انهيار الأمن في الزاوية يفضح فشل حكومة الدبيبة والدعوات إلى إسقاطها تتصاعد
ستة قتلى في الزاوية والحكومة المؤقتة تتخبط في عجزها
ليبيا 24:
فوضى الزاوية تكشف هشاشة سلطة حكومة الدبيبة منتهية الولاية
لا تحتاج المدن التي تعيش على فوهة بركان من السلاح المنفلت والتوازنات الهشة إلى أكثر من شرارة صغيرة كي تنزلق إلى حمام دم يهدد النسيج الاجتماعي برمته.
هذا بالضبط ما جرى في مدينة الزاوية، حيث تحولت الشوارع خلال الساعات الأخيرة إلى مسرح لمواجهات مسلحة بين فصائل متنافسة، أسفرت عن مقتل ستة شبان على الأقل وإصابة آخرين، في مشهد أعاد إلى الواجهة السؤال المرير: كيف لدولة تدّعي وجود حكومة أن تعجز عن حماية مواطنيها في مدينة تبعد نصف ساعة عن مقر مجلس وزرائها؟
في هذا التحقيق الميداني نكشف تفاصيل ما جرى في الزاوية، ونستمع إلى آراء المواطنين الذين يدفعون ثمن الفشل الحكومي، ونضع تحت المجهر حكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية التي يقف الليبيون اليوم على أطلال وعودها.
الزاوية تشتعل: جردة حساب ميدانية
منذ ساعات الصباح الأولى، دوّت أصوات الرصاص في أحياء الزاوية السكنية، وسُمع دوي قذائف وأسلحة متوسطة في شارع الحاجة وضواحيه، حيث تحولت الطرقات إلى ساحات كر وفر بين تشكيلات مسلحة تتبع جهات نافذة داخل المشهد السياسي الهش غرب البلاد.
وأفاد شهود عيان بأن سحب الدخان تصاعدت من عدة مواقع، بينما هرعت سيارات الإسعاف وسط صعوبات جمة للوصول إلى المصابين بفعل استمرار تبادل إطلاق النار.
وقال الحاج إبراهيم الزواوي، وهو صاحب مخبز في شارع عمر المختار: «استيقظنا على أصوات لم نعهدها منذ حرب 2019. أغلقت محلي وأخفيت أطفالي في دهليز البيت. لا شرطة ولا جيش، فقط ميليشيات تتصارع ومن يدفع الثمن هو المواطن البسيط أين حكومة الدبيبة التي أقسمت على حمايتنا؟».
وفي مشهد يعكس حجم الانهيار الأمني، خرج عناصر مما يُعرف بـ«قوة الإسناد الأولى» التابعة لآمر «جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» المنضوي تحت حكومة الدبيبة، ليعلنوا مقتل أحد مقاتليهم، ويدينوا ما وصفوه بـ«اعتداء إجرامي غادر» على يد قوات موالية لخصمهم علي فرحات.
وهنا المفارقة القاتلة: التشكيلات التي تتقاتل اليوم في شوارع الزاوية تتلقى مرتبات من خزينة الدولة وتعمل تحت مظلة أجهزة تتبع رسمياً حكومة الدبيبة، ما يعني أن الحكومة تمول طرفي النزاع فيما يقف المواطن أعزل بينهما.
ستة شبان وعيد يتحول إلى مأتم
لم تكن الحصيلة مجرد رقم في نشرات الأخبار. مقتل ستة شبان في العشر الأوائل من ذي الحجة، قبيل عيد الأضحى، حوّل الزاوية إلى مدينة تبكي فلذات أكبادها.
نقيب الصحفيين الليبيين منصور الأحرش عبّر عن غضب الشارع في تصريح نُشر على نطاق واسع، قال فيه: «عندما يُقتل ستة شباب في عمر الزهور وعلى أبواب العيد وفي مدينة بحجم الزاوية، تأكد أن الحكومة التي تقع الزاوية ضمن سلطتها فاسدة وعاجزة عن حماية المواطنين.
