أخبار العالمليبيا

التحرك البريطاني الجديد في ليبيا.. تقاطع المصالح أم إعادة تموضع في مشهد معقد؟

ليبيا 24- إدريس احميد

التحرك البريطاني الجديد في ليبيا.. تقاطع المصالح أم إعادة تموضع في مشهد معقد؟

تشهد ليبيا خلال المرحلة الأخيرة حراكًا دوليًا متسارعًا، تقوده الولايات المتحدة في إطار سياسةالرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائمة على مبدأ “أمريكا أولًا”، والتي منحت واشنطن مساحةأوسع لإعادة ترتيب أولوياتها في عدد من الملفات الدولية، من بينها الملف الليبي.

وفي هذا السياق، برزت تغييرات دبلوماسية أمريكية تمثلت في تعيين جوشوا هاريس مبعوثًاأمريكيًا إلى ليبيا خلفًا لكريستوفر نورلاند، وتولي ديفيد لينفيلد مهام القائم بالأعمال الجديدخلفًا لجيريمي براندت، في إطار إعادة ترتيب الحضور الدبلوماسي الأمريكي في ليبيا.

وتأتي هذه التحركات ضمن مقاربة أمريكية تركز على الملفات الأمنية والاقتصادية باعتبارهامدخلًا أساسيًا لمعالجة الأزمة الليبية، في ظل تعثر المسار السياسي وتعدد المبادرات الدولية.

وقد تجلى ذلك في الدفع نحو توحيد الميزانية الليبية، والعمل على توحيد المؤسسة العسكرية،وهو ما ظهر جزئيًا في مشاركة موحدة للجيش الليبي في مناورات “فلينتلوك” بمدينة سرت،باعتبارها خطوة نحو بناء حد أدنى من التفاهم الأمني بين الأطراف الليبية.

كما يستمر المسار السياسي عبر اجتماعات لجنة 4+4 التي انعقدت في روما ثم تونس، والتيناقشت ملفات تتعلق بتعيين رئيس جديد للمفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مع استمرارالمشاورات خلال المرحلة المقبلة.

لكن هذا الحراك الأمريكي، رغم أهميته، يبدو أقرب إلى رسم الإطار العام لإدارة الأزمة، ما يفتحالمجال أمام أطراف دولية أخرى لإعادة التموضع داخل المشهد الليبي.

التحرك البريطاني.. عودة محسوبة إلى الساحة الليبية

في المقابل، برز التحرك البريطاني الجديد في ليبيا كعنصر أكثر وضوحًا في محاولة إعادة صياغةالدور الغربي داخل البلاد، وسط تساؤلات حول ما إذا كان هذا التحرك يتم بتنسيق مع واشنطنأو يعكس مسارًا بريطانيًا أكثر استقلالية.

وقد شهدت العلاقة الأمريكية البريطانية خلال السنوات الأخيرة بعض التباينات في عدد منالملفات الدولية، إلا أن ذلك لم يمنع استمرار التقاطع في القضايا ذات الأولوية الأمنية، وفيمقدمتها الملف الليبي.

وترى بريطانيا أن استقرار ليبيا يمثل عنصرًا أساسيًا لأمن البحر المتوسط، وملف الهجرة غيرالنظامية، إضافة إلى اعتبارات الطاقة والمصالح الاقتصادية المرتبطة بالنفط وإعادة الإعمار.

وقد عبّر السفير البريطاني لدى ليبيا، مارتن رينولدز، عن هذا التوجه، مؤكدًا دعم بلاده لقيامدولة ليبية موحدة ذات حكومة فاعلة قادرة على خدمة جميع المواطنين، مع الإشارة إلى أنالتقدم نحو تسوية سياسية مستدامة ظل محدودًا رغم تعدد المبادرات الدولية.

كما أشار إلى أن ليبيا مقبلة على مرحلة من التحولات في ظل التغيرات الاقتصادية العالمية، وأنالتحدي الحقيقي يكمن في قدرة القيادات الليبية على توجيه هذه التحولات نحو بناء الدولة بدلاستمرار الانقسام.

وترى لندن أن المسار الأممي لا يزال الإطار الأكثر قبولًا دوليًا، رغم الانتقادات الواسعة التييواجهها داخل ليبيا نتيجة طول المرحلة الانتقالية وتكرار الإخفاقات السياسية.

كما يُلاحظ توجه بريطاني متزايد نحو تعزيز التواصل مع مختلف الأطراف الليبية، في محاولةلإعادة بناء حضور سياسي داخل المشهد، إلى جانب توسيع التعاون الاقتصادي والأمني.

القيادة العامة للجيش في المعادلة الدولية

وفي موازاة ذلك، تكثفت اللقاءات الأوروبية والبريطانية مع القيادة العامة للجيش الليبي،واللقاءات مع المشير خليفة حفتر، في مؤشر على تحول مهم في المقاربة الغربية تجاه شرقليبيا.

ويبدو أن الاستقرار الأمني في مناطق واسعة من الشرق أصبح عامل جذب رئيسي في إعادةصياغة العلاقة مع المؤسسة العسكرية، خاصة في ظل الاهتمام بملفات مكافحة الإرهاب وتأمينالحدود.

كما يرتبط هذا الانفتاح الغربي بالمصالح الاقتصادية والتنافس الدولي على الطاقة، إلى جانبالموقع الاستراتيجي لليبيا في أمن البحر المتوسط وملف الهجرة غير النظامية.

تقاطع أم تنافس دولي؟

يبقى السؤال المركزيهل يؤدي هذا الحراك الدولي المتعدد إلى حل الأزمة الليبية أم إلى مزيدمن التعقيد؟

من جهة، قد يسهم وجود اهتمام دولي متزامن في دفع الأطراف نحو التهدئة ومنع الانهيار، إذاما تقاطعت الرؤى حول خطوط عامة للحل.

لكن من جهة أخرى، فإن تعدد المبادرات وتداخل المصالح قد يخلق مسارات متوازية تزيد منتعقيد المشهد بدل حسمه.

وفي كل الأحوال، يبقى نجاح أي مسار دولي مرهونًا بقدرة الليبيين أنفسهم على التوصل إلىتوافق وطني حقيقي، يضع أسس دولة موحدة ومؤسسات مستقرة، بعيدًا عن الحسابات الضيقةوالتجاذبات الخارجية.

ومن المتوقع أن يشهد المشهد الليبي مزيدًا من اشتداد التنافس الدولي في ظل المتغيراتالإقليمية والدولية، خصوصًا مع تصاعد أهمية ليبيا في حسابات الطاقة والمصالح الاقتصاديةوأمن المتوسط.

وفي المقابل، يظل العامل الحاسم مرتبطًا بمدى قدرة الليبيين على التفاهم وتجاوز حالةالانقسام، بما يحول هذا التنافس الخارجي إلى فرصة لإعادة بناء الدولة بدل أن يكون سببًا لمزيدمن التعقيدوهي فرصة تاريخية إذا ما أُحسن استثمارها، بالاستفادة من تجارب السنواتالماضية، وتوحيد الجهود لحماية المصالح الوطنية في مواجهة تداخل المصالح الدولية، بمافيها المصالح الأمريكية والبريطانية.

كما تطرح التحولات الحالية تساؤلات حول بعض التحولات في المواقف الدولية، ومنها الموقفالبريطاني من بعض القوى السياسية، بما في ذلك تيارات الإسلام السياسي التي تراجع حضورهاوتأثيرها، في ظل غياب مشروع سياسي واضح أو قاعدة اجتماعية صلبة قادرة على إعادة إنتاجدورها في المرحلة الراهنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى