ليبيا

التعليم وصناعة الإنسان: هل نُعد أبناءنا لوظائف الأمس أم لمهن المستقبل؟

ثروة ليبيا ليست النفط بل العقول القادرة على الابتكار

ليبيا 24:

·إعداد الإنسان لمهن الغد يتطلب ثورة تعليمية شاملة عاجلة

في خضم السباق العالمي المحموم نحو اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي، يقف العالم النامي، وليبيا في قلبه، على مفترق طرق وجودي. فبينما تتصاعد الاستثمارات في الرقمنة والأمن السيبراني والطاقة المتجددة، لا تزال أنظمة تعليمية بأكملها تُنتج أجيالاً صُممت عقولهم لوظائف القرن العشرين.

من وسط هذه الفجوة الاستراتيجية، يطل وزير الاقتصاد والصناعة السابق منير عصر بطرح لا يحتمل التأجيل، مفاده أن صياغة الإنسان المؤهل القادر على الابتكار هي أم المعارك التنموية، وأن أي حديث عن النهضة يظل أجوف ما لم يُترجم في صلب المناهج والمختبرات ومراكز التدريب.

فجوة المهارات: حين يتخرج الآلاف دون أن تجدهم سوق العمل

في تحليله الذي يجمع بين جرأة الخبير الاقتصادي وواقعية صانع القرار، يشخص منير عصر المأزق الليبي الراهن بدقة لافتة.

ففي الوقت الذي تشير فيه تقديرات دولية إلى أن ما يتجاوز نصف الوظائف الحالية مرشح للتحول الجذري أو الاندثار بفعل الأتمتة، ترفد الجامعات سوق العمل بتخصصات لا تمتلك طلباً كافياً ولا ترتبط عضوياً بمحركات الاقتصاد الحقيقي.

ويظهر التناقض صارخاً بين قوائم المهارات المطلوبة، التي تتصدرها البرمجة وتحليل البيانات وهندسة الطاقة الشمسية وتقنيات المياه، وبين طوابير الخريجين المتعطّلين.

 هذه الفجوة لا تُفسر فقط بضعف التخطيط، بل بفلسفة تعليمية ظلت تراهن على الحفظ والتلقين وإعادة إنتاج المعرفة، في عصر أصبحت فيه القدرة على إعادة تشكيل المعرفة هي العملة الأصعب.

من عقلية الريع إلى عقلية الابتكار: تحول استراتيجي في تعريف الثروة

ينطلق عصر من قاعدة فكرية صلبة، كثيراً ما تتبناها أدبيات التنمية المتقدمة لكنها نادراً ما تترسخ في سياسات الدول الريعية، وهي أن الثروة الطبيعية ليست قدراً بل منصة إقلاع مؤقتة.

الدول التي نهضت، من سنغافورة إلى فنلندا، لم تملك نفطاً ولا غازاً، بل امتلكت قدرة استثنائية على تحويل أبنائها إلى منتجين للحلول.

وعندما يقول عصر إن “الثروة الحقيقية ليست ما تملكه من موارد، بل ما تملكه من إنسان مؤهل”، فهو لا يمارس البلاغة التحفيزية، بل يوجّه ضربة تحليلية لعقلية الريع التي ترى في النفط غاية وفي الوظيفة الحكومية مصيراً.

التحوّل الذي يطرحه الوزير السابق يتطلب انقلاباً ذهنياً: الانتقال من عقلية توزيع الثروة إلى عقلية استثمار الموهبة.

التعليم التقني والمهني: استعادة العمود الفقري المفقود

إحدى الركائز التي يبني عليها منير عصر تصوره للنهضة التعليمية هي إعادة الاعتبار للتعليم التقني والمهني.

ففي الاقتصادات الصناعية الكبرى، يُشكّل الفني الماهر العمود الفقري للإنتاجية، بينما لا تزال النظرة المجتمعية في كثير من البلدان العربية تختزل النجاح في الشهادة الجامعية وحدها.

ويحذّر عصر من أن هذا التحيز الثقافي الباهظ الكلفة يحرم أسواق العمل من كفاءات هي أشد ما تكون حاجة إليها في قطاعات الطاقة المتجددة والصناعات الغذائية والتقنيات الزراعية والخدمات اللوجستية.

إن النموذج الذي يسوق له لا يفصل بين المسارين الأكاديمي والتقني، بل يدمجهما في خريطة تعليمية واحدة، حيث يلتحق الطالب بالبرنامج الذي تتطلبه موهبته واحتياجات الاقتصاد، لا الذي تمليه مكانة اجتماعية متوهمة.

اكتشاف المواهب مبكراً: ماذا لو لم يكن كل طالب مشروع طبيب؟

يذهب عصر إلى ما هو أبعد من إصلاح المناهج، ليقتحم منطقة مبكرة وحساسة هي اكتشاف المواهب في المراحل الدراسية الأولى.

