نحو استراتيجية بديلة لإصلاح دعم المحروقات في ليبيا: تفكيك الهدر ومعالجة التشوهات دون صدمة اجتماعية
أبوسنينة: إصلاح الدعم يبدأ بوقف التهريب وإنهاء دعم الحكومة
ليبيا 24
بطاقات ذكية بدل النقد لضمان وصول الدعم للمواطنين فقط
في قلب الأزمة المتجددة لطوابير الوقود وشح البنزين والديزل التي ضربت مناطق واسعة من ليبيا الأسبوع الماضي، عاد ملف دعم المحروقات إلى صدارة المشهد، متدثراً بخطاب منادٍ برفع الدعم فوراً بوصفه مفتاح الخلاص الوحيد.
غير أن الدكتور محمد أبوسنينة، أحد أبرز المحللين الاقتصاديين الليبيين، طرح عبر منشور مفصل على صفحته في فيسبوك مقاربة مغايرة تستند إلى تفكيك بنية الدعم الحالية وتقويم معطيات الواقع الاقتصادي والأمني، محذراً من حلول مبتسرة قد تؤدي إلى صدمة اجتماعية واقتصادية أشد وطأة من الأزمة ذاتها.
فاتورة تتجاوز الاحتياطيات: حجم الكارثة الصامتة
لا يختلف اثنان على أن إنفاق 60 مليار دينار سنوياً على دعم المحروقات في بلد لا يتجاوز عدد سكانه ثمانية ملايين نسمة يمثل استنزافاً صارخاً للموارد العامة. ووفقاً للمعطيات التي أوردها أبوسنينة، فإن فاتورة استيراد المحروقات تجاوزت 7.8 مليار دولار سنوياً، وسجلت في شهر واحد فقط أكثر من مليار دولار، ما يضغط بقوة على احتياطيات النقد الأجنبي ويهدد استدامة المالية العامة.
والأخطر أن ما بين 20% و40% من هذه الكميات المستوردة يتم تهريبه خارج الحدود، في مشهد يجمع بين الإجرام المنظم والفساد الممنهج، بينما تذهب 43% من الكميات المستوردة لتغذية قطاع الطاقة نفسه، وتستهلك الحكومات والجهات العامة التابعة لها والقطاع الخاص والأفراد نحو 40% مما يتم توزيعه فعلياً. هذه الأرقام تكشف أن أكبر المستفيدين من الدعم ليسوا المواطن البسيط وحده، بل شبكات التهريب وآلة الدولة ذاتها.
تهريب الوقود: ثغرة السيادة المكشوفة
يشكل التهريب المحور الأكثر إيلاماً في المنظومة الحالية، إذ تتسرب الكميات المهربة عبر منافذ حدودية على مرأى ومسمع من السلطات، وتغذي اقتصادات دول الجوار وتدر أرباحاً طائلة بعملات أجنبية على شبكات نافذة.
ويرى أبوسنينة أن تحميل المواطن تبعات إيقاف هذا النزيف، سواء عبر خفض سعر الصرف أو رفع الدعم دون استراتيجية متكاملة، ليس إلا انزلاقاً نحو نتائج عكسية: فخفض قيمة الدينار يضاعف أرباح المهربين بالعملة الصعبة، ويشجعهم على التمادي، ورفع الدعم من دون ضبط المنافذ قد لا يمسهم أصلاً إذا كانوا يحصلون على الوقود من المنبع خارج القنوات الرسمية. وبذلك يصبح شرط استعادة هيبة الدولة على حدودها ومنافذها هو نقطة الانطلاق الإلزامية لأي إصلاح حقيقي.
الأسئلة العشر التي تسبق أي قرار
قبل الانسياق وراء وصفة «رفع الدعم فوراً» التي جرّبتها دول تتمتع بحكومات راتبة وأوضاع أمنية مستقرة، يسوق أبوسنينة عشر أسئلة تشخيصية يجب أن تُطرح على طاولة صانع القرار: من المسؤول الحقيقي عن التهريب وإلى أين تذهب الشحنات المهربة؟ هل تخضع كميات التوريد لتدقيق يطابق حاجة السوق فعلاً؟ لماذا تزداد كلفة الاستيراد عاماً بعد عام رغم ثبات الجهة الموردة؟
أين تذهب إيرادات مبيعات المحروقات وهل تورد إلى حساب الإيراد العام بانتظام؟ هل تتوفر قاعدة بيانات دقيقة بالمركبات المستهلكة وأرقام السيارات الأجنبية والعامة؟ هل هنالك نظام إلكتروني لتتبع ناقلات الوقود؟ هل تمتلك البلاد خزانات استراتيجية تكفي لامتصاص صدمات سلاسل الإمداد؟ أين خطة النقل العام التجاري الذي يخفف الطلب على الوقود الخاص؟
لماذا لا يتم التوسع في طاقة التكرير المحلية بدلاً من الاستيراد المضطرب؟ وأخيراً، ما هي ضمانات الالتزام بتنفيذ أي إصلاح في ظل الانقسام السياسي القائم؟ الإجابة الصادقة على هذه الأسئلة، في رأيه، هي البنية التحتية الفكرية والإجرائية التي بدونها يصبح أي إصلاح مجرد مغامرة.
تفكيك هيكل الدعم: من السلعة إلى المواطن عبر بوابة الحكومة
انطلاقاً من تحليل هيكل الدعم القائم، تقوم الاستراتيجية المقترحة على مبدأ التفكيك وإعادة التوجيه بدلاً من الإلغاء العشوائي. وتتمثل الخطوة الأكثر جرأة وفعالية في رفع الدعم كلياً عن المحروقات التي تستهلكها الجهات العامة والحكومة والوحدات الإدارية التابعة لها، والتي تستأثر وحدها بنحو 40% من الفاتورة.
ويقضي المقترح بأن تُرصد لهذه الجهات مخصصات كافية ضمن الباب الثاني من الميزانية العامة لتغطية تكلفة الوقود الفعلية غير المدعومة، أسوة بأي بند تشغيلي آخر، فلا تعود الحكومة تدعم نفسها بينما تثقل كاهل الخزانة العامة بأرقام تضخم حجم الدعم الحقيقي.
البطاقة الذكية: آلية الضبط ومنع التسرب
أما بالنسبة للأسر الليبية، فيطرح أبوسنينة استبدال الدعم النقدي المباشر ببطاقات إلكترونية ذكية تُشحن شهرياً أو لفترات أطول، وتُخصص حصراً لشراء المحروقات. ويستند هذا التوجه إلى تشخيص دقيق لمستويات الدخل الحقيقية المنخفضة للمواطنين، والتي تعني أن أي توزيعات نقدية حرة ستُستهلك سريعاً في الاحتياجات المعيشية الملحة، تاركة الأسر عاجزة عن شراء الوقود، مما يصيب النشاط الاقتصادي بالشلل.
في المقابل، تضمن البطاقة توجيه الدعم إلى غرضه المحدد، وتمنع التسرب، وتُبقي الطلب على الوقود ضمن الحدود المأمونة. ولمن لا يحمل بطاقة سارية، سيُباع الوقود في المحطات بالسعر الحر المتدرج، على أن تُسعّر مبيعات الجملة من مستودعات شركة البريقة إلى شركات التوزيع بسعر التكلفة التدريجي، مما يُفضي إلى سعر صافٍ يعكس التكلفة الحقيقية في نهاية المطاف.
جدول زمني للانتقال: أربع سنوات لإعادة التوازن
لا يتبنى المقترح صدمة تحرير الأسعار دفعة واحدة، بل يحدد أفقاً زمنياً لا يقل عن أربع سنوات للانتقال الكامل من دعم السلعة إلى دعم المستهلك.
فخلال هذه المدة، يُرفع الدعم عن استهلاك الحكومة والجهات العامة بالكامل وفوراً، بينما يتم تقليص دعم المواطن تدريجياً عبر مراحل، بما يُعطي الاقتصاد فرصة لاستيعاب ارتفاعات التكاليف تدريجياً ويُجنب الأسواق رجة تضخمية مدمرة.
وتشير التجارب الدولية التي استحضرها أبوسنينة إلى أن الرفع الجزئي وحده يمكن أن يرفع تكاليف النقل بنسبة 30% على الأقل، فكيف لو تم الرفع كاملاً دون مظلة حماية؟
شبكة أمان اجتماعي موازية: حماية الشرائح الهشة
يُقرن الإصلاح ببناء شبكة حماية اجتماعية موجهة نحو الفئات الهشة والمعرضة للوقوع تحت خط الفقر، إذ لا يمكن تمرير إصلاح بهذا الحجم دون آلية تعويضية تحافظ على التماسك الاجتماعي. وتشكل هذه الشبكة عنصراً مكملاً للبطاقة الذكية، وتهدف إلى امتصاص الآثار الجانبية ليس فقط لإصلاح الدعم، بل لأي إصلاحات اقتصادية هيكلية قادمة.
الضوابط المؤسسية والقانونية: إطار ملزم للجميع
ولضمان عدم إجهاض الاستراتيجية، يشدد أبوسنينة على ضرورة أن يصدر الإصلاح في صورة قانون عن السلطة التشريعية، يتضمن كل الآليات والضوابط، ويُلزم كافة الجهات دون استثناء.
كما يطالب بإخضاع عملية توريد المحروقات لاعتمادات مستندية دوارة عبر القطاع المصرفي، وإدراج تكلفة التوريد ضمن مصروفات الميزانية، وتطوير نظام إلكتروني وطني لتتبع ناقلات الوقود، تحت رقابة الأجهزة الرقابية ومكتب النائب العام، مع إعطاء السلطات المحلية دوراً محورياً في مراقبة ما يُورّد إلى مناطقها لمنع التسرب والتهريب.
وفي القلب من ذلك كله، تبقى استعادة سيطرة الدولة الواحدة على كامل المنافذ والقدرة على ردع المهربين، شرطاً لا غنى عنه لنجاح البرنامج برمته.
إصلاح لا رفع
يمثل الطرح الذي قدّمه أبوسنينة نقلة نوعية في النقاش الدائر، إذ ينقل الجدل من ثنائية «الرفع مقابل الإبقاء» إلى فضاء «الإصلاح المنهجي». فهو يرفض أن يكون المواطن ضحية لسياسات غير مكتملة، ويعيد ترتيب الأولويات:
ضرب التهريب أولاً، وتحميل الحكومة تكلفة استهلاكها ثانياً، وحماية الأسر عبر البطاقات الذكية والشبكات الاجتماعية ثالثاً، وبناء قاعدة بيانات ومؤسسات قادرة على التنفيذ رابعاً.
في بلد يعاني الانقسام وتعدد المراكز المالية وضعف الإحصاءات، لا يمكن لوصفة جاهزة مستوردة أن تنجح، بل المطلوب وصفة محلية تعالج الاختلالات من جذورها وتوزع الأعباء بعدل. وكما يختصر أبوسنينة: «لا يجوز أن تدفع الأسر ثمن فشل الحكومات في ضبط التهريب أو في إدارة مواردها».



