التهرب الضريبي في ليبيا يفاقم تحديات الاقتصاد ويحد من تنويع الإيرادات
خبراء يدعون إلى إصلاحات تشريعية ورقمية لتعزيز العدالة الضريبية ورفع كفاءة التحصيل

تواجه ليبيا تحديات متزايدة في ملف التهرب الضريبي، وسط تحذيرات من تأثير الظاهرة على قدرة الدولة في تعزيز مواردها غير النفطية، في ظل استمرار الاعتماد الكبير على العائدات النفطية كمصدر رئيسي للإيرادات العامة.
ويرى مختصون أن التهرب الضريبي أصبح من أبرز الإشكالات التي تواجه الاقتصاد الليبي، نتيجة تداخل عوامل مؤسسية وتشريعية وإدارية ساهمت في إضعاف كفاءة منظومة التحصيل، ووسعت الفجوة بين المكلفين والإدارة الضريبية.
.
بيئة اقتصادية معقدة تعزز الظاهرة
يشير خبراء اقتصاديون إلى أن ضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي المستمر منذ سنوات أوجدا بيئة معقدة ساهمت في اتساع نطاق التهرب الضريبي والجمركي، إلى جانب انتشار الاقتصاد الموازي وصعوبة فرض رقابة فعالة على الأنشطة التجارية والمالية.
كما تواجه الجهات المعنية تحديات مرتبطة بانتشار الفواتير المزورة والإقرارات المالية غير الدقيقة، الأمر الذي يضعف قدرة المنظومة الضريبية على التحقق من حجم الأنشطة الاقتصادية الحقيقية، ويؤثر على كفاءة التحصيل المالي.
وتعكس مؤشرات الفساد المتأخرة التي سجلتها ليبيا خلال السنوات الأخيرة استمرار التحديات المرتبطة بالنزاهة الإدارية والرقابة المالية، بما يحد من فعالية الإصلاحات الاقتصادية والمالية.
ضعف الثقة وتعقيد الإجراءات
وتشير دراسات أكاديمية إلى أن تعقيد النظام الضريبي وضعف الثقة بين المكلفين والإدارة الضريبية يمثلان من أبرز أسباب التهرب، إضافة إلى غياب الوعي الضريبي لدى شريحة واسعة من العاملين في الأنشطة الاقتصادية المختلفة.
كما يرى مختصون في القانون والاقتصاد أن بعض آليات التقدير الضريبي تساهم في زيادة الضغوط على أصحاب الأعمال، لا سيما في القطاع الخاص، وهو ما يدفع بعض المكلفين إلى تجنب الالتزام الضريبي نتيجة الشعور بغياب العدالة في التقديرات المالية.
ويؤكد باحثون أن استمرار الاعتماد على إجراءات تقليدية وتشريعات قديمة لا ينسجم مع طبيعة التحولات الاقتصادية الحالية، خاصة مع توسع الأنشطة التجارية والخدمية وتغير طبيعة السوق الليبية خلال السنوات الماضية.
إصلاحات هيكلية وحلول مقترحة
يدعو أكاديميون وخبراء إلى تبني إصلاحات شاملة لمعالجة جذور الأزمة، تشمل تحديث التشريعات الضريبية وتبسيط الإجراءات الإدارية وتطوير الأنظمة المحاسبية، بما يعزز الشفافية ويرفع كفاءة التحصيل.
كما تبرز الدعوات إلى تسريع التحول الرقمي في المنظومة الضريبية، وتوسيع خدمات الدفع الإلكتروني، وربط قواعد البيانات المالية والتجارية، بهدف تقليص فرص التلاعب وتحسين عمليات المتابعة والتدقيق.
ويرى مختصون أن بناء علاقة أكثر توازناً بين الإدارة الضريبية والمكلفين يتطلب تعزيز العدالة الضريبية وتوفير ضمانات قانونية أوضح للممولين، إلى جانب تكثيف برامج التوعية الضريبية ورفع كفاءة الكوادر المختصة.
ويؤكد مراقبون أن الحد من التهرب الضريبي يرتبط أيضاً بقدرة ليبيا على بناء مؤسسات أكثر استقراراً وفعالية، بما يدعم جهود تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر شبه وحيد للإيرادات العامة.



