السريري: أوروبا تعجز عن دعم استقرار ليبيا رغم المصالح
ضعف السياسة الأوروبية الموحدة يعيق دور بروكسل في ليبيا
ليبيا 24
بينما تطل ليبيا على الضفة الأخرى من المتوسط، لا يبدو الجار الأوروبي في أقرب صورة له من الشريك القادر على استيعاب تعقيدات المشهد الليبي. تصريحات عضو المجلس الأعلى للدولة فتح الله السريري، التي جاءت محملة بقراءة نقدية عميقة، تفتح الباب أمام سؤال جوهري: لماذا يظل الدعم الأوروبي لليبيا دون مستوى المصالح المتبادلة، بل ويتوارى خلف مقاربة أمنية ضيقة لا ترى في البلاد سوى معبر للهجرة غير النظامية؟
حدود أوروبا الجنوبية: ليبيا درع الهجرة والقلق الأمني
منذ تحول ليبيا إلى نقطة عبور رئيسية صوب الشواطئ الأوروبية، كرست عواصم الاتحاد الأوروبي جل اهتمامها لحماية حدودها الجنوبية في البحر المتوسط. ويختصر السريري هذه النظرة بالقول إن بروكسل “تتعامل مع الملف الليبي من زاوية مرتبطة أساسا بحماية حدودها”.
هذا التوصيف لا يقتصر على الجانب الإنساني لتدفقات المهاجرين، بل يشمل تعاونا أمنيا يضع ليبيا في موقع الطرف المنفذ لأجندة ضبط الحدود مقابل دعم فني ولوجستي يظل محدودا، وأحيانا مشروطا بتطورات سياسية داخلية لا تمنح الأوروبيين الثقة الكافية.
غير أن حصر العلاقة في هذا الإطار يغفل حقيقة أن الاستقرار في ليبيا هو الضمانة الوحيدة لوقف موجات الهجرة غير النظامية من جذورها. فما تقدمه القوارب السريعة والدوريات البحرية لا يعالج اقتصاديات التهريب ولا يوقف ضعف مؤسسات الدولة التي تستغلها شبكات الاتجار بالبشر.
مصالح متشابكة وشراكة متعثرة
يمتلك الاتحاد الأوروبي مصالح مباشرة ومهمة مع ليبيا، بحكم القرب الجغرافي والتداخل الاقتصادي والأمني، كما يقول السريري. فبعض المدن الأوروبية لا تبعد عن طرابلس سوى رحلة جوية قصيرة، وهذا القرب يجعل أي اضطراب في الداخل الليبي قابلا للتمدد سريعا إلى الضفة الشمالية.
لكن الغرابة، بحسب رؤية الرجل، تكمن في أن الدعم الأوروبي على الصعد السياسية والأمنية والتنموية ما زال “محدودا وغير ملموس بشكل واضح”.
دول كألمانيا وفرنسا وإيطاليا، التي تصنف كقوى اقتصادية وسياسية مؤثرة، كانت سارعت في مناسبات سابقة إلى استضافة مؤتمرات دولية حول ليبيا، إلا أن مخرجاتها كثيرا ما اصطدمت بجدار الانقسام الداخلي وبتنافس أوروبي خفي على النفوذ.
هذا التنافس يحول دون تحويل الالتزامات المعلنة إلى برامج فعلية على الأرض، ليبقى المشهد محكوما ببعثات دبلوماسية تدير ملفات يومية من دون أن تمتلك تفويضا حقيقيا لدفع عملية سياسية شاملة.
غياب السياسة الخارجية الموحدة: كعب أخيل الأوروبي
يذهب السريري إلى تشخيص العلة البنيوية في الموقف الأوروبي بقوله إن أحد أسباب ضعف الدور الأوروبي “يعود إلى غياب سياسة خارجية وعسكرية موحدة داخل الاتحاد الأوروبي”.
فبينما تنظر إيطاليا إلى ليبيا بوصفها حديقة خلفية ومصدرا للطاقة، تركز باريس على البعد الأمني ومكافحة الإرهاب في الجنوب، في حين تنشغل برلين بملفات اللاجئين ومسارات التنمية. هذا التشرذم في الرؤى يمنع بروكسل من التحدث بصوت واحد، ويجعل المبادرات الأوروبية مرهونة بتوافقات داخلية بطيئة غالبا ما تصل متأخرة.
وينعكس هذا الواقع على أروقة البعثات الدبلوماسية في طرابلس؛ إذ يقر السريري بأن التواصل مع السفراء الأوروبيين لا يكشف عن وجود “حماس حقيقي أو رؤية واضحة لدعم الاستقرار السياسي والأمني في البلاد”. فالتحركات الدبلوماسية تدور في كثير من الأحيان حول إدارة الأزمات، لا بناء شراكات طويلة الأمد.
سفراء بلا حماس ودبلوماسية بلا أثر
يكشف الوصف الذي ساقه عضو المجلس الأعلى للدولة عن مفارقة لافتة: فالاتحاد الأوروبي، رغم تعدد بعثاته وممثليه داخل ليبيا، لم ينجح بعد في ترجمة حضوره الميداني إلى أثر سياسي ملموس.
البعثات تتابع، ترصد، وتقدم تقارير، لكنها نادرا ما تتحول إلى فاعل ضاغط من أجل استقرار لا يكون مجرد تهدئة مؤقتة، بل يقوم على مؤسسات موحدة وجيش واحد وحكومة قادرة على بسط سيادتها.
ويعزو السريري هذا الفتور إلى حالة “الضعف السياسي” التي يمر بها الاتحاد، فضلا عن الضغوط والتحديات الدولية التي تواجهه، من الحرب في أوكرانيا إلى أزمات الطاقة والتضخم. هذه التحديات تخطف انتباه العواصم الأوروبية نحو الداخل، وتقلص شهيتها للانخراط في مغامرات خارجية تتطلب موارد مالية وسياسية ضخمة.
ليبيا تطلب شراكة تنموية وأمنية طويلة الأمد
في مقابل هذه الصورة القاتمة، يطرح السريري خارطة طريق بديلة تقوم على “شراكة حقيقية مع الاتحاد الأوروبي ترتكز على خطط تنموية وأمنية طويلة الأمد، وفي إطار من التعاون المشترك واحترام السيادة الليبية”.
هذا المطلب ليس ترفا سياسيا، بل ضرورة تفرضها التحولات الإقليمية والدولية. فليبيا المستقرة قادرة على ضمان إمدادات الطاقة للسوق الأوروبية، وعلى استئناف مشاريع إعادة الإعمار التي تفتح آفاقا استثمارية واسعة، وعلى التحول من مصدر للهجرة غير النظامية إلى شريك في إدارة الحدود برؤية سيادية مشتركة.
ويؤكد حديث السريري أن “استقرار ليبيا سينعكس إيجابا على أوروبا في ملفات متعددة، من بينها الاقتصاد والطاقة والهجرة والأمن الإقليمي”. لكن هذا الاستقرار لن يتحقق بوصفات جاهزة تفرض من الخارج، بل يحتاج إلى مرافقة أوروبية ذكية تدرك تعقيدات المجتمع الليبي وتوازناته القبلية والجهوية، وتستثمر في بناء مؤسسات الدولة بدل الاكتفاء بالتعامل مع النخب السياسية المتصارعة.
الطاقة والاقتصاد: أوراق ضائعة في العلاقة
لطالما شكل النفط والغاز الليبيان ركيزة أساسية للعلاقة مع أوروبا، خصوصا مع إيطاليا التي تستورد جانبا كبيرا من احتياجاتها من الطاقة عبر أنبوب الغاز الأخضر. بيد أن هذه الورقة لم تستخدم بعد كرافعة لشراكة استراتيجية متوازنة. فبدلا من أن تتحول عائدات الطاقة إلى مشاريع تنمية وتوطين للتكنولوجيا، بقيت أسيرة التجاذبات السياسية وتعطل الإنتاج بسبب الإغلاقات المتكررة.
ويرى مراقبون أن على الاتحاد الأوروبي، إذا ما أراد تحقيق اختراق فعلي، أن يربط بين التعاون في مجال الطاقة ودعم حوكمة شفافة لقطاع النفط، وإعادة تأهيل البنية التحتية المتهالكة، وتوفير التدريب والتقنية. هكذا تصبح الطاقة مدخلا لإنعاش الاقتصاد الليبي وليس مجرد مادة خام تتدفق شمالا.
أوروبا أمام امتحان المصداقية في المتوسط
تأتي تصريحات فتح الله السريري كمرآة تعكس إحباط نخب ليبية كثيرة من فجوة متسعة بين خطاب الشراكة وممارسات ميدانية تظل حذرة ومترددة. فالاتحاد الأوروبي، رغم قربه الجغرافي وتعدد بعثاته، “لم يقدم حتى الآن الدور المأمول في دعم الاستقرار والتنمية بالشكل الذي يتناسب مع حجم المصالح المشتركة بين الجانبين”، بحسب تعبيره.
ومع استمرار الانسداد السياسي في ليبيا، ورهان بعض القوى الإقليمية على الحل العسكري أو الأمر الواقع، تقف أوروبا أمام اختبار مصيري: فإما أن ترتقي إلى مستوى التحدي عبر سياسة موحدة تجمع بين الحزم الأمني والاستثمار التنموي والوساطة السياسية النشطة، وإما أن تكتفي بإدارة الأعراض بدل معالجة الأسباب، لتجد نفسها بعد أعوام أمام فوضى أعمق على بعد مئات الأميال فقط من شواطئها.