ميزانية وزارتي الداخلية والدفاع بالمليارات، والزاوية لا تبعد إلا كيلومترات قليلة عن العاصمة. الأجهزة الأمنية في المدينة تتلقى الدعم والعهد المالية من هذه الحكومة، ومع ذلك يخرج علينا مسؤول ليصف المدينة بالمارقة. الحكومة هي المارقة والفاسدة والعاجزة، وأمامها خياران: أن تؤدي دورها أو تُستأصل».
المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا أصدرت بياناً شديد اللهجة دانت فيه عمليات القتل خارج نطاق القانون، مشيرة إلى أن «تصاعد معدلات الاختطاف والاعتقال التعسفي والتصفية الجسدية في الزاوية وضواحيها هو نتيجة مباشرة لفشل وزارة الداخلية في أداء واجباتها، وتمكينها للخارجين عن القانون من فرض منطق الرصاص على حساب هيبة الدولة».
حكومة منتهية الصلاحية: من الفشل الأمني إلى الفساد الممنهج
بعيداً عن البيانات الدبلوماسية، يتحدث الليبيون في مقاهيهم وأسواقهم عن حكومة باتت تعرف بـ«حكومة الدبيبة» وكأنها كيان مستقل عن الدولة، لا يمتلك شرعية دستورية ولا قدرة فعلية على فرض الأمن.
عبد الحكيم بعيو، المترشح لرئاسة الحكومة الجديدة، كان واضحاً حين قال: «نُحمّل الحكومة مسؤولية اشتباكات الزاوية. حكومة لا تستطيع تأمين 30 كيلومتراً ولا تأمين مقارها، لا تستحق أن تُسمى حكومة».
وفي تصريح أشد وطأة، وصفت وزيرة الشؤون الاجتماعية السابقة بحكومة الإنقاذ، سميرة الفرجاني، إدارة الدبيبة بأنها «أكبر مصيبة ابتليت بها ليبيا»، متهمة إياها بالعبث بمقدرات البلاد وإهدار أموالها في مشاريع وهمية «تصب قطرتين مطر تبان عوراتها»، على حد تعبيرها.
وأضافت الفرجاني أن الدبيبة «مستعد لفعل أي شيء من أجل إرضاء الخارج، حتى منح الجنسية الليبية لمن هب ودب، في وقت يئن فيه المواطن من انقطاع السيولة وارتفاع الأسعار».
هذه التصريحات لا تصدر من فراغ، بل تستند إلى أرضية من الغضب الشعبي المتصاعد في مدن الغرب الليبي، حيث يشعر السكان أن حكومة طرابلس تحولت إلى أداة لتمكين شبكات فساد عابرة للحدود، فيما تُرك المواطن فريسة للانفلات الأمني.
الاقتصاد الأسود وقود الحرب الأهلية المصغرة
يرى المحلل الأمني فيصل أبو الرايقة، في تصريحات صحفية رصدتها ليبيا 24، أن فوضى الميليشيات في الزاوية «ملف شديد التعقيد تداخلت فيه عوامل داخلية وخارجية رسخت نفوذ الفصائل المسلحة في ظل هشاشة سيطرة السلطات».
ويضيف أبو الرايقة أن «مدينة الزاوية تحوي شبكات واسعة لتهريب النفط والبشر تستفيد من حالة الانفلات القائم، وهذه الشبكات باتت أكثر قوة من أي جهاز رقابي حكومي».
الزاوية ليست مدينة عادية؛ فهي تحتضن أكبر مصفاة نفطية عاملة في ليبيا، وتقع على الطريق الساحلي الدولي الذي يربط العاصمة بمعبر رأس جدير الحدودي مع تونس، مما يجعلها شرياناً حيوياً لتهريب الوقود المدعوم والممنوعات والبشر.
هذه الثروة الهائلة جعلت المدينة ساحة لصراع محموم بين مافيات مسلحة تتنكر في أثواب أجهزة أمنية، تتلقى رواتب من خزينة الدولة فيما تدير موانئ غير شرعية ومستودعات وقود خارج سيطرة المؤسسة الوطنية للنفط.
ويؤكد مراقبون أن استمرار هذا الوضع لا يمكن أن يتم دون غطاء سياسي من حكومة لا تريد، أو لا تستطيع، أن تعض على يد الفساد الذي يغذي بقاءها في السلطة.
صوت الشارع: «حياتنا أصبحت رهينة الفوضى»
في جولة ميدانية بأحياء الزاوية، التقت «ليبيا 24» عدداً من المواطنين الذين عبروا عن مزيج من الخوف والغضب والإحباط.
نورة الشاوش، معلمة في مدرسة الشهيد الصداعي، قالت والدموع تخنق صوتها: «كل ليلة ننام على صوت الرصاص، وكل صباح نستيقظ على خبر مقتل شاب جديد.
أبناؤنا لم يعودوا يذهبون إلى المدارس بانتظام، ونحن النساء نخشى الخروج لشراء الخبز. أين الدولة؟ أين الحكومة التي تتحدث عنها نشرات الأخبار؟».
أما علي الفيتوري، سائق سيارة أجرة، فكان أكثر صراحة: «الدبيبة وحكومته لا يروننا إلا أرقاماً في صفقات النفط والميزانيات. لو كانوا صادقين لأغلقوا معسكرات الميليشيات وليس الطرقات. كل يوم يُقتل شاب، وكل يوم يقولون إن الوضع تحت السيطرة. كذب في كذب».
الشاب خالد البرعصي، الناشط المدني، أضاف بعداً آخر: «المشكلة ليست فقط في الرصاص، بل في انهيار كل شيء. المستشفيات فارغة من الأدوية، والمياه مقطوعة أياماً، والكهرباء تذهب ساعات طويلة. في المقابل، نرى مسؤولين في طرابلس يتباهون بافتتاح فنادق ومطاعم فاخرة. أي تناقض هذا؟».
هذه الشهادات الميدانية ترسم صورة قاتمة لحياة الليبيين تحت حكم حكومة منتهية الولاية، حيث تزداد الفجوة بين خطاب المسؤولين ومعاناة المواطنين يوماً بعد يوم.
العبث بالمؤسسة العسكرية: قصة تفكيك متعمد
في قلب انهيار الأمن في الزاوية تكمن معضلة وطنية أكبر: تعطيل مشروع توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
المحلل العسكري محمد الترهوني كشف، في تصريحات صحفية طالعتها «ليبيا 24»، عن وجود توافق دولي متزايد على ضرورة إنهاء الانقسام العسكري، لكنه أكد أن العائق الرئيسي في غرب البلاد يتمثل في «تيار الإسلام السياسي المدعوم من مفتي غرب البلاد، الصادق الغرياني»، مضيفاً أن «التكتلات المسلحة في الزاوية ومصراتة ترفض بصورة كبيرة مشروع توحيد الجيش، لأن ذلك يعني نهاية نفوذ الميليشيات التي سيطرت على موارد الدولة ومعيشة المواطنين طوال السنوات الماضية».
هذا التحليل يضع حكومة الدبيبة في زاوية حرجة للغاية: فإما أنها غير قادرة على كبح جماح هذه الميليشيات، ما يعني أنها حكومة شكلية لا تملك قرارها، وإما أنها شريكة في هذا النفوذ وتستخدم هذه التشكيلات لحماية وجودها السياسي على حساب أمن الليبيين.
وفي كلا الحالتين، فإن المواطن هو الضحية التي تدفع فاتورة الدم يومياً.
الحلول المطروحة: اجتماعات لا تُغني من جوع
أمام هذا المشهد الدموي، دعا المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم إلى «اجتماع عاجل في مقر مديرية أمن الزاوية يضم أعضاء مجلسي النواب والدولة عن المدينة، والقيادات الأمنية والعسكرية، وعمداء بلديات الزاوية الكبرى، لوضع خطة أمنية واضحة».
ودعا الزقم حكومة الوحدة إلى «تحمل مسؤولياتها الوطنية تجاه الزاوية، وعدم تركها ساحة مفتوحة للحروب وتجار الممنوعات».
لكن تساؤلات كثيرة تطرح نفسها هنا: أي خطة أمنية يمكن أن تنجح في ظل حكومة لا تسيطر أصلاً على الأجهزة الأمنية التي يُفترض أن تنفذ هذه الخطة؟ وأي مصداقية لحكومة يقول عنها فتحي الشبلي، رئيس حزب صوت الشعب، إن «المدن التي تعيش حالة سلاح منفلت وتوازنات هشة مثل الزاوية، لا تحتاج إلى معركة كبيرة كي تنفجر، بل يكفي حادث اغتيال أو ثأر أو تصفية غامضة لتتحول القضية إلى مسألة كرامة ونفوذ وانتقام، وتصبح ردود الفعل أسرع من قدرة الدولة على الاحتواء»؟.
الشبلي أشار إلى أن «الزاوية منذ سنوات تعيش تراكماً معقداً من الصراع على النفوذ بين التشكيلات المسلحة، وتداخل بين الأمني والاقتصادي والتهريب، في ظل غياب مؤسسة أمنية موحدة قادرة على فرض القانون».
ويخلص إلى نتيجة بات يرددها كثيرون: «ما يحدث لا يمكن اختزاله في صراع تهريب أو تنافس تقليدي، بل هو انفجار لغضب مجتمعي واحتقان كامن غذته حكومة لا تملك رؤية ولا شرعية ولا إرادة».
بين مطرقة البعثة الأممية وسندان الواقع
في غضون ذلك، أعربت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن «قلقها البالغ إزاء تقارير الحشود العسكرية المتزايدة في الزاوية ومحيطها»، محذرة من «انزلاق المنطقة نحو موجة عنف جديدة».
ودعت البعثة جميع الأطراف إلى «ممارسة أقصى درجات ضبط النفس» وحماية المدنيين.
بيد أن هذه الدعوات، على أهميتها، تظل حبراً على ورق ما لم تقترن بضغط حقيقي على حكومة الأمر الواقع في طرابلس، التي أثبتت الأيام أنها تستثمر في الفوضى لتبرير بقائها.
فبينما تتحدث تقارير الأمم المتحدة عن «تهديد مباشر لسيادة القانون»، يواصل مسلحو «جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» و«قوة الإسناد الأولى» التحرك بأريحية في شوارع الزاوية، متذرعين بأوامر عليا، فيما يتلقى المواطن رسائل متناقضة: الحكومة تدين الاشتباكات، وأجهزتها تشارك فيها.
منظور معارض: حان وقت الاقتلاع
أمام هذا الكم من الشهادات والتصريحات، ثمة إجماع متزايد في الشارع الليبي على أن حكومة الدبيبة تجاوزت كل الخطوط الحمراء، وأن بقاءها لم يعد مجرد أزمة سياسية، بل تهديد وجودي للسلم الأهلي والنسيج الاجتماعي.
منصور الأحرش لخص هذا الموقف بقوله: «ليس أمام الحكومة إلا أن تؤدي دورها أو تستقيل أو يتم اقتلاعها، وإلا سيستمر حمام الدم في الزاوية إلى أن تحدث معجزة».
في الأفق، تبدو صورة المشهد الليبي أكثر قتامة: حكومة فاقدة للشرعية تعتمد على ميليشيات متناحرة لحراسة نفوذها، ومدن بأكملها تئن تحت وطأة اقتصاد الموت، ومواطنون يبحثون عن دولة اختفت خلف سحب الدخان المتصاعدة من مصفاة الزاوية.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الزاوية ستنفجر، بل متى سيمتد لهيبها إلى قلب العاصمة التي ترقص على حافة الهاوية.



