دعوة لعصيان مدني في ليبيا احتجاجاً على سياسات الهجرة
موجة غضب شعبي تطالب برحيل مفوضية اللاجئين وترحيل المهاجرين
ليبيا 24
تشهد الساحة الليبية تحولاً لافتاً في أساليب التعبير السياسي، إذ لم تعد المعارضة تنحصر في بيانات النخب أو تصريحات القوى التقليدية، بل بدأت تجد طريقها إلى الشارع عبر شخصيات قادرة على استثمار منصات التواصل الاجتماعي في حشد التأييد.
في هذا السياق، خرج المحلل السياسي خالد الحجازي بدعوة إلى التجمع السلمي وعصيان مدني أمام البلديات، مستغلاً حالة الاستياء الشعبي المتصاعدة من ملف الهجرة غير الشرعية.
هذه الدعوة، بصرف النظر عن تقييم مضمونها أو فرص نجاحها، تسلط الضوء على إشكالية أعمق: مدى قدرة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة على احتواء القضايا الخلافية التي تمس الشارع الليبي مباشرة.
هشاشة الاستجابة الرسمية
منذ تولي الدبيبة رئاسة الحكومة منتهية الولاية، ظل ملف الهجرة غير الشرعية أحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد الليبي. غير أن الملاحظة الجوهرية هنا لا تتعلق بتعقيد الملف بقدر ما تتعلق بمنهجية إدارته.
فبينما تتصاعد وتيرة التوغل الديموغرافي الذي يثير حساسية بالغة لدى قطاعات واسعة من الليبيين، تبدو استجابة الحكومة محكومة بتوازنات خارجية تحد من هامش مناورتها.
هذا التردد في تبني خطاب حاسم يعكس أولويات سياسية تضع استمرار الاعتراف الدولي في مرتبة تتقدم على الاستجابة للضغوط الشعبية. ونتيجة لذلك، يجد خطاب مثل الذي يطرحه الحجازي أرضاً خصبة، لا لأنه يقدم حلولاً عملية بالضرورة، بل لأنه يعبر عن مكنون لم تجد الحكومة سبيلاً لاستيعابه أو تفريغه عبر قنوات رسمية.
التعبئة المحلية كبديل عن المركز
ما يميز دعوة الحجازي ليس مضمونها الاحتجاجي فحسب، بل اختياره البلديات كمنصة للتجمع. هذا الاختيار يحمل دلالة سياسية لا تخطئها العين، إذ يوحي بأن ثمة توجهاً لإعادة تعريف الشرعية من القاعدة إلى القمة، في وقت تواصل فيه حكومة الدبيبة التمسك بمركزية القرار في طرابلس.
عندما تتحول البلديات إلى مسارح للتعبير عن احتجاجات ذات طابع وطني، فإن ذلك يكشف عن فجوة ثقة بين المواطن الليبي والمؤسسات المركزية، وهي فجوة لم تنجح حكومة الدبيبة في ردمها.
إن اختيار هذا التوقيت بالذات لإطلاق الدعوة، في مرحلة تتصاعد فيها التساؤلات حول شرعية الحكومة وولايتها، يجعل من هذه التعبئة اختباراً عملياً لمدى تأثير الخطاب المعارض خارج الغرف المغلقة.
خطاب الهوية في مواجهة الخطاب الدبلوماسي
في بيانات سابقة، انتهجت حكومة الدبيبة خطاً دبلوماسياً حذراً في التعامل مع المنظمات الدولية العاملة في ليبيا، وهو خط تفرضه اعتبارات تتعلق بالوضع القانوني للحكومة وحاجتها إلى غطاء دولي.
غير أن هذا الحذر الدبلوماسي يترك فراغاً خطابياً يملؤه آخرون بعبارات أكثر حدة وتعبيراً عن مشاعر متأججة. الحجازي، عبر مطالبته برحيل مفوضية اللاجئين واستخدامه لعبارات قاسية بشأن “تغيير التركيبة السكانية”، يتبنى خطاباً لا ترف حكومي فيه، بل يواجه الظاهرة من زاوية الهوية الوطنية المهددة.
هنا تكمن المعضلة: فبقدر ما يعبر هذا الخطاب عن وجدان قطاع من الليبيين، فإنه يضع الحكومة في موقف دفاعي، عاجزة عن مجاراته دون تعريض علاقاتها الخارجية لمخاطر، وعاجزة عن إدانته دون خسارة ما تبقى من رصيدها الداخلي.
إعادة رسم خريطة الفاعلين
لا يمكن فهم الدعوة إلى العصيان المدني بمعزل عن الديناميات الأوسع التي تشهدها ليبيا. ففي بلد لم تحسم بعد مسألة من يحكمه وبأي شرعية، تتحول كل تحركات الشارع إلى رسائل سياسية متعددة الاتجاهات.
عندما يدعو الحجازي الأجهزة الأمنية إلى “الانحياز لصوت الشعب”، فهو لا يقدم نصيحة تقنية، بل يلمح إلى إمكانية إعادة تشكيل ولاءات هذه الأجهزة بعيداً عن الحكومة المركزية. هذا الطرح، الذي قد يبدو مبالغاً فيه، يجد جذوره في الواقع الليبي حيث الانقسام المؤسسي هو السمة الغالبة.
لكن الأخطر في هذا السياق هو أن عجز حكومة الدبيبة عن فرض سيطرتها الكاملة على الأجهزة الأمنية يجعل من هذه الدعوات أكثر من مجرد استفزاز خطابي، بل تتحول إلى مؤشر على مدى هشاشة قبضة الحكومة على مفاصل الدولة.
أزمة الثقة وتآكل التفويض
في التحليل النهائي، تكشف هذه الدعوة عن أزمة ثقة عميقة بين قطاع من الليبيين وحكومة الدبيبة، وهي أزمة تتجاوز ملف الهجرة لتمس جوهر العلاقة بين الحاكم والمحكوم.
فبغض النظر عن شرعية المطالب التي يرفعها الحجازي أو مدى واقعيتها، فإن مجرد ظهورها بهذه الحدة وبهذا التوقيت يطرح أسئلة جوهرية حول مدى نجاح الحكومة في إدارة توقعات الشارع الليبي.
عندما يختار مواطنون التعبير عن قلقهم الوطني خارج الأطر الرسمية، وعندما يجدون في شخصيات غير منخرطة في السلطة التنفيذية من ينطق باسمهم، فإن ذلك لا يمثل نجاحاً لجهة بقدر ما يمثل إخفاقاً لجهة أخرى هي التي تمسك بزمام الأمور رسمياً لكنها لا تمسك بثقة من تحكمهم.



