غير مصنف

منير عصر يفكك “أكذوبة دعم الوقود”: المواطن ليس هو المشكلة ولن يدفع ثمن الفساد

أزمة الوقود الليبية أزمة إدارة لا أزمة أسعار سائدة

ليبيا 24

عصر: رفع سعر الوقود دون تخطيط ينذر بموجة تضخم عاتية

في مداخلة تحليلية موسعة، فكك وزير الاقتصاد والصناعة السابق منير عصر ما وصفه بـ”الأكذوبة” التي تختزل الأزمة الاقتصادية الليبية في بند دعم الوقود وحده.

وقال عصر، في معرض تناوله للدعوات المتكررة لرفع أسعار المحروقات، إن اختزال المشهد الاقتصادي في سعر لتر البنزين أو الديزل يمثل قراءة قاصرة، مشدداً على أن المعضلة أعمق من ذلك بكثير. وأوضح أن أي حديث عن رفع الأسعار يجب أن يسبقه سؤال جوهري: هل المشكلة الحقيقية في سعر الوقود أم في طريقة إدارة الاقتصاد والموارد؟

انهيار القوة الشرائية هو الأزمة الحقيقية
أوضح منير عصر أن المواطن الليبي لا يعيش أزمة وقود، بل يعيش أزمة قوة شرائية. وأشار إلى أن السنوات الماضية شهدت ارتفاعاً كبيراً في أسعار السلع والخدمات والعقارات والنقل، نتيجة تراجع قيمة الدينار وغياب السياسات الاقتصادية الفاعلة.

وقال في هذا السياق: “من غير المنطقي أن نناقش رفع أسعار الوقود بينما لا تزال الدخول والمرتبات عاجزة عن مواكبة مستويات الأسعار الحالية”. وشدد على أن المعيار الحقيقي ليس سعر الوقود وحده، بل العلاقة بين سعر الوقود ومستوى دخل المواطن وقدرته على تحمل تكاليف المعيشة.

أين يذهب الوقود؟ لا إصلاح دون شفافية

لافتاً إلى ثغرة جوهرية في إدارة الملف، قال عصر: “إذا كانت الدولة تستورد أو توفر كميات كبيرة من الوقود، فمن حق المواطن أن يسأل: أين تذهب هذه الكميات؟”

وأوضح أن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب بناء منظومة إلكترونية متكاملة لتتبع الوقود منذ لحظة وصول الناقلة إلى الميناء، مروراً بمستودعات التخزين وشاحنات النقل، ثم محطات الوقود، وصولاً إلى المستهلك النهائي.

وأكد أن هذه المنظومة يجب أن تعتمد على الرقابة الرقمية الفورية والبطاقات الإلكترونية وقواعد البيانات الموحدة. وختم هذه النقطة بالقول: “الدولة التي لا تعرف بدقة أين يذهب وقودها لا يمكنها أن تطالب المواطن بدفع ثمن أخطاء الإدارة أو نتائج الفساد”.

لا إصلاح دون بدائل ملموسة مسبقاً

أشار منير عصر إلى دروس التجارب الدولية، موضحاً أن جميع دول العالم التي رفعت أسعار الوقود سبقت ذلك بإجراءات تعويضية واضحة، في مقدمتها تطوير وسائل النقل العام وتحسين البنية التحتية للمدن وتوفير شبكات مواصلات حديثة ورفع الدخول والأجور بما يتناسب مع الأسعار الجديدة.

وحذر من مغبة التفكير في رفع سعر الوقود بينما يعتمد المواطن بشكل شبه كامل على سيارته الخاصة، معتبراً أن ذلك يعني نقل عبء الأزمة إلى المواطن البسيط بدلاً من معالجة أسبابها الحقيقية.

الخطة الخمسية للنقل شرط مسبق

أوضح عصر أن الدولة الحديثة لا تدير الاقتصاد بردود الأفعال، بل بالتخطيط المسبق. وقال إنه قبل الحديث عن تعديل أسعار الوقود، يجب أن تمتلك الدولة خطة وطنية لمدة خمس سنوات على الأقل لإنشاء شبكات نقل جماعي داخل المدن وحافلات حديثة وخطوط نقل بين المدن ومواقف وخدمات متكاملة، إلى جانب تخطيط عمراني يقلل من تكلفة التنقل. وأكد أن أي نقاش في غياب هذه الخطة يظل نقاشاً ارتجالياً يفتقر إلى المشروعية الاقتصادية والاجتماعية.

من يدفع الثمن؟ المهرب والفاسد أم المواطن البسيط؟

في تحذير صريح، أوضح منير عصر أن المهرب لن يتأثر كثيراً بزيادة الأسعار، وأن الفاسد سيجد دائماً وسيلة للالتفاف على الإجراءات. لكنه لفت إلى أن من سيدفع التكلفة الحقيقية هو المواطن البسيط والموظف والمتقاعد والعامل محدود الدخل.

وأشار إلى أن الأثر سينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والنقل والتعليم والخدمات وتكاليف الإنتاج المحلي، محذراً من أن زيادة الوقود ستتحول إلى موجة تضخم جديدة يتحملها المجتمع بأكمله.

الإصلاح يبدأ من المؤسسات لا من جيب المواطن

ختم منير عصر تحليله بالتأكيد على أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من جيب المواطن، بل من إصلاح الإدارة، ولا يبدأ برفع الأسعار، بل بإيقاف الهدر والتهريب والفساد، ولا يبدأ بتحميل المواطن مسؤولية الأزمة، بل ببناء مؤسسات قادرة على إدارة الموارد بكفاءة وعدالة.

وشدد على أن معالجة ملف الوقود تتطلب رؤية اقتصادية شاملة تقوم على الرقابة الرقمية وتحسين الخدمات وتطوير النقل العام ورفع كفاءة الإدارة، قبل التفكير في أي تعديل للأسعار. واختتم قائلاً: “المواطن الليبي ليس سبب المشكلة، ولا يجوز أن يكون أول من يدفع ثمنها”.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى