حراك العاملين بالقطاع الصحي يحول مطالبه لمشروع إصلاح وطني متكامل
الحراك الصحي يدعو لتوحيد الصف خلف مشروع الإصلاح الوطني
ليبيا 24
في تطور ينقل أزمة القطاع الصحي الليبي من مربع الاحتجاجات الفئوية إلى قلب الصراع على شرعية إدارة الدولة، أعلن حراك العاملين بالقطاع الصحي أن مشروع تحسين أوضاعهم المالية والوظيفية لم يعد مجرد مذكرة مطالب عالقة في أدراج الحكومة منتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، بل تحول إلى ما وصفه الحراك بأنه “مشروع وطني متكامل للإصلاح المالي والإداري والتشريعي”.
الإعلان، الذي صيغ بعناية فائقة، يكشف عن نقلة نوعية في استراتيجية الجسد الصحي المنهك، متجاوزاً منطق المخاطبة المباشرة لسلطة لم تعد تملك من الولاية إلا اسمها، ومؤسساً لمسار ضغط موازٍ يستند إلى أسس قانونية وتشريعية تتعلق بحماية الحق في الصحة والأمن الصحي الوطني.
من مذكرة مطلبية إلى بديل تشريعي
لم يعد الحراك يطلب تحسين مرتب أو توفير حماية مهنية من سلطة تنفيذية تتصف بالوهن والانقسام، بل صار يقدم نفسه كحامل لمشروع دولة مصغر. الوثيقة التي جرى تطويرها بالتعاون مع النقابات الطبية التخصصية المهنية تتضمن توصيات تشريعية وتنفيذية تصل إلى ما يسميه القائمون عليها “حلولاً مستدامة وعادلة”، وهو توصيف يحمل في طياته اتهاماً ضمنياً للحكومة منتهية الولاية بالعجز عن إنتاج أي حلول دائمة.
إن إعادة تعريف المطلب الفئوي بوصفه مشروعاً للإصلاح المؤسسي يستند إلى مبادئ العدالة الوظيفية واستدامة المرافق العامة، يمثل التفافاً ذكياً على أزمة الثقة العميقة مع حكومة الدبيبة، ويمنح الحراك غطاءً سياسياً يتجاوز ثنائية الاستجابة أو الرفض الحكومي.
تحدي الشرعية المنقضية
تأتي هذه التعبئة في توقيت تتصاعد فيه التساؤلات حول قدرة حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية على إدارة الموارد وتقديم الخدمات الأساسية. فبينما تتقاذف أروقة السلطة في طرابلس تجاذبات البقاء والتمديد، يختار العاملون في الصفوف الأمامية للقطاع الصحي إعلان مشروعهم الإصلاحي خارج الإطار التقليدي لمخاطبة رئيس الحكومة.
إن توجيه الدعوة إلى “مخاطبة الجهات التشريعية والتنفيذية والرقابية بلغة واحدة ومطالب موحدة”، كما ورد في البيان، لا يعكس فقط وحدة صف هشة، بل يعكس أيضاً إدراكاً بأن مركز القرار الفعلي لم يعد محتكراً في ديوان رئاسة الوزراء. هذا التوجه يضرب في العمق ما تبقى من هيبة سلطة تنفيذية تفتقر إلى تفويض تشريعي حقيقي، ويكشف عن إعادة تشكيل خريطة الفاعلين من خارج دهاليز السلطة القائمة.
الوحدة في مواجهة شبح الانقسام
وسط دعوات متكررة للابتعاد عن الخلافات الجانبية ونبذ التشكيك واحتكار التمثيل، يمكن قراءة بيان الحراك كوثيقة إدارة أزمة داخلية بقدر ما هو خطاب موجه للخارج. الإصرار على أن “القضية أكبر من الأشخاص والأجسام” ليس مجرد شعار توحيدي، بل اعتراف مبطّن بمدى هشاشة الجبهة الداخلية للعاملين بالقطاع التي ظلت لعقود مسرحاً للاستقطابات والانشقاقات.
وفيما تلوح الحكومة بورقة الاحتواء المالي أو الإداري الانتقائي، يسعى الحراك إلى تحصين صفه عبر تحويل الغضب المشروع إلى مشروع قانوني متماسك يصعب تفكيكه أو احتواؤه بترضيات فردية. الانفتاح المعلن على جميع المبادرات التي تعزز المشروع الأم هو رسالة موجهة إلى مراكز نفوذ موازية تدرك أن اختراق الجبهة الصحية أسهل بكثير من اختراق جبهة سياسية منقسمة أصلاً.
مسارات موازية وتجاوز السلطة الممسكة
أخطر ما في بيان الحراك ليس ما أعلنه، بل ما يوحي به من تحول في طبيعة العلاقة بين الكتلة المهنية الأكثر حساسية والدولة التي يمثلها الدبيبة. فمن خلال صياغة إطار تشريعي وإداري متكامل، ينتقل ميزان المبادرة من يد حكومة تدير الوقت وتراقب تحالفاتها الهشة، إلى يد تجمع مهني يطرح البديل الجاهز. إن هذا الأسلوب الذي يمزج بين لغة التمنيع القانوني ولغة التعبئة النقابية يذكر بأساليب الجماعات الوسيطة التي تملأ الفراغ عندما تتراجع قدرة الدولة المركزية على الوفاء بالتزاماتها.
وإذا ما نجح الحراك في توحيد خطابه أمام المؤسسات الرقابية والتشريعية متجاوزاً البوابة التنفيذية، فإنه سيرسم سابقة خطيرة لكيفية إدارة قطاعات حيوية بأكملها في مواجهة سلطة لا تملك من أدوات الحكم سوى اسمها، تاركاً حكومة الدبيبة أمام خيارين: إما الانضمام إلى قطار الإصلاح الذي لم تصنعه، أو مواجهته بثقلها المنهك، وهو ما يهدد بشرخ جديد قد لا تقوى عليه بنية هشة أصلاً.
ما بعد البيان: اختبار مصداقية أمام بوابة مغلقة
يبقى السؤال المعلق: هل ستنجح هذه الاستراتيجية الجديدة في اختراق جدار الجمود الذي ضرب وعود الإصلاح الحكومية لعامين متتاليين؟ بيان الحراك يقدم نصاً متماسكاً، لكن التنفيذ يظل رهيناً بأمرين: قدرة الحراك على إبقاء صفه موحداً بمنأى عن اختراقات المال السياسي، واستعداد الجهات التشريعية والرقابية لتبني المشروع وكأنه قانون منتظر.
في هذه الأثناء، تراقب حكومة الدبيبة هذا المخاض الجديد وهي تدرك أن أي قطاع ينجح في انتزاع حقوقه من خارج قنواتها، إنما ينتزع في الوقت نفسه ما تبقى من مبرر وجودها. عامان من الوعود المؤجلة أوصلت من ينقذون الأرواح إلى قناعة بأن خلاصهم لن يمر عبر الباب الذي ظل موصداً، فقرروا بناء بابهم الخاص، تاركين حكومة تصريف الأعمال لتواجه أصداء طرقاتهم التي لم تسمعها من قبل.