 صحيح أن الطب والهندسة تخصصان نبيلان، لكن إصرار المجتمعات على دفع كل طالب نحوهما يحوّل المدارس إلى مصانع إحباط.

فثمة من يمتلك ذكاءً يدوياً متقدماً، وآخر يبرع في التصميم، وثالث يمتلك حساً إدارياً نادراً.

الدولة الذكية، في رؤية عصر، هي التي تستثمر في أدوات التوجيه والقياس النفسي والمهني منذ الصغر، فتقدّم لكل طفل المسار الذي يليق بقدراته، قبل أن تبتلعه البطالة أو يلتهمه الإحباط.

الجامعة كمركز للحلول: أبحاث لا شهادات

لا تقف رؤية عصر عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى الجامعة التي يريدها أن تتحول من مصنع للشهادات إلى مختبر للحلول. في ليبيا، حيث تتعاظم التحديات في قطاعات المياه والزراعة والصحة والبيئة، ينبغي أن تكون أولويات البحث العلمي منبثقة من هذه الملفات تحديداً.

جامعة تمنح آلاف الشهادات في تخصصات نظرية بينما تتفاقم مشكلة المياه الجوفية، أو تتدهور شبكات الطاقة، أو تتراجع الإنتاجية الزراعية، هي جامعة خارج الزمن.

أما الجامعة التي ينشدها عصر فهي تلك التي تنتج براءة اختراع في تحلية المياه، وتُسهم في تطوير بذور مقاومة للجفاف، وتقدم استشارات تقنية لتحسين كفاءة الموانئ والخدمات اللوجستية.

بهذا فقط تصبح الجامعة شريكاً في الإنتاج لا مستهلكاً للموازنات.

مهن المستقبل: خريطة طريق تغفلها المناهج

يرسم عصر قائمة واضحة المعالم لمهن المستقبل التي تنتظر الاقتصاد الليبي، وتشمل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات الضخمة وإدارة الموارد المائية والطاقة المتجددة والزراعة الذكية والاقتصاد البحري.

المشكلة ليست في غياب هذه المهن عن سوق العمل، بل في غيابها شبه الكامل عن عقول المخططين التربويين.

 ففيما تُدخل دول نامية مناظرة تخصصات الأمن السيبراني والحوسبة السحابية وهندسة النظم البيئية في مناهجها الثانوية، لا تزال مواد الحفظ التقليدية تستنزف ساعات التلاميذ. هذه الفجوة في الرؤية، إن استمرت، ستحوّل ليبيا إلى مستورد أبدي للكفاءات، بينما يقف أبناؤها على أرصفة الهجرة أو البطالة.

ربط التخطيط التعليمي بالأمن القومي الاقتصادي

المحور الأخطر في رؤية منير عصر هو فكّ الارتهان القائم بين التعليم وانتظار الوظيفة الحكومية. فعلى مدى عقود، كرّست الدولة الليبية، مثل نظيراتها الريعية، علاقة غير صحية يصبح فيها المواطن متلقياً سلبياً للثروة، لا منتجاً لها.

وكسر هذه الحلقة يتطلب، في نظر عصر، ميثاقاً وطنياً للتعليم يربط التخطيط التعليمي بالتخطيط الاقتصادي ربطاً عضوياً، بحيث لا تنعزل وزارة التعليم عن وزارتي الاقتصاد والعمل، وحيث تصبح احتياجات السوق المستقبلية هي البوصلة الوحيدة لتحديد أعداد المقبولين في التخصصات الجامعية والمهنية.

هذا التوجه لا يُلغي حرية الاختيار الفردي، لكنه يضعها في إطار معلوماتي واقتصادي واضح، يجنب الشباب مصيدة التخصصات المشبعة ويوجّه طاقاتهم حيث الحاجة الحقيقية.

الإنسان أولاً وأخيراً

لا يقدّم منير عصر مجرد وصفات تقنية لإصلاح التعليم، بل يطرح سؤالاً وجودياً عن ماهية التنمية ذاتها. المباني تُشيَّد في أعوام، والمعدات تُشترى بالمال، أما الإنسان القادر على الابتكار والتكيف فيحتاج إلى رؤية طويلة النفس وإرادة سياسية لا تنكسر عند أول منعطف.

إن أخطر ما في الأطروحة التي يدافع عنها هو أنها تكشف عن مأزق زمني: فالتعليم الذي نمنحه لأطفالنا اليوم هو الذي سيحدد موقع ليبيا في خريطة القوة والثروة بعد عشرين أو ثلاثين عاماً.

وحينها، لن يكون النفط هو الفارق، بل العقول التي صُنعت بصبر، والمهارات التي بُنيت بوعي، والإنسان الذي صار، لا ما أكله أو لبسه، أعظم ثروة يمتلكها الوطن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى