ليبيا

«لا نعرف عددهم.. لكننا نحتاجهم»… الباعور يفضح حكومة الدبيبة ويكشف فشلها في ملف الهجرة

حكومة الدبيبة عاجزة والشعب يسخر: خمسة آلاف عام للترحيل

ليبيا 24

حكومة الدبيبة عاجزة والشعب يسخر: خمسة آلاف عام للترحيل

الباعور ينفي التوطين ويمهد للعمالة الوافدة بخطاب مزدوج مربك

في مقابلة متلفزة بدت أشبه بجلسة اعترافات قسرية، خرج المكلف بتسيير وزارة الخارجية في حكومة الدبيبة منتهية الولاية، الطاهر الباعور، ليكشف عن هشاشة الدولة الليبية من بوابة ملف الهجرة غير الشرعية، لكنه وقع في تناقضات أربكت الشارع الليبي وأكدت مجدداً أن حكومة عبد الحميد الدبيبة تتعامل مع أزمة وجودية بأدوات رد الفعل والتبرير، لا بأدوات السيادة والقرار.

التصريحات التي بثتها قناة محلية تحولت إلى مادة دسمة للتحليل والانتقاد، بعدما مزجت بين نفي التوطين والانفتاح على توطين العمالة، وبين الترحيب بمبادرة المبعوث الأمريكي مسعد بولس وإنكار عبد الحميد الدبيبة لها سابقاً، في مشهد عبّر عنه مواطنون بأنه «ارتباك في غرفة العمليات فيما السفينة تغرق».

إرباك البداية: هل كان الباعور يُجيب أم يُهرب من الأسئلة؟

منذ اللحظات الأولى للمقابلة مع محمد زينوبة، لاحظ مراقبون أن الباعور لم يكن يمتلك إجابات جاهزة عن ملفات بعينها، وبدا مرتبكاً كلما تطرق الحديث إلى أرقام دقيقة أو اتفاقيات دولية. وعوضاً عن تقديم رؤية استراتيجية لحكومته، لجأ إلى إلقاء اللوم على الانقسام السياسي والمؤسسي لتبرير العجز عن حصر أعداد المهاجرين.

المكلف بتسيير الخارجية قال بالنص: «لا يمكنني أن أجهز حصراً بعدد المهاجرين في الكفرة مثلاً، واضطر للاستعانة بمنظمات أممية لتمنحني هذا الحصر». هذا الاعتراف الخطير، الذي يعني تخلي الحكومة عن أهم أدوات السيادة وهو الإحصاء السكاني والأمني، قوبل بموجة استهجان واسعة، حيث رأى معلقون أن من لا يسيطر على جغرافيته ولا يعرف من فيها لا يمكنه الادعاء بأنه يرفض التوطين، لأن التوطين يحدث على الأرض بينما الحكومة في عمى معلوماتي.خطأ تاريخي: متى دخلت مفوضية اللاجئين إلى ليبيا حقاً؟أحد أكثر اللحظات إحراجاً في اللقاء تمثل في محاولة الباعور تفسير وجود مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على الأراضي الليبية.

فقد صرّح بأن سبب وجودها يعود إلى «حرب الخليج» عام 1991 وإلى لجوء صوماليين آنذاك. وفور بث التصريح، انهالت التصحيحات من باحثين ومتابعين، مؤكدين أن حرب الخليج الثانية لم تكن سبباً مباشراً لتدفق اللاجئين الصوماليين، بل إن اندلاع الحرب الأهلية الصومالية وسقوط نظام محمد سياد بري في يناير 1991 هو ما دفع موجة لجوء إلى عدة دول من بينها ليبيا. خطأ الباعور، وإن بدا تاريخياً، إلا أنه يعكس حالة الاستخفاف بالتفاصيل التي تميز إدارة ملفات السيادة في حكومة الدبيبة.

وكتب أحد النشطاء متسائلاً: «كيف لمن لا يعرف تاريخ الاتفاقيات مع المنظمات الأممية أن يحمي البلاد من آثارها الحالية؟».«لا توطين» ولكن «عمالة وافدة»: ازدواجية تغذي الريبةفي صلب الأزمة، كرر الباعور أن «لا أحد يقبل بالتوطين»، وأن التعاون مع الاتحاد الأوروبي ومنظمات الهجرة يقتصر على العودة الطوعية والترحيل. لكنه في اللحظة ذاتها فتح الباب واسعاً أمام بقاء مئات الآلاف إن لم يكن الملايين، حين قال إن «ليبيا دولة تحتاج إلى العمالة الوافدة، بالأخص في مشاريع التنمية… لدينا قطاعات عديدة مثل الزراعة والبناء والصناعة تحتاج عمالة وافدة، وهو ما يحتاج لتنظيم رسمي شامل». هذا التحول من خطاب مناهض للهجرة إلى خطاب الترويج لاستقدام العمالة، فجره أحد المغردين بسخرية قاسية حين كتب: «نرسل 145 مهاجراً غير شرعي كل 3 أشهر، ونحتاج 5000 سنة لإخراج الـ 3 مليون مهاجر غير شرعي، رغم أننا محتاجين نصفهم للزراعة وكعمالة… يعني بعد 2500 سنة سنخرج نص العمالة بإذن الله». التغريدة التي لاقت آلاف التفاعلات، لخصت جوهر المأزق: الحكومة ترفع شعار مكافحة الهجرة، لكن سياساتها على الأرض إما عاجزة أو متواطئة، في حين يتحول نفي التوطين إلى حاجة فعلية لبقاء العمالة، مما يجعل خطاب الرفض مجرد مسرحية دبلوماسية للاستهلاك الخارجي.مبادرة بولس: انقلاب على رواية الدبيبةمنذ أشهر، كان رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة يلوّح برفضه لأي مبادرات خارجية لا تنبع من إرادة ليبية خالصة، وتحديداً تلك التي يقودها رجل الأعمال الأمريكي مسعد بولس. عبارته الشهيرة «مبادرة ما مبادرة، بولس ما بولس، أمريكا ما أمريكا» تحولت إلى مادة للتندر، لكن الباعور قلب الطاولة على رئيس حكومته بإعلانه الواضح: «حكومتنا رحبت بالمبادرة الأمريكية التي يقودها المستشار مسعد بولس، ولقد نجح في المسار الاقتصادي والأمني ويعمل الآن على الملف السياسي بالتعاون مع الأمم المتحدة». هذا التناقض الصارخ كشف أن حكومة الدبيبة لا تمتلك سياسة خارجية موحدة، وأن مسؤوليها يتحدثون بلغات مختلفة بناءً على الجمهور الذي يواجهونه. محمد زينوبة الذي أدار الحوار نجح، وفق تعليقات واسعة، في «دكنة» الحقيقة: التصريحات السابقة للدبيبة كانت مناورة سياسية، في حين أن الحكومة منخرطة بالكامل في المسار الذي تقوده واشنطن، عاجزة حتى عن إدارة تناقضاتها الداخلية.

دولة داخل الدولة:

وصاية المنظمات التي اعترف بها الباعور دون أن يدري أخطر ما ورد في تصريحات الباعور كان اعترافه بأن مفوضية اللاجئين تمنح بطاقة اللجوء لـ 7 جنسيات، وأن هذه البطاقة «تمكن اللاجئ من الانتقال إلى بلد ثالث وليس البقاء في ليبيا». لكن الواقع الذي يرصده الشارع الليبي يومياً يكذّب هذه الفرضية تماماً. فبدلاً من مغادرة اللاجئين، تتحول ليبيا إلى معسكر انتظار عملاق، وهو ما أكدته تصريحات سابقة لرئيسة شؤون اللاجئين بالمفوضية، كارمن صخر، التي هددت الليبيين بمنعهم من السفر إلى أوروبا إن تعرضوا لأفارقة، واعدة بمنح اللاجئين حقوق التعليم والصحة والعمل والتعيينات في غضون أشهر. أحد الليبيين علّق بغضب: «عندما تهدد موظفة أممية مواطناً ليبياً بالمنع من السفر على أرضه، فهذا احتلال بدون بندقية، واحتلال ديمغرافي بالقانون المزور. السيادة لا تتجزأ، والقانون الليبي وحده من يحاسب الليبي على أرض ليبيا». الباعور، الذي اكتفى بتكرار أن ليبيا لم تنضم لاتفاقية 1951، بدا غير مدرك أن رفض الانضمام الورقي لا يحمي من اختراق السيادة حين تتحول المنظمات إلى سلطة موازية تمنح حقوقاً وتفرض عقوبات على المواطنين.الشارع يحاسب: غضب وسخرية من مسؤول لا يعيش هموم بلادهلم تقتصر ردود الفعل على النخب والمحللين، بل امتدت إلى قطاعات واسعة من الشارع الليبي الذي رأى في تصريحات الباعور استفزازاً جديداً. أحدهم كتب: «المسؤولين في ليبيا مثل من في سفينة مليئة بالخير وهي تغرق، كلٌ يحاول أن يأخذ منها وينادي على من يعرف، يحاول أن يخرج بأكبر الغنائم قبل الغرق». آخر أضاف: «أنا والله ما وجعني إلا هذا الشعب المسكين، إلى معجب بلاص العاصمة ومعجب بفلوق ملك السوق، ليبيا محتاجة رقية شرعية مستعجلة». أما التعليقات التي ركزت على أداء الباعور في المقابلة فأشارت إلى أنه «يتحدث بارتباك نتيجة التسرع أو نقص التحضير»، وأنه كان يلوم مطار بنينا في الشرق ويعلم أن مطار معيتيقة خارج سيطرة الدولة، وكأنه يتنصل من مسؤولية حكومته عن الفوضى الأمنية. السؤال الذي تكرر بقوة: «أين وزارة الدفاع والداخلية؟ لماذا لم نر أي قرار وزاري يلزم الأجهزة الأمنية بوقف التدفق؟». بالفعل، منذ سنوات وحكومة الدبيبة في السلطة، لم يصدر عنها أي إجراء عملي ملموس على الأرض يحد من تدفق المهاجرين، لا على مستوى تأمين الحدود ولا على مستوى تفعيل آليات ترحيل صارمة وفورية، وهو ما جعل الشارع يصف الحكومة بأنها «فاشلة وعاجزة عن حل مشكلة الهجرة غير الشرعية».المخاطر الثلاثة التي لم يرها الباعوربعيون المحللين الاستراتيجيين، يمكن تفصيل المخاطر التي حملها خطاب الباعور دون أن يدري، في ثلاثة محاور قاتلة للأمن القومي الليبي:الأول: صناعة مغناطيس بشري. حين تتحدث الحكومة عن ترحيل 30 ألفاً في سنوات، بينما تغرق البلاد بملايين المهاجرين، وحين تظهر مقاطع ترحيل إلى أوروبا كدعاية، فإنها تغري ملايين الأفارقة بالقدوم إلى ليبيا على أمل التسجيل في برامج المفوضية. فالنتيجة هي تضخم الأزمة لا حلها.الثاني: تأسيس دولة داخل الدولة. قيام منظمات دولية بمنح صفة قانونية (لاجئ) لأفراد دخلوا بطرق غير شرعية، وتشغيلهم لمنظومات مستقلة تماماً عن الدولة الليبية، يُفقد طرابلس أبسط معاني السيادة ويجعلها في «عمى معلوماتي» داخل حدودها. اعتراف الباعور بعدم وجود حصر دقيق هو دليل الإفلاس السيادي.الثالث: استنزاف البنية التحتية والهوية. تحويل ليبيا من نقطة عبور إلى «محطة انتظار دائمة» يعني ضغطاً مرعباً على الخدمات والصحة والأمن، ويخلق اقتصاداً موازياً يضرب العملة المحلية ويغذي الجريمة، ويمهّد لتحول ديمغرافي يصعب عكسه. هذا هو التوطين الفعلي الذي تتستر عليه مصطلحات مثل «العمالة الوافدة» و«وسائل الدعم المشتركة».الخاتمة: شوارعنا ومدارسنا بحاجة لإعادة البناء… ولكن من المسؤول عن الخراب؟حين قال الباعور «شوارعنا ومدارسنا بحاجة لإعادة بناء وليس الصرف على المهاجرين»، نسي أن حكومته هي من أوصلت ليبيا إلى هذه الحالة، بفشلها في توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية التي قال إنها الحل الجذري. لم يصدر مرسوم واحد يجبر الداخلية والدفاع على استعادة الحدود، ولم تُفرض رقابة على عقود العمل الوهمية التي تعترف بها الخارجية، ولم نر مشروعاً وطنياً لحفظ الهوية، بل رأينا تصريحات متناقضة تهادن الأوروبي وتخذل الليبي. معادلة الشارع بسيطة: حكومة لا تعرف عدد الموجودين على أرضها، وتعترف بحاجتها إلى عمالتهم، ثم ترفع شعار رفض التوطين، إنما ترتكب خيانة ذكية للسيادة. الليبيون سئموا المسرحيات، وبدأوا يحسبون عدد السنوات التي ستبقى فيها بلادهم ساحة لتصفية أزمات الآخرين، من دون أن يملكوا حتى سوراً يحمي مدارسهم وشوارعهم التي تحتاج إعادة بناء حقيقية لا مجرد كلمات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى