار الغضب حول الأضاحي هو الوجه الظاهر لأزمة أعمق: غضب الشباب الذين لم يجدوا وظائف ولا سجلاً مدنياً يمكنهم من الوجود القانوني.

هندسة المجتمع الغامض: فتي، متحضر، ومجهول الهوية

تخبرنا الإحصاءات المتاحة أن المجتمع الليبي يتميز بأنه مجتمع “فتي” و”حضري” بامتياز، حيث تزيد نسبة سكان الحضر عن 90%.
لكن هذا الرقم خادع. التحضر في ليبيا ليس نتاجاً لثورة صناعية أو تخطيط مدني، بل هو نتيجة “هجرة اضطرارية” من الداخل المهمش إلى الساحل الموعود. هذه الكتلة البشرية الحضرية تتحرك في فراغ مؤسسي.

عند الحديث عن التركيبة الديموغرافية، حيث تبلغ نسبة الذكور 50.8% والإناث 49.2%، نجد أنفسنا أمام هرم سكاني مثالي نظرياً، لكنه في الواقع هرم مشوه بقاعدة عريضة من الشباب العاطل وقمة ضيقة من القادرين على الوصول إلى الموارد.

إن أزمة توزيع الأضاحي تلامس وتراً حسساساً في هذه الهندسة الاجتماعية. في مجتمع يشكل فيه صغار السن الأغلبية، تتحول مناسبات مثل العيد إلى مؤشرات أداء “لوجستية-سياسية”. فشل الدولة في إيصال أضحية لأسرة مستحقة ليس فشلاً لوجستياً فقط، بل هو تفكيك رمزي لهيبة الدولة كأب راعٍ.
إنها لحظة ميكافيلية بامتياز: إذا كانت الدولة لا تستطيع عدّ مواشيها ومواطنيها، فهي ليست دولة، بل هي مجرد إدارة مؤقتة للأرض.
إن شكاوى المواطنين التي أشار إليها غيث ليست شكاوى جياع، فليبيا دولة متوسطة الدخل، بل هي شكاوى “كرامة” من مواطنين يريدون أن تُحصيهم الدولة لتمنحهم حقهم، لا أن تتركهم في غياهب التقديرات العشوائية.

من منظور مقارن، وحسب تقرير “سكان العالم 2022″، فإن ليبيا تأتي في المرتبة الثالثة عشرة عربياً بـ 6.8 مليون نسمة خلف تونس (12.4 مليون) والأردن (11.3 مليون). لكن بينما تمتلك هاتان الدولتان تعدادات سكانية دورية وأنظمة تسجيل مدني إلكترونية متطورة، لا تزال ليبيا تفتقر إلى أبسط قواعد البيانات الموحدة.

هذا التأخر لا يفسره فقط عدم الاستقرار السياسي منذ 2011، بل يعود إلى عقلية دولة ما قبل الحداثة التي كانت تتجنب العدّ خوفاً من إثارة حساسيات قبلية وجهوية حول التمثيل والموارد. وهكذا، يصبح إحصاء السكان قنبلة سياسية موقوتة، بينما يصبح غيابه قنبلة اجتماعية واقتصادية انفجرت على هيئة نزاع على الأضاحي.

ثمن الفوضى الرقمية: عندما يصبح المواطن غير موثق

في عصر البيانات الضخمة، حيث تعرف الحكومات عدد نبضات قلب مواطنيها عبر الساعات الذكية، تقف ليبيا عاجزة عن إصدار رقم وطني موحد يربط المولود بقاعدة بيانات صحية وتعليمية وضريبية.

هذا الفراغ الرقمي ليس مجرد عجز تقني، بل هو سوق سوداء للهوية. في ظل التوزيع العشوائي للأضاحي والدعم، تزدهر تجارة الأسماء المستعارة والسجلات الوهمية. إن “صناعة المواطن الشبح” هي اقتصاد خفي يضاهي تهريب الوقود والمخدرات في ليبيا، حيث يتم التلاعب بقوائم المستحقين لتحويل الدعم من الخزينة العامة إلى جيوب خاصة.

بالعودة إلى تصريح عضو المركزي السابق، نجد أن “توثيق بيانات صحيحة عن كل مواطن” هو المفتاح الأمني والقانوني المفقود. فبدون قاعدة بيانات بيومترية، تذوب الحدود بين المواطن والمقيم، وبين الحي والميت، وبين الليبي والأجنبي.

في دولة تعاني من موجات هجرة غير نظامية وتغيرات ديموغرافية طارئة، يصبح إحصاء السكان مسألة أمن قومي لا تقل أهمية عن تأمين الحدود. إن توزيع الأضاحي على من لا يستحق ليس سوى عرض صغير لمرض عضال: انهيار مفهوم السيادة المعلوماتية. الدولة التي لا تحصي مواطنيها لا تستطيع حماية ثرواتها ولا فرض سيادتها، وتتحول إلى مجرد صندوق بريد لتوزيع الريع النفطي حتى ينضب.

إن المجتمع الليبي الذي يقف على حافة هاوية الفراغ الإحصائي يواجه سيناريو مرعباً: جيل من الشباب يفتقر إلى شهادات ميلاد رقمية موثقة، مما يعيق حصوله على التعليم والعمل والتأمين الصحي.

هذا الجيل يصبح رهينة للوثائق الورقية المزورة أو المفقودة، مما يعيد إنتاج الفقر والتهميش. وبينما تتصدر مصر المشهد العربي بـ 111 مليون نسمة تمكنت من حصرهم عبر مشروعات “تكافل وكرامة” المدعومة بقواعد بيانات دقيقة، تبدو ليبيا وكأنها تسير في الاتجاه المعاكس، نحو مزيد من الضبابية الإحصائية. إن صرخة الأضاحي هي بداية الوعي بأن “العدّ” هو أول خطوات “العدل”.

خارطة طريق نحو الإحصاء: من طوابير اللحم إلى طوابير التسجيل

لن يكون الخروج من هذا المأزق سهلاً، ولكنه ممكن إذا ما تم التعامل مع الإحصاء السكاني ليس كمشروع إداري، بل كمشروع سيادي وطني جامع، على غرار المصالحات الكبرى.

الخطوة الأولى هي إدراك أن تكلفة عدم إجراء الإحصاء، والمقدرة بمليارات الدولارات من التسرب في الدعم وضياع فرص التنمية، تفوق بكثير تكلفة إجراء تعداد وطني شامل. إن تنظيم تعداد سكاني في ليبيا يحتاج إلى تسوية سياسية تعتبر بطاقة “الترقيم الوطني” خطاً أحمر لا يخضع للمساومات.

يجب أن تسبق العملية الإحصائية حملة توعوية ضخمة تربط بين حصول المواطن على الخدمات ووجوده في السجل الوطني، مما يحول دون مقاطعة أي جهة للإحصاء.

من منظور “تكتيكال ريبورت”، يمكن تقسيم عملية الإنقاذ الإحصائي إلى ثلاث مراحل. الأولى هي مرحلة “الحصر الجغرافي” باستخدام صور الأقمار الصناعية والطائرات بدون طيار لرسم خرائط دقيقة للتجمعات السكنية، خاصة في الجنوب حيث يصعب الوصول.

المرحلة الثانية هي “الربط البيني”، أي إنشاء منصة رقمية موحدة تربط بين وزارات الداخلية والصحة والمالية والتموين، بحيث يتحول رقم السجل المدني إلى مفتاح للحصول على كل شيء، من العلاج إلى الأضحية. المرحلة الثالثة هي “التحقق المجتمعي”، عبر إشراك المجالس البلدية والأعيان في تدقيق البيانات لضمان عدم تكرار أو تزوير السجلات.

ختاماً، ما قاله الخبير المصرفي امراجع غيث ليس جديداً، لكنه اكتسب هذه المرة زخماً لأن المواطن شعر بأن غياب الإحصاء لم يعد مسألة نظرية، بل حرمه قطعة لحم في يوم عيد. إن إعادة بناء الدولة الليبية يجب أن تبدأ من “العدّ”.

فقبل الحديث عن الدستور، وقبل توزيع المناصب السيادية، وقبل مناقشة الميزانيات النفطية، على ليبيا أن تجيب على السؤال الأكثر بدائية: كم يبلغ عددنا؟ ومن نحن؟ وأين نقيم؟ هذه الأسئلة التي تبدو بسيطة تحمل في طياتها الإجابة عن كل الأزمات الليبية المعقدة.

فالدولة التي لا تعدّ مواطنيها لا يمكنها أن تدافع عنهم، ولا أن تطعمهم، ولا أن تحلم بمستقبل لهم. وما لم تتحول دماء الأضاحي إلى حبر إحصاء وطني، ستبقى ليبيا تدور في حلقة مفرغة من الرفاه الزائف والفقر المدقع، بانتظار أن ينفد النفط أو ينفجر المجتمع، أيهما أقرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى