ونيس: منظومة دعم الوقود تحولت إلى استنزاف وتمويل للتهريب والميليشيات
ونيس: إرث الماضي يجب إغلاقه والاتجاه نحو المستقبل بذهنية جديدة
ليبيا 24
في إحاطة تحليلية متعددة الأبعاد، صاغ عضو المجلس الأعلى للدولة سعيد ونيس، رؤية مترابطة للملفات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تحبس أنفاس الدولة الليبية، محذراً من استمرار النماذج القائمة التي حوّلت الموارد العامة إلى غنائم، ومطالباً بقطيعة مع الذهنيات السياسية القديمة لصالح مشروع وطني جديد يقوم على المؤسسات والمواطنة والمشاركة.
فخ دعم الوقود: من أداة اجتماعية إلى رئة للتمويل الموازي
يبدأ ونيس من ملف يلامس الحياة اليومية للمواطن، لكنه يغوص في جذوره العميقة. فالمناقشات الجارية داخل مجلس التطوير الاقتصادي والاجتماعي، كما يوضح، تناولت أغلب الملفات الاقتصادية والاجتماعية، غير أن ثمة قناعة راسخة لديه بأن ملف دعم الوقود لا يمكن أن يكون قد أُغفل أو استُبعد.
فهو يرى أن “منظومة الدعم الحالية لا تنعكس إيجاباً على حياة المواطنين بالقدر المأمول، بقدر ما تحولت إلى مصدر استنزاف للموارد العامة، وإلى منفعة كبيرة لشبكات التهريب وبعض التشكيلات المسلحة التي تعتمد على تهريب الوقود كمصدر تمويل رئيسي”.
هذه المعادلة المرة، كما يشير ونيس، تجعل الدعم موجهاً بالدرجة الأولى إلى الاقتصاد غير الرسمي وإلى جهات خارجة عن سيطرة الدولة، في وقت يدفع فيه المواطن الثمن عبر تآكل الخدمات وغياب التنمية.
ويطرح تساؤلاً استراتيجياً: “هل أصدر المجلس دراسة واقعية ودقيقة حول ملف دعم الوقود، وآثاره الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، والبدائل الممكنة لمعالجة هذا الملف؟”. السؤال في حد ذاته يمثل دعوة مبطنة لإعادة تعريف مفهوم الدعم، بحيث لا يتحول إلى أداة تمكين للاقتصاد الموازي على حساب الاقتصاد الوطني.
ويضيف المحللون أن تصريحات ونيس تنسجم مع تقديرات دولية ترى في اختلالات دعم الطاقة الليبية أحد أكبر معوقات الانتعاش المالي، حيث تتجاوز كلفة الدعم الضمني مليارات الدولارات سنوياً، يتسرب معظمها عبر الحدود أو يغذي بنى اقتصادية لا تخضع للمساءلة.
إقصاء محمد عون: حين تنتصر شبكات الفساد على أحكام القضاء
في انتقال نوعي من التشخيص الاقتصادي إلى فضح الآليات السياسية للفساد، يوجّه ونيس اتهاماً صريحاً إلى إجراءات هيئة الرقابة الإدارية. يقول: “أكبر دعم تم تقديمه لمافيا الفساد هو إيقاف محمد عون وزير النفط بحكومة الدبيبة منتهية الولاية عن العمل وعدم إعادته حتى بعد حصوله على أحكام قضائية”. العبارة لا تكتفي بنقد قرار إداري، بل تكشف عن بنية مصالح عميقة تجد في استمرار الفراغ على رأس أهم قطاع اقتصادي في البلاد غطاءً مثالياً لإعادة توجيه الإيرادات بعيداً عن خزينة الدولة.
وتشير متابعات ليبيا 24 إلى أن محمد عون كان قد خاض معارك قانونية وإجرائية عدة بشأن شفافية العقود النفطية وإعادة هيكلة المؤسسة الوطنية للنفط. وعودته المحتملة، وفق قراءة ونيس، تعني فتح ملفات قد تكشف تضارباً في المصالح يطال مراكز نفوذ متعددة، وهو ما جعل إقصاءه يحظى بدعم غير معلن من أطراف مستفيدة من الوضع القائم.
وفي هذا السياق، تبدو عبارة “إنجازات هيئة الرقابة الإدارية في مكافحة الفساد” محملة بسخرية لاذعة تفضح الفجوة بين الخطاب المؤسسي والممارسة الفعلية.
صندوق التنمية الصناعية: هندسة تشريعية لسد الفجوة بين القطاعين العام والخاص
بعيداً عن منطق المحاصصة، يلفت ونيس إلى بارقة أمل تشريعية تتمثل في صندوق التنمية الصناعية ومساره الاستشاري والتشريعي. يقول: “يُعدّ خطوة مهمة لسد فجوة تشريعية في تنظيم العلاقة بين القطاعين العام والخاص، وتعزيز الحوكمة والشفافية في تشغيله ليس مجرد مسار اقتصادي فحسب، بل ضرورة سيادية للانتقال بالدولة إلى نموذج اقتصادي مرن، قابل للنمو والتطور”.
هذا الطرح يبتعد عن الرؤية الريعية التقليدية التي تعتبر النفط المصدر الوحيد للدخل، ليفتح الباب أمام اقتصاد متنوع تكون فيه الصناعة أحد روافد الإنتاج الحقيقية. غير أن التنفيذ، كما تدرك أوساط اقتصادية ليبية، يظل رهيناً بمدى قدرة المؤسسات على فرض معايير الحوكمة في بيئة مشبعة بتضارب المصالح.
ويُقرأ تأكيد ونيس على البعد السيادي للصندوق بوصفه محاولة لانتزاع أي نقاش تنموي من التجاذبات السياسية الضيقة.
مأزف فبراير: جدلية القطيعة مع الماضي واستعصاء الحاضر
ينتقل ونيس إلى تفكيك الإرث السياسي الأكثر تعقيداً. فهو يرى أن “الذهنية الوليدية تائهة بين حقيقتين: حقيقة ضرورات ومستوجبات التغيير في ذلك اليوم، وحقيقة نتائج وعواقب ذلك التغيير في واقعنا اليوم”.
في هذه الرؤية، لم يعد الانقسام قائماً بين مؤيد ومعارض للتغيير الذي حدث في فبراير، بل بين من يريد معالجة تداعياته وإغلاقه في سجل التاريخ، ومن يصر على استثماره السياسي.
يقول: “إن الحكمة والعقل يفرضان مواجهة هذا الملف ومعالجته بوعي وإدراك، والعمل على إقفاله وإزاحته من الذهنية الوطنية، ووضعه في سجل التاريخ، مع الاستعداد لمواجهة المستقبل بذهنية أقل فوضى وأكثر صفاءً وقدرة على العمل”.
إنها دعوة إلى مصارحة وطنية تعترف بأن الأوطان “لا تُبنى بالهروب إلى الأمام، بل بمصارحة الذات، وفهم الماضي، والاستفادة من دروسه لصناعة مستقبل أكثر اتزاناً”.
لماذا لا يمكن أن يكون الماضي مشروعاً للمستقبل؟
في تفصيل هذه الرؤية، يشرح ونيس أن المشكلة ليست في أن مشروعاً سياسياً انتهى؛ فكل المشاريع في العالم قابلة للنجاح والفشل. “المشكلة الحقيقية حين يتحول مشروع الدولة إلى ملكية خاصة، ويتحول الوطن إلى مساحة تدار بمنطق الولاء لا بمنطق المؤسسات”.
ويسوق توصيفاً دقيقاً لتجربة الحكم السابق: “قامت التجربة السابقة على فكرة احتكار المجال العام وإلغاء التعددية السياسية والفكرية، حتى أصبح الاختلاف تهمة، والنقد خروجاً عن الصف، والمراجعة ضرباً من ضروب الخيانة”.
ويتابع أن إغلاق أبواب المشاركة الطبيعية يحوّل المجتمع إلى “مجرد جمهور من الأتباع لا مواطنين شركاء في صناعة القرار”، فيما تختزل الدولة في إرادة الفرد، وتتحول المؤسسات إلى هياكل شكلية. والأخطر، برأيه، أن تلك المرحلة رسخت ثقافة التوريث السياسي والفكري، حيث بدا المستقبل امتداداً لدائرة ضيقة لا استحقاقاً وطنياً مفتوحاً.
ويلفت ونيس إلى التناقض الكامن بين الشعارات والممارسة: “بينما رُفعت شعارات السلطة الشعبية، تركز القرار في أضيق نطاق. وبينما رُفعت شعارات الاستقلال والسيادة، تراجعت قدرة المؤسسات على العمل وفق قواعد مستقرة ودائمة. وبينما جرى الحديث عن الجماهير ودورها، غابت الآليات الحقيقية للمساءلة والمحاسبة”.
ويخلص إلى أن الأزمة لم تكن في سقوط النظام وحده، بل في النموذج الذي سبق سقوطه: “نموذج قام على شخصنة السياسة بدل مأسستها، وعلى الولاء بدل الكفاءة، وعلى احتكار المجال العام بدل فتحه أمام المنافسة الوطنية المشروعة”.
المجالس الاجتماعية: عرض لفشل سياسي أم طوق نجاة مجتمعي؟
على صعيد البنى الاجتماعية، يتوقف ونيس عند ظاهرة انتشار المجالس الاجتماعية في المدن الرئيسية، متسائلاً إن كانت “دليلاً على فشل الأحزاب السياسية وأدوات المجتمع الأخرى”.
يرى أن المشاركة الشعبية في إدارة الشأن العام “يجب أن تؤطّر وتطوّر وتنظّم”، معترفاً بأن هذه المجالس تمثل جهداً مهماً حتى وإن اقتصر دورها على الجانب الاجتماعي أولاً، ثم تطور ليشمل ملفات الضمانات والالتزام بتنفيذ التفاهمات.
غير أن الرهان على هذه المجالس وحدها لا يكفي في دولة متشظية. لذلك يطرح فكرة “هيئة دعم وطنية موازية لمهمة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، تكون قادرة على تعزيز التوافقات الوطنية والمساهمة في تثبيت الاستقرار المجتمعي”.
وهي فكرة لا تخلو من جرأة، إذ تسعى إلى بناء أداة ليبية خالصة لتقاسم الأدوار مع البعثة الأممية، بدل البقاء مرهونين بالوساطة الدولية وحدها.
المشروع الوطني البديل: قطيعة مع الغنيمة وبناء للدولة
في خاتمة تقييمه الذي يمزج بين الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، يؤكد ونيس أن “كل مشاريع إدارة الدولة حالياً غير صالحة للاستمرار”، وأنه “لا بد من البحث عن مشروع آخر يتبناه قطب اجتماعي سياسي بديل لكل ما هو موجود على الساحة”. العبارة ليست مجرد توصيف لحالة الانسداد، بل إعلان عن ضرورة إعادة تأسيس المشروع الوطني من خارج الطبقة السياسية التي تدير المرحلة الانتقالية.
ويصر على أن البديل “هو صناعة المستقبل وليس العودة للماضي”، مشدداً على أن الإشارة إلى الماضي تأتي للتأكيد أنه لم يكن نموذجاً مقنعاً يمكن استحضاره كشرط لصناعة المستقبل. إنها رؤية تقوم على “المؤسسات لا الأفراد، والمواطنة لا التبعية، والمشاركة لا الاحتكار”، وتنبذ “تحويل الدولة إلى غنيمة”.
يبقى أن صدى تصريحات سعيد ونيس يتجاوز حدود النخبة إلى الشارع الليبي الذي يختبر يومياً ثمن غياب الدولة، في وقت تتعالى فيه أصوات من مختلف الأطياف تطالب بإنهاء حالة الاستثناء وبناء عقد اجتماعي جديد.
وبين من يرى في هذه التصريحات خريطة طريق واقعية، ومن يقلل من قدرتها على اختراق جدران الجمود السياسي، تظل الأسئلة التي يطرحها مفتوحة على مصراعيها في سماء ليبيا التي تبحث عن يقينها المفقود.



