ليبيا

اعتراف حكومة الدبيبة بتبديد 900 مليون دولار يفضح العشوائية

قرار تنظيم الحبوب بعد الانهيار: الوسطاء يربحون والمواطن يدفع

ليبيا 24:

اعتراف متأخر في زمن انهيار القوت اليومي

في وقت تلهب فيه أسعار السلع الأساسية جيوب الليبيين وتغرق موائدهم في الحسرة، خرجت وزارة الاقتصاد بحكومة عبد الحميد الدبيبة منتهية الولاية ببيان بدا أقرب إلى شهادة إدانة ذاتية منها إلى إعلان إنقاذ.

الاعتراف الرسمي بمنح موافقات على استيراد حبوب ومواد خام تجاوزت قيمتها تسعمائة مليون دولار خلال العام الماضي، من دون أن ينعكس ذلك على استقرار الأسعار، لم يكن مفاجئاً للمواطن الذي يدفع ثمن الرغيف والبيضة ولحم العيد من لحمه الحي.

كان المفاجئ، والمقلق في آن، أن الحكومة التي أوكل إليها تصريف الأعمال تخلت طوال هذه المدة عن أبسط أدوات الضبط، تاركة ملف الأمن الغذائي نهباً للمضاربين وتعدد الوسطاء وتحول الحبوب إلى سلعة للمتاجرة لا إلى مدخل للإنتاج الحقيقي.

البيان الذي حمل نبرة تنظيمية مشددة جاء بعد أن سجلت أسعار الذرة والصويا والشعير والأعلاف ارتفاعات قياسية، انسحبت بصورة آلية على أسعار اللحوم الحمراء والدواجن والبيض والأضاحي، ليجد رب الأسرة الليبي نفسه أمام معادلة مستحيلة: إما أن يقتطع من قوت أبنائه أو يغرق في دوامة الدين.

وما بين السطور، أقرت الوزارة بأن جزءاً كبيراً من الأزمة لا يرتبط بنقص الموارد أو شح العملة الصعبة وحدها، بل بـ”العشوائية وتعدد الوسطاء وتحول ملف الحبوب إلى مجال للمضاربة وإعادة البيع بدل توجيهه للإنتاج الحقيقي”.

وهي كلمات تصلح لوضعها على واجهة كل مؤسسة فشلت في مهمتها، وتكشف أن حكومة الدبيبة كانت جزءاً من الأزمة لا طريقاً إلى الحل.

رحلة الحبوب: من الاعتماد إلى المضاربة

تسلمت الموانئ الليبية كميات غير مسبوقة من الحبوب والأعلاف خلال الفترة الماضية، غير أن المواطن لم يرَ أثرها لا في سعر كيس الدقيق ولا في ثمن طبق البيض.

السبب، وفق ما رصده مراقبون وتجار، هو أن شحنات كاملة كانت تخرج من الميناء متجهة إلى مخازن وسطاء يعيدون بيعها بأسعار تزيد مرتين وثلاث مرات عن كلفة الاستيراد، مستغلين فوضى الاعتمادات وتراخي الرقابة.

تحولت الحبوب إلى سلعة مضاربة تتداولها أياد لا علاقة لها بالزراعة أو الإنتاج الحيواني، بينما ظل المنتج الحقيقي، مربي الماشية ومزارع الدواجن، يلهث خلف حصته بأسعار تنهك قدرته على الاستمرار.

يقول محمد القمودي، وهو مربي دواجن في محيط ترهونة، بصوت تخالطه المرارة: “نحن لا نطلب إعفاءات ولا منحاً، نطلب فقط أن تصلنا الأعلاف بسعرها الحقيقي، لا أن نشتريها من سمسار رفع سعر الطن الواحد إلى الضعف بحجة أن السوق ملتهبة”.

ويضيف القمودي، وقد اضطر إلى تقليص دورة إنتاج كاملة بسبب غياب الأعلاف المدعومة أو مستقرة السعر: “عندما تنهار دورة واحدة فإن أثمان الدواجن والبيض تطير، والمواطن يظن أننا المستفيدون، والحقيقة أننا أول ضحايا هذه العشوائية”.

موسم الأضاحي: حين يلتهم العلف جيوب المضحين

لم يكن موسم الأضاحي الماضي احتفالية دينية واجتماعية خالصة، بل تحول إلى ساحة لتصفية خيبات السياسات الاقتصادية.

فقد كشفت بيانات التجار في أسواق الماشية أن ارتفاع أسعار الأضاحي لم يكن له أي مبرر عالمي، بل إن الأسعار العالمية للحوم الحمراء لم تشهد قفزات توازي ما حدث في الداخل الليبي.

بدلاً من ذلك، تسبب اختلال منظومة الأعلاف واستغلالها تجارياً بعيداً عن أهداف الأمن الغذائي في دفع مربي الماشية إلى رفع الأسعار أو الخروج من السوق نهائياً.

ويحكي الحاج مفتاح الشاوش، وهو جزار في طرابلس منذ أربعة عقود، أن موسم العيد الماضي كان الأسوأ في ذاكرة المهنة: “الزبائن كانوا يدخلون ويسألون عن السعر ثم يخرجون بصمت، والعائلات التي اعتادت شراء رأسين أو ثلاثة باتت تقتصر على أضحية واحدة هزيلة، وكثيرون عزفوا عن الأضحية تماماً”.

ويتابع الشاوش: “سمعت تصريحات المسؤولين عن وفرة الأعلاف وضبط السوق، لكن الصناديق الفارغة في المحل وفي بيوت الزبائن تروي قصة مختلفة”.

منظومة العشوائية: سماسرة وتحكم في القوت

الاعتراف الرسمي بوجود ”وسطاء” و”مضاربة” و”إعادة بيع” هو بحسب اقتصادي ليبي بارز طلب عدم ذكر اسمه لدواعي أمنية، “اعتراف متأخر بجريمة اقتصادية مورست على مرأى ومسمع من أجهزة يفترض أنها رقابية”.

ويضيف الخبير أن الفارق بين السعر الذي تدخل به الحبوب إلى الموانئ والسعر الذي تصل به إلى المنتج النهائي يمثل ثروة ضخمة تسربت إلى جيوب شبكات منظمة، بعضها يمتلك نفوذاً سياسياً يحميه من الملاحقة.

ويشير تحليل أجرته جهات اقتصادية غير حكومية إلى أن جزءاً كبيراً من الاعتمادات المستندية المفتوحة لاستيراد الذرة والصويا ذهب إلى شركات ورقية وأسماء تجارية لا تمتلك مزرعة واحدة ولا مدجنة، وكان هدفها الوحيد هو الحصول على الحبوب وإعادة بيعها في السوق الموازية بأسعار خيالية.

هذه الحقيقة التي سكت عنها طويلاً، ظهرت الآن في بيان الوزارة بصيغة ”قصر الاستيراد على الوحدات الصناعية والإنتاجية الفعلية ومنع الوسطاء من الاستيراد بغرض إعادة البيع”، مما يعني ضمناً أن الحكومة تعلم تماماً أن أموال الدعم والاعتمادات كانت تسير في الاتجاه الخطأ.

الشارع الليبي: غضب تحت رماد الأسعار

في جولة ميدانية بعدد من أحياء طرابلس وضواحيها، التقى مراسل ليبيا 24 مواطنين عبّروا عن استيائهم العميق من فجوة هائلة بين خطاب المسؤولين والواقع المعاش.

وتقول أم آدم، وهي أم لخمسة أبناء، بينما تمسك بكيس طحين زنتها بالكاد اشترته بالتقسيط: “يتحدثون عن ملايين الدولارات وعن إجراءات، وأنا لا أفهم إلا أن سعر كيس الطحين تضاعف وأن اللحم صار حلماً، فهل أطعم أولادي بيانات؟”.

أما الشاب طارق، وهو خريج عاطل عن العمل يساعد والده في بيع الخضراوات، فيرى أن الأزمة متجذرة في بنية نظام توزيع الثروة: “هناك من يأكل الطحين قبل أن يصل إلى المخبز، وهناك من يسرق من الشاحنات نفسها، وهناك من يتحكم في الأسعار بضغطة هاتف.

الحكومة تعرفهم وتحاول الآن أن تظهر بمظهر المنقذ”، ويتساءل: “هل يعقل أن ننتظر انهيار كل شيء حتى تصدر القرارات؟”.

فصول الإجراءات: نافذة أخيرة أم مسكن عابر؟

أعلنت الوزارة في بيانها بدء مرحلة تنظيم جديدة تشمل قصر استيراد القمح والذرة والشعير والصويا على الوحدات الصناعية والإنتاجية الفعلية، ومنع الوسطاء من الاستيراد بغرض إعادة البيع، إلى جانب مكافحة السمسرة والمضاربة في سوق الحبوب، وربط الاعتمادات والكميات المستوردة بالطاقات الإنتاجية الفعلية، وإنشاء منظومة رقمية للرقابة والتتبع.

وهي حزمة إجراءات لو طبقت قبل عامين لربما كانت كافية لتفادي الكارثة، لكنها اليوم توضع على طاولة سوق محترق.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه الإجراءات مرهون بإرادة سياسية لا تتوافر في ظل حكومة منتهية الولاية تفتقر إلى الشرعية الدستورية وإلى ثقة المواطن.

فالمشكلة ليست في غياب النصوص التنظيمية، بل في غياب المحاسبة وضعف الأجهزة الرقابية وتغلغل المصالح الضيقة في مفاصل القرار.

المنظومة الرقمية للرقابة والتتبع، التي تحدث عنها البيان، سبق أن أعلن عنها في مناسبات سابقة وبقيت حبراً على ورق، وسط شكوك بأن الأطراف المستفيدة من العشوائية هي نفسها من يعطل التنفيذ.

صوت المربين: الحلول الحقيقية المغيبة

لا ينفصل صوت المنتجين عن صوت الشارع، فالجميع ضحايا لذات المنظومة، ففي مزرعة لتربية الأبقار بمنطقة سوق الجمعة، يوضح صاحبها علي العباني أن تكلفة العلف تشكل نحو سبعين في المئة من تكاليف الإنتاج، وعندما تتضاعف أسعار الذرة والصويا بسبب المضاربة فإن الخيار الوحيد أمامه هو تصفية القطيع أو رفع سعر الحليب واللحم إلى أرقام لا يقدر عليها المستهلك.

يقول العباني: “لست تاجر أعلاف، أنا منتج، ومع ذلك أجبروني على دخول سوق سوداء لأحصل على حاجتي، لأن الحصص الرسمية تذهب لجهات لا تملك بقرة واحدة”.

وتشير تقديرات اتحاد المزارعين ومربي الماشية إلى أن أكثر من ثلاثين في المئة من مربي الدواجن في المنطقة الغربية خرجوا من السوق خلال العامين الأخيرين، والسبب الرئيسي هو تقلب أسعار الأعلاف وغياب الرؤية المستقبلية.

فالمربي يحتاج إلى استقرار في تكلفة الإنتاج ليخطط لدوراته، لكنه في ليبيا يخطط على أساس سعر اليوم الذي قد يتضاعف غداً، فيتكبد خسائر تراكمية تدفع به إلى الإفلاس.

بين شرعيتين: اقتصاد رهينة للصراع السياسي

لا يمكن فصل الأزمة الغذائية عن سياق الانقسام السياسي الذي تعيشه البلاد، فحكومة الدبيبة التي أتت من رحم توافق سياسي هش، وجدت نفسها بعد إلغاء الانتخابات في موقع تصريف أعمال ممدد بلا أفق، فأدارت الملفات الحيوية بعقلية البقاء في السلطة لا بعقلية الحلول المستدامة.

وأصبح ملف الحبوب والأمن الغذائي أحد أوراق الضغط والتمويل الصامت في لعبة النفوذ، حيث تتنافس شبكات مصالح متنفذة على الاعتمادات والاستيراد والتحكم في تدفق السلع.

ويشير المحلل السياسي عبدالعزيز الزقم إلى أن “الحكومة منتهية الولاية استخدمت الملف الغذائي لتعزيز قاعدة دعمها في الغرب الليبي، عبر توزيع الاعتمادات على جهات مقربة، وليس بالضرورة على جهات منتجة”.

ويلفت إلى أن الوضع الحالي مرشح لمزيد من التدهور مع دخول فصل الصيف وزيادة الطلب على المياه والكهرباء والأعلاف، في وقت تتعثر فيه الإيرادات النفطية وتتصاعد النزاعات حول توزيع الثروة.

ما بعد البيان: خريطة طريق للأمن الغذائي أم مناورة؟

يطرح بيان وزارة الاقتصاد تساؤلات عميقة حول مصداقيته وتوقيته، فهناك من يرى فيه محاولة لاستباق احتجاجات شعبية متوقعة مع اقتراب ذروة الغلاء، وهناك من يعتبره إعلاناً عن ترتيبات جديدة لتقاسم كعكة الاستيراد بين لاعبين جدد بدلاً من إنهاء اللعبة كلية.

فالتاريخ القريب يعلم الليبيين أن ملفات الفساد الكبرى لا تموت، بل تعاد هيكلتها تحت مسميات إصلاحية.

مع ذلك، يشير الزقم  إلى وجود خطوات عملية يمكن أن تنقذ ما يمكن إنقاذه، بشرط أن تتجاوز منطق تصفية الحسابات السياسية.

أول هذه الخطوات هو الإعلان الشفاف عن أسماء الشركات التي تحصلت على موافقات استيراد الحبوب خلال السنوات الماضية، والكميات الفعلية التي دخلت البلاد، وأين ذهبت.

ثانيها، ربط أي دعم حكومي في قطاع الأعلاف مباشرة بالمنتج النهائي الموجه للمستهلك، بحيث يصل الدعم فعلاً إلى صحن المواطن لا إلى جيوب السماسرة.

ثالثها، إنشاء هيئة مستقلة للأمن الغذائي بعيداً عن التجاذبات الحكومية، تكون مهمتها بناء مخزون استراتيجي وإدارة سلاسل الإمداد بمنطق الدولة وليس بمنطق المصالح.

حكاية لقمة العيش: من الميناء إلى المائدة

خلال رحلة شحنة من الذرة الصفراء من ميناء طرابلس إلى إحدى مزارع الدواجن في سهل الجفارة، تتضح الفجوة المهولة بين الكلفة الحقيقية والسعر النهائي. الشحنة التي دخلت بسعر أربعمائة وخمسين ديناراً للطن الواحد بحسب وثائق الاستيراد، ينتهي بها الحال معروضة بألف ومئة دينار للطن على بوابة المزرعة.

الفارق البالغ ستمائة وخمسين ديناراً لا تفسره أجور النقل والتفريغ والتخزين، بل يفسره سمسار هنا وتاجر جملة هناك، وموظف غض الطرف، ونافذة سمحت بتدفق الأرباح الطائلة بعيداً عن عيون الحوكمة.

ويحاجج اقتصاديون بأن الحل لا يكمن في تجفيف منابع السمسرة عبر القرارات الإدارية وحدها، بل في كسر احتكار الاستيراد وتنويعه وفتح الباب أمام الجمعيات التعاونية الفلاحية واتحادات المنتجين لاستيراد حاجتهم مباشرة، من دون المرور عبر حلقات التجار التقليدية.

تجارب محدودة في الداخل الليبي، مثل بعض التعاونيات في منطقة الجبل الأخضر، أظهرت أن سعر العلف يمكن أن ينخفض بنسبة تتجاوز ثلاثين في المئة عندما يستورد المنتج لنفسه.

أبعاد الأزمة الإنسانية: سوء تغذية صامت

خلف الأرقام والبيانات، ثمّة مأساة إنسانية صامتة. ففي أرياف ومناطق مهمشة، بدأ سوء التغذية يطرق أبواب الأطفال وكبار السن، مع تراجع القدرة الشرائية للأسر التي كانت تعتمد على اللحوم ومنتجات الألبان كجزء من غذائها اليومي.

وتروي ممرضة في مركز صحي بمنطقة تاورغاء، فضلت عدم نشر اسمها، أنها لاحظت ارتفاعاً ملحوظاً في حالات فقر الدم ونقص الفيتامينات بين النساء الحوامل والأطفال، وتقول: “لا يحتاج المرء إلى مختبر ليعرف أن السبب هو أن العائلات لم تعد تشتري اللحم أو البيض إلا نادراً جداً”.

هذه الشهادة تتقاطع مع تحذيرات أطلقتها منظمات إنسانية دولية قبل أشهر، من أن تراجع القدرة الشرائية في ليبيا قد يعصف بمكاسب التغذية التي تحققت بصعوبة خلال العقد الماضي.

وتظل الحقيقة المرة أن بلداً يملك موارد طبيعية هائلة ويستورد غذاءه بمليارات الدولارات، يعجز عن ضمان أن يصل هذا الغذاء إلى مواطنيه بأسعار مقبولة، مما يضع علامات استفهام كبيرة أمام مصير المساعدات والإيرادات وأين تذهب فعلياً.

أبواب المحروقات ودروس الحبوب

ليست أزمة الحبوب بمعزل عن أزمات المحروقات والكهرباء والنقد الأجنبي.

فالمواطن الليبي الذي يعاني يومياً من طوابير الوقود وانقطاع التيار الكهربائي وجد نفسه فجأة وجهاً لوجه مع طوابير من نوع آخر: طوابير الغلاء الصامتة التي لا تقف فيها السيارات بل تنزف فيها الميزانيات الأسرية.

واللافت أن نفس الآليات التي تنتج أزمة المحروقات، وهي السمسرة والتهريب والمضاربة وتعدد الوسطاء، هي ذاتها التي قفزت إلى قطاع الغذاء لتضرب لقمة العيش في الصميم.

ويقول المحلل الاقتصادي نوري الشريف: “ما لم يتم تفكيك اقتصاد الريع الموازي الذي يدار بالتوازي مع اقتصاد الدولة، فإن كل قرار تنظيمي سيكون مجرد ترقيع.

نحن أمام نظام غذائي موازٍ كامل، يديره سماسرة وسياسيون وميليشيات اقتصادية، ويستفيد من غياب المحاسبة ومن شرعيتين متنازعتين تتيحان للجميع الاختباء وراء الاتهامات المتبادلة”.

ويشير الشريف إلى أن أسعار الأضاحي خلال المواسم الماضية يمكن استخدامها كمؤشر لقياس مدى تغلغل الاقتصاد غير الرسمي في مفاصل الحياة الليبية، إذ إن كل دينار إضافي دفعه المواطن هو في الحقيقة ريع للاعبين غير مرئيين.

الطريق إلى الاستقرار: بين الشرعية والتنفيذ

السؤال الذي يدور في أذهان الليبيين بعد بيان الوزارة ليس عن محتواه، بل عن مصيره الذي سيكون على الأرجح مثل مئات البيانات والقرارات التي سبقته.

فحكومة الدبيبة، المنتهية ولايتها قانوناً وسياسياً، لا تملك القوة ولا المصداقية لفرض مثل هذه الإجراءات الجذرية على شبكات مصالح تمتد عميقاً في الجسد الهش للدولة.

وحتى لو توفرت النية، فإن قدرتها على المتابعة والإنفاذ تبقى محدودة في ظل انقسام المؤسسات وتآكل هيبة القانون.

في المقابل، يعلق المواطن الليبي آمالاً حذرة على أن يكون الإعلان عن قصر الاستيراد على الوحدات الإنتاجية الفعلية بداية لاستعادة التوازن، شرط أن يرى انعكاساً سريعاً في انخفاض سعر ربطة الخبز وطبق البيض وكيلو اللحم.

فالوقت لم يعد يحتمل خططاً طويلة الأمد، والناس في حاجة ماسة إلى إحساس فوري بالتحسن، وإلا فإن الغضب المكتوم سيجد طريقه إلى الشارع بأساليب لا تحمد عقباها.

في العمق: حوار مع الشارع المنتج

للخروج من دائرة التصريحات الرسمية، أجرت هذه الصحيفة لقاءات مع عدد من العاملين في قطاع الإنتاج الغذائي من صغار المزارعين ومربي الماشية وأصحاب المخابز، وكلهم أجمعوا على أن لا حل دون كسر دائرة الوسطاء والمستفيدين.

يقول الحاج عبد السلام، صاحب مخبز في ضواحي الزاوية: “أستلم الطحين بسعر يزيد عن مثيله في دول الجوار، ثم تأتيني تعليمات بعدم رفع سعر الخبز، فكيف أعيش؟ إما أن أبيع بخسارة وأغلق، أو ألتزم بالسعر الرسمي وأدفع رشوة للمفتش”.

هذه المعادلة اليومية تنتج رغيفاً مراً، ليس في طعمه بل في مساره المليء بالتجاذبات.

وفي صباح أحد الأسواق الشعبية بطرابلس، كانت السيدة فتحية تساوم بائع بيض على علبة زادت قيمتها خمسة دنانير في أسبوع واحد.

وعندما سألتها عن رأيها في قرارات الوزارة الأخيرة أجابت: “كل يوم نسمع قرارات، وكل يوم الأسعار تزيد.

أريد أن أرى وزير الاقتصاد يشتري أغراضه من هذا السوق بنفس السعر، حينها فقط سأصدق”.

نحو ميثاق اجتماعي للغذاء

في خضم هذا المشهد القاتم، بدأت تظهر أصوات من المجتمع المدني تدعو إلى ما تسميه “ميثاقاً اجتماعياً للغذاء”، تكون فيه الرقابة شعبية، وتكون الشفافية هي الأساس، ويشارك فيه المنتجون والمستهلكون والبلديات في إدارة ملف الأمن الغذائي بعيداً عن السلطة المركزية التي أثبتت فشلها.

مبادرات بدأت بسيطة، مثل إنشاء أسواق مباشرة من المزارع إلى المستهلك، وتطوير تطبيقات رقمية للإبلاغ عن مخالفات الأسعار، ومجالس محلية لتوزيع الحصص التموينية، غير أنها ما زالت في بداياتها وتحتاج إلى دعم وحماية من الممارسات الاحتكارية التي تهدد أي محاولة للإصلاح.

في ليبيا التي مزقتها الصراعات، يمكن أن يكون الطعام هو نقطة الالتقاء الوحيدة المتبقية، إذا ما تم تجريده من ألاعيب السياسة وشراهة السماسرة.

بيان وزارة الاقتصاد في عهد الدبيبة، مهما بلغت درجة الشكوك المحيطة به، يبقى وثيقة تسجل اعترافاً بالخلل، لكن تحويله إلى خبز حقيقي على موائد الليبيين هو الامتحان الذي لم تجتزه أي حكومة بعد.

ثمن الغياب قبل الحضور

تبقى الحقيقة أن الجوع في ليبيا ليس قدراً، بل نتيجة لسلسلة من القرارات المتأخرة والغياب المتعمد للرقابة واستشراء الفساد.

أن تنفق الدولة تسعمائة مليون دولار على استيراد الحبوب والأعلاف ثم يفاجأ المواطن بأن لا أثر لذلك في سعر طعامه، لهو دليل إدانة لا يحتاج إلى محكمة.

واليوم، بعد أن صار الأمن الغذائي على شفا انهيار حقيقي، تخرج حكومة الدبيبة منتهية الولاية بقرارات قد تكون صحيحة من حيث المبدأ، لكنها تظل أسيرة لغياب الشرعية وسوء السمعة وتراكم الخيبات.

في أحد شوارع طرابلس المزدحمة، رفع عامل بسيط يده إلى السماء وهو يرى سعر اللحم المدون على لوحة جزار، وقال بصوت خافت: “يكفينا أن نأكل بكرامة، فلنعطهم كل البيانات التي يريدون”.

 في هذه العبارة المقتضبة يختزل الليبي حقيقة الأزمة: ليس المطلوب معجزات، بل فقط أن تعمل الأشياء كما ينبغي، وأن تصل الحبوب إلى البطون لا إلى الجيوب الخفية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى