جدل ليبي محتدم: إصلاح دعم الوقود بين الاستبدال النقدي وفخ الكوبرا
خبراء يحذرون: رفع الدعم دون حوكمة قد يفجر أوضاع ليبيا المعيشية
ليبيا 24
في خضم أزمة نقص حادة في البنزين والديزل ضربت مؤخراً مناطق عدة، خصوصاً في الجنوب الغربي الليبي، وألقت بظلالها القاتمة على الحياة اليومية للمواطنين، عاد ملف دعم المحروقات الشائك ليحتل صدارة المشهد السياسي والاقتصادي في البلاد.
لم تعد المسألة مجرد نقاش أكاديمي حول كفاءة تخصيص الموارد، بل تحولت إلى معركة رؤى تتصادم فيها التحليلات الاقتصادية الكلية مع الحقائق الاجتماعية المرة، وتتقاطع فيها الدعوات العاجلة للإصلاح مع تحذيرات عميقة من “تأثير الكوبرا” الذي قد يحول أي معالجة متسرعة إلى أزمة أشد وطأة من المرض الأصلي.
نزيف الموارد: أرقام صادمة وتقديرات متباينة
يقف المحللون والمهتمون عند حقيقة صادمة، مفادها أن فاتورة دعم المحروقات في ليبيا تستهلك ما لا يقل عن 60 مليار دينار سنوياً، أي ما يتجاوز 7.8 مليار دولار، في دولة لا يتجاوز تعداد سكانها ثمانية ملايين نسمة.
وفي شهر واحد فقط، تجاوزت تكلفة الاستيراد مليار دولار، وهو ما يراه خبراء الاقتصاد “ضغطاً غير قابل للاستدامة” على موارد النقد الأجنبي، ويؤدي إلى استنزاف الاحتياطيات بشكل يهدد الأمن الاقتصادي القومي.
ويشير أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، الدكتور عبد الحميد الفضيل، إلى أن قيمة الدعم تقدر بنحو 16 مليار دولار سنوياً تشمل الوقود المستورد والإنتاج المحلي، مقترحاً توزيعها مباشرة على المواطنين بواقع ألفي دولار للفرد سنوياً.
غير أن هذه الأرقام تحمل في طياتها تفاصيل أكثر إيلاماً. إذ يؤكد أستاذ الاقتصاد الدكتور محمد أبوسنينة، في تحليل موسع نشره عبر صفحته، أن “ما بين 20% إلى 40% من الوقود المستورد يهرب خارج الحدود”، بينما يستهلك قطاع الطاقة وحده نحو 43% من الإجمالي، في حين أن استهلاك الحكومات والجهات العامة والقطاع الخاص والأفراد لا يتجاوز 40% مما يتم توزيعه.
هذه المعطيات، وفقاً للدكتور أبوسنينة، تمثل “حقائق ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار” قبل أي تفكير في رفع الدعم أو استبداله، محذراً من أن تجاهلها يجعل أي سياسة إصلاحية “غير مضمونة النتائج”.
جدل الاستبدال: بين الدعم النقدي والدعم العيني
في قلب النقاش الدائر، تبرز دعوة قوية يتبناها رجل الأعمال حسني بي، الذي يرى أن المطالبة ليست بإلغاء الدعم وترك المواطن لمصيره، بل “باستبدال دعم عيني مشوه وفاسد بدعم نقدي مباشر وعادل وشفاف يصل إلى المواطن نفسه”.
ويؤكد حسني بي أن المنظومة الحالية “لم تعد شبكة حماية اجتماعية، بل آلية ضخمة لتحويل ثروة الليبيين إلى التهريب والهدر والاستهلاك المفرط وشبكات المصالح”. ويدعم رأيه بحسابات اقتصادية، مشيراً إلى أن تحويل مليار دولار شهرياً مباشرة إلى نحو 4 ملايين مواطن بالغ، سيمنح كل فرد ما قيمته 250 دولاراً شهرياً، بما يعادل حوالي 1612 ديناراً وفق سعر صرف 6.45 دنانير للدولار.
ويذهب إلى أن هذا الإجراء سيسهم في “إخراج ما لا يقل عن ثلث الشعب الليبي من تحت خط الفقر”، وهو ما يعتبره أهم مطالبه.
ويشاطره الرأي إلى حد كبير المهندس عبدالسلام زبيدة، الذي يرفض بشكل قاطع وصف إلغاء الدعم بأنه “ضرورة وطنية”، معتبراً أنه “لا توجد أي دراسة موثوقة ومعتمدة تقول بوجود ضرورة اقتصادية لإلغاء دعم الوقود”.
ويرى زبيدة أن هذا التوجه ليس سوى “شرط من شروط وشرور البنك الدولي وصندوق النقد الدولي التي تفرضها على الدول الصغيرة والفقيرة”، متسائلاً عن سبب اقحام المسؤولين الليبيين لهاتين المؤسستين في الشأن الاقتصادي الوطني في وقت لا تحتاج فيه ليبيا، التي تمتلك احتياطيات ضخمة، إلى الاقتراض.
من جانبه، يقدم الخبير المالي والاقتصادي الدولي أبوسيف الزروق اغنيه رأياً مخالفاً، مؤكداً أن “الادعاء بأن إصلاح منظومة دعم الوقود لا يستند إلى ضرورة اقتصادية هو طرح يفتقر إلى الحد الأدنى من القراءة الهيكلية للاقتصاد الكلي”.
ويشدد على أن “الدعم العيني للمحروقات يعاني من انعدام العدالة التوزيعية، حيث تذهب الاستفادة القصوى منه للفئات الأعلى دخلاً والأكثر استهلاكاً، فضلاً عن كونه يمثل الدعامة والوقود الأساسي لشبكات التهريب الدولية”.
تأثير الكوبرا: تحذير من الحلول الخطية للمشكلات المركبة
أحد أكثر المداخلات عمقاً في هذا الجدل تأتي من الدكتور أبوريمة علي أبوالقاسم اشتيوي، المدير العام السابق لمعهد النفط الليبي، الذي يحذر من “تأثير الكوبرا” الشهير.
ويستحضر اشتيوي قصة الاستعمار البريطاني في الهند، عندما أدى تقديم مكافآت لقتل ثعابين الكوبرا إلى قيام الأهالي بتربيتها للحصول على المكافآت، وعند إلغاء البرنامج أطلقوا الثعابين، فزادت أعدادها.
ويقول: “في الحالة الليبية، قد يؤدي التركيز الحصري على الوفر المالي المتوقع من رفع الدعم إلى تجاهل سلسلة من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المحتملة”، مضيفاً أن “جوهر المشكلة في ليبيا لا يكمن فقط في دعم الوقود، بل في البيئة المؤسسية التي تدير هذا الدعم”.
ويحذر الخبير الاقتصادي الدكتور عطية الفيتوري من تداعيات أي توجه لرفع سعر البنزين إلى 5 دنانير للتر، معتبراً أن هذه الخطوة “ستؤدي إلى ارتفاع كبير في تكاليف المعيشة وتوسع موجة التضخم في مختلف القطاعات الاقتصادية”.
ويوضح أن المواطن الذي يعبئ خزان سيارته مرة أسبوعياً سيتحمل تكلفة شهرية تصل إلى ألف دينار مقابل الوقود فقط، مؤكداً أن “التأثير لن يقتصر على ذلك، بل سيمتد إلى مختلف السلع والخدمات”، مما قد يدفع الاقتصاد للدخول في “دائرة مفرغة”.
ويتساءل الإعلامي خليل الحاسي مستغرباً: “لماذا ينادي الأثرياء والمليونيرات دوماً بضرورة رفع الدعم عن المحروقات؟ ما الحكمة التي يرونها في بلاد ليس لديها بنية تحتية للمواصلات ولا تمتلك حكومة رشيدة واحدة؟”.
التهريب والمعضلة المؤسسية: أزمة حوكمة قبل أن تكون أزمة أسعار
يكاد يكون هناك إجماع بين جميع الأطراف على أن العجز المؤسسي وضعف الحوكمة هما جوهر المشكلة. يصرح وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق منير علي عصر بأن “هذا عمل عقيم سوف يدفع ثمنه المواطن الغلبان الذي لا علاقة له بتهريب الوقود ولا بالفساد في توريده وتوزيعه”، مشيراً إلى أن “الحقيقية هي وجود تضخم غير مبرر وانفلات غير مبرر لانهيار سعر الدينار مقابل الدولار”.
ويكشف عصر أن “سعر الدولار الحقيقي مقابل الدينار هو 28 قرشاً وما زال يتعامل به في مرتبات العمل الخارجي”، داعياً إلى “خطة خمسية لبناء مواصلات عامة قبل التفكير في تغيير سعر الوقود”.
أما الصحفي المتخصص في الشأن الاقتصادي أحمد السنوسي، فيصف المستفيدين من الدعم بأنهم “العصابات السياسية التي تقوم بعمليات التهريب”، مضيفاً أن “الشعب دفع نصف تريليون دولار طيلة السنوات الـ15 عاماً الماضية”. ويحذر السنوسي من أن “المهربين اليوم سيستمرون في إفساد العملية الانتخابية والعملية السياسية، لأنهم هم من يأتون بالسلاح ويدعمون الميليشيات”.
ويأتي اقتراح عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي السابق امراجع غيث عملياً، داعياً إلى “فرض بيع كافة أنواع الوقود بالدفع الإلكتروني” وإلزام الجهات الحكومية بسداد ثمن الوقود الذي تستهلكه من ميزانياتها، معتبراً أن “هذه إجراءات لا أعتقد أن المواطن سيتضرر منها لكنها ستخفف من حدة التهريب”.
استراتيجية متعددة المسارات: نحو إصلاح متدرج وشامل
في محاولة لتقديم مخرج من هذه المعضلة، يطرح الدكتور محمد أبوسنينة استراتيجية بديلة تقوم على عدة ركائز أساسية. تتضمن هذه الاستراتيجية “رفع الدعم بالكامل عن المحروقات التي تستهلكها الجهات العامة، والتي تشكل حوالي 40% من فاتورة الدعم”، مع ترصد المخصصات المالية اللازمة لهذه الجهات ضمن ميزانياتها التشغيلية.
ويقترح “منح الأسر الليبية المعادل لحصتها من قيمة الدعم الحالي بالتساوي، عبر بطاقة إلكترونية ذكية قابلة للشحن، مخصصة لشراء المحروقات فقط”، وليس نقداً، وذلك “نتيجة لتدني مستويات الدخول الحقيقية للمواطنين”.
ويؤكد الدكتور أبوسنينة أن “استبدال الدعم يجب أن يتم بالتدريج خلال فترة لا تقل عن أربع سنوات”، مع “بناء شبكة حماية اجتماعية تستهدف الفئات الهشة من المجتمع”.
ويدعم هذا التوجه الدعوة إلى بناء استراتيجية وطنية ذات إطار زمني محدد. يطرح أبوسنينة عشرة أسئلة محورية يعتبرها ضرورية للإجابة قبل أي خطوة إصلاحية، من بينها: من المسؤول عن التهريب؟ هل الكميات الموردة تطابق الحاجة الحقيقية؟ لماذا لا يتم التوسع في تكرير النفط محلياً؟ وهل توجد ضمانات بتنفيذ القرار في ظل الانقسام السياسي الحالي؟
ويختتم تحليله بالتأكيد على أن “أي إصلاح للدعم يحتاج إلى استراتيجية محكمة تنفذها سلطة تنفيذية واحدة تحكم السيطرة على كافة المنافذ، وتكون قادرة على ردع المهربين”.
بين مطرقة العجز وسندان الواقع الاجتماعي
كما يظهر جلياً من هذا الاستعراض، فإن قضية دعم المحروقات في ليبيا ليست مجرد معادلة حسابية يمكن حلها برفع سعر هنا أو منح تعويض هناك. إنها مرآة تعكس عمق المأزق الوطني، حيث يتشابك الإرث التاريخي لدولة ريعية لعبت فيها المحروقات الرخيصة دوراً محورياً في العقد الاجتماعي، مع واقع راهن يتسم بانهيار المؤسسات، وتفشي الفساد، وتعدد مراكز القرار، وغياب الرؤية التنموية الشاملة.
الإعلامي ناظم الطياري يختصر المفارقة الليبية بمقارنتها بتونس، متسائلاً: كيف لدولة تتجاوز احتياطيات مصرفها المركزي 100 مليار دولار وتدخلها إيرادات نفطية تقدر بـ25 مليار دولار سنوياً، أن يكون سعر صرف عملتها أضعف بكثير من دينار دولة جارة لا تتجاوز احتياطياتها 8 مليار دولار؟ ويجيب: “هنا يأتي الفرق بين النظام والفوضى، بين السياسات الاقتصادية الناجحة والتشوهات الاقتصادية”.
في المحصلة، يبدو أن جميع الأطراف المتنازعة تتفق، ولو بشكل ضمني، على أن استمرار الوضع القائم هو “الكوبرا” الحقيقية، كما يصفه حسني بي، فهو خطر داهم يلتهم مقدرات الأجيال ويغذي دوامة العنف والفساد. لكن الانقسام الجوهري يظل قائماً حول توقيت وجرأة وآليات الخلاص.
فبينما يرى فريق أن الجراحة الاقتصادية الكبرى، عبر الاستبدال النقدي الفوري، هي الدواء الناجع، يخشى فريق آخر من أن يؤدي إجراء عملية كبرى في غياب بنية تحتية مؤسسية سليمة، وتحت تخدير سياسي وأمني غير مضمون، إلى وفاة المريض على طاولة العمليات.
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرحه الدكتور أبوريمة معلقاً في الأفق الليبي المثقل بالأسئلة: “هل تمتلك الدولة الليبية في الظروف الحالية الأدوات والمؤسسات والبدائل الكفيلة بمنع تحول إصلاح الدعم إلى نموذج جديد من تأثير الكوبرا؟”.



